مارلين مونرو صورة أميركا حاضرة وغائبة

الأحد 2017/04/23
دمية صنعتها القوة ثم أحرقتها لتعود الحاجة إليها اليوم

أبوظبي - قال الأكاديمي الأميركي لويس غولدمان، المتخصص في قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية بأميركا اللاتينية، إنه يدعو الولايات المتحدة إلى العمل بمبدأ مارلين مونرو أيقونة الإغراء المعروفة بدلا عن مبدأ مونرو الذي تأسس في عام 1832 وتم تجديده في 1961 وهو يعتمد على الهيمنة واستخدام القوة لتشكيل العالم على نموذج أميركا.

وأضاف غولدمان أن دراسة اتفاقيات التعاون بين الدول والأقاليم وتبلغ 33 ألف اتفاقية منذ 1945 إلى 2015 توضح أهميه عوامل الجذب والتحفيز في دفع التنمية، وبالتالي الحد من الصراعات، وبما أننا نتكلم عن الجاذبية فلا يوجد أفضل من مارلين مونرو لإطلاق اسمها على هذا المبدأ.

كان هذا في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السنوي لمنتدى البحوث الاقتصادية، حيث أكد غولدمان أن في العالم الكثير من الجزر والقليل من العصيّ، فلماذا يستخدم القادة العصيّ بينما ليس هناك حاجة إليها.

واختتم بالتعبير عن إعجابه بالفيلسوف العربي ابن خلدون ونهجه في الدعوة إلى التماسك بديلا عن انفراط العقد.

الخيال سعادة أبدية

كانت هذه العبارة لأوسكار وايلد الذي رأى أن قيمة المرأة الجميلة في عالمنا هذا تكمن في بضاعتها أي “جمالها” الذي يشكل أصول رأسمالها. ففي عالمنا الذي تأسس على الالتزامات العقدية (البيع والشراء) تشكل فتاة الإغراء النموذج الوحيد والممكن للمرأة.

الأكاديمي الأميركي لويس غولدمان، المتخصص في قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية بأميركا اللاتينية، يدعو الولايات المتحدة إلى العمل بمبدأ مارلين مونرو أيقونة الإغراء المعروفة بدلا عن مبدأ مونرو الذي تأسس في عام 1832 وتم تجديده في 1961 وهو يعتمد على الهيمنة واستخدام القوة لتشكيل العالم على نموذج أميركا

وإذا كنا مع القائلين بأن العالم في صيغته الراهنة سوق كبيرة، ستكون المعايير الأخلاقية هي معايير محض أكاديمية. والحال كذلك فان المرأة التي تبيع نشاطها الجنسي طواعية ليست امرأة “غير أخلاقية”. وفي الوقت الذي جعل فيه “رجل الأعمال” من نقوده وأصوله رأسمالا له، جعلت تلك المرأة من جسدها رأسمالا لها تستثمره متى أرادت.

تدمّر بائعة الهوى الرجال الأثرياء وتستنزفهم ماديا في الوقت الذي يمارسون فيه استنزافا روحيا وجسديا عليها. إنها تنغمس في نشاطات جنسية تتطابق فيها أصول رأسمالها مع الرصيد المصرفي للرجل. وإذ يلقى رجل الأعمال الذي يتطابق دوره مع دور بائعة الهوى الناجحة الاستحسان لفطنته وذكائه وتقابل قسوته بالإعجاب، تلام هي على جشعها، رغم أن الأمر متماثل بين الطرفين.

على أيّ حال، يمكن لبائعة الهوى، كما يرى أوسكار وايلد، أن تستعيد شيئاً من المرتبة الأخلاقية التي فقدتها إذا ما اختتمت مهنتها بتوبتها. هذ التوبة التي تأتي ليس لأن تلك المرأة قانعة بأن مسيرة حياتها كانت ضلالا مبينا، بل لأنها من البشر ولها قدرة احتمال إذ لا يمكن لها أن تلعب دور الأنبياء الشهداء الذين يدافعون حتى الرمق الأخير.

في وسائل الإعلام التي تروج للبورنوغرافيا يصل التوتر الكامن بين جمال النساء وبين إنكار الجنسانية التي هي مصدر لذلك الجمال إلى طريق مسدودة تماماً.

خلق الطفلة الجميلة

إن المحاولة الأولى للخروج من هذه المعضلة كانت في خلق طفلة لم تبلغ المرحلة الجنسية وبعثها على أنها البطلة. وكان المنتوج الثقافي لهذا الوضع المتوتر في مفهوم “الطفلة الصالحة الضالة” الذي جسدته الشقراء الممتلئة مارلين مونرو بوصفها الضحية.

مارلين مونرو سليلة مجتمع له منجز حضاري وثقافي وتمثل الشمال المتناغم لها بعينين جميلتين مغريتين، نوافذ الروح. غُزلت بشرة مارلين الصافية المبهرة بنسيج ناعم وبدت وكأن لمسة تكفي لخدشها. لقد كان لمارلين جسد حالم. وبالرغم من أن جسد أشهر شقراء في العالم يعكس إيروسية صحية، لكنها لم تعرف ماهية هذه الإيروسية.

لقد كانت قدرتها متطرفة على تجسيد استشهادها، حتى أن حياتها التي سطَّرها نورمان ميللر امتلأت وبشكل كامل بمصطلحات أسطورية أكثر منها بمصطلحات واقعية. لقد منح في سيرته الذاتية مارلين “التي كتبها بلغة مُنَمّقة مبهرجة، واستطاع أن يُجَنِّد كل الرثاء الكامن في ذلك الجسد الأشقر الخارق”، فهو يقتطف من ديانا ترللينغ “ليس هناك من أحد غير مارلين مونرو يمكن أن يوحي بمثل طهارة الجنس وبهجته، فالجرأة التي يمكن أن تستعرض نفسها من خلالها دون أي بذاءة. توهجها الجنسي، وتبجحها الذي يتنفس من هواء الغموض والتحفظ، وصوتها الذي يحمل تلك النغمة الريانة المفعمة بالإثارة الإيروسية، يبقى صوت طفلة. هذه المُركّبات أكملت موهبتها، في الوقت الذي يصفون فيه فتاة يانعة وقعت في شرك عالم خيالي غافل”.

هشاشتها "شقرتها المشفرة" هي التنكر الواعي للمازوشية

لقد كانت مارلين نتاجا لمجتمع اعترف بجنسانية النساء إلى درجة مقبولة وهي تمثل الشمال المتحضر “جرن الانصهار” الأميركي.

مارلين الحلم أميركا الحلم

ولدت مونرو في الأول من يونيو من العام 1926 باسم نورما جين موتينسن، ليتغيّر اسمها لاحقاً إلى نورما جين بيكر نسبة إلى والدتها حيث لم تكن متأكدة من أبوة والدها.

عانت في طفولتها من “التأتأة” فكانت تتلعثم كثيراً في كلامها، دخلت إلى دار للأيتام في سن التاسعة بعد أن رفضت أمها رعايتها، وانتقلت بين عائلات عدّة، متعرضة لتجارب صعبة. وفي السادسة عشرة من عمرها تزوّجت من جارها البالغ من العمر الـ21 سنة كي تهرب من دار الأيتام.

رونالد ريغان الذي سيصبح بعد عقود رئيساً للولايات المتحدة هو من اكتشف مارلين مونرو حين كان ممثلا، فحصلت على أول أجر لها في العام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة واشتهرت بعد وضع صورتها كعارضة أزياء في إحدى الشركات الإعلانية، عندما كانت في التاسعة عشرة من العمر.

وحين ظهرت بشعرها الأشقر تحولت إلى “صاعقة أنثوية” كما يقال. وتحوّلت سريعاً إلى نموذج للصورة التي كانت تريد أميركا أن تكون عليها بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا كما يقول النقاد، كانت مارلين مونرو مصنوعة ليس فيها شيء من الحقيقة، وكان يتحتم عليها أن تبقى دمية تشكّل حسب الطلب أمام العالم وعلى شاشات السينما لتصور حالة أميركا التواقة للإبهار والإغراء والهيمنة على شعوب العالم، وأصبحت مارلين مونرو “المرأة الحلم” كما أن أميركا أصبحت “البلد الحلم”.

ما نزال نسمع ترنيمةً كانت مارلين ترددها على الدوام “يلاحقني الرجال طوال الوقت” دون أن تعرف السبب. فهي لم تكن لديها الثقة في أن تجعل من نفسها بذيئة. ولكن أيّ رجال؟ إن من يلاحق مونرو هم صناع البلد والمؤسسات العملاقة. هم من خلقوها وهم من يلاحقونها. إنهم أسياد الانحرافات. إن موتها بعقار الباربيتوريت، وحيدة عارية في سريرها، كان ينتظره الكثير من النيكروفيليين، إنه الموت المعاصر للشقراء الوديعة زرقاء العينين، ذهبية الصوف، التي سيقت كي تُقتل على مذبح العالم.

لم تولد مونرو شقراء بل أصبحت كذلك. فصفة الشّقرة، بضم الشين، حالة من النعمة والنقمة. إن النساء في هذا العالم، شأن شرائح اللحم. من الناس من يطلبهنّ ناضجات جدا. ومنهم من يفضلهنَّ في مرحلة ما قبل النضج بقليل. ومنهم من يرغب بهنّ وقد امتلأن بالدماء. إن الشقراء هي صاحبة الهوية الأكثر ازدهاراً على الصعيد التجاري في الشمال.

وإذا ما تبنّت مونرو الشقرة طواعية، فإنما ألبست نفسها رداء الشهادة. إن هشاشتها “شقرتها المشفرة” هي التنكر الواعي للمازوشية. وكما يقال “يستولي السُكَّر دائماً على الجانب الرقيق من قطعة الحلوى” لذلك فإن محنتها ليست من صنع يديها، وبراءتها جُعلت حقيقية بالنسبة إلينا وذلك بتدنيسها. فالوحل هو الذي يُظهر بياض الورقة الناصع.

كانت مونرو ضحية مجتمع أرادها أن تكون ما هي عليه. لقد كانت ساذجة، غبية. إنها التجسيد الحقيقي للنعجة ذلك أنها تجهل قيمتها التبادلية مع الآخر. خلافا لهيفاء التي تقدر ممتلكاتها حق تقدير. إنها تعي أنها المنتصرة كما أنها تعرف بأنها تمتلك الفرص باستمرار وهي ليست قلقة بشأن ذلك.

وإذا كانت مارلين قد لعبت دور المهرجة فإن هيفاء وهبي اللبنانية تلعب اليوم دور كاتب السيناريو بل والمخرج الذي يوزّع الأدوار.

صناع القرار وقادة أميركا والمؤسسات العملاقة هم من خلقوا مارلين وهم من لاحقوها. إنهم أسياد الانحرافات. إن موتها بعقار الباربيتوريت وحيدة عارية في سريرها، كان ينتظره الكثير من النيكروفيليين، إنه الموت المعاصر للشقراء الوديعة زرقاء العينين، ذهبية الصوف، التي سيقت كي تُقتل على مذبح العالم

كوميديانة وشبح متخيل

إن براءة مارلين تحظّر عليها أن تغوي فالأكثر براءة هم الأكثر عذاباً. وهنا لا تجد بدا من أن تتحول إلى كوميديانة. وسوف تتبنى شخصية حائر الجنس كوسيلة لحمايتها من المطاردين لها. أن تكون المرأة الجميلة دائماً في صميمها مهرّجاً أمر غريب. لقد استبدلت مارلين مواضع أنوثتها بلواحق حولتها إلى رموز لكائن ممسوخ.

لقد جرّدت مارلين نفسها من الجنس وذلك بالاعتراف بهزلية جنسانيتها. لقد باتت مهيأة لتسمح لصدرها وجسدها أن يتحولا إلى إلماحات مسرحية تستثير الضحك، مثل الأنف الأحمر للمهرج وسرواله المنتفخ. إن الضحك الذي تستحضره مارلين ما هو إلا شكل من أشكال التدنيس حاولت أن تحمي نفسها منه، وذلك بالسخرية والضحك من نفسها قبل كل شيء.

إنها تريد أن تسترضينا وتتحبب إلينا من خلال جهلها بقدرتها على الإغواء. إنها تنوي كشف مواطن ضعفها وقابليتها للسقوط، وستتجنب العداء وتنتزع الحب، وتعتقد أنها ستضع حداً للعقاب المنُزّل عليها إذا ما قالت “انظروا كم آذيتموني”. لكن العقاب يستمر، ويزداد، بل سيشتد بما أن هدفه كان إنزال هذا الألم وهنا يكون قد تأكد احتجاجها اليائس.

لقد ولدت مارلين كشبح، أو امرأة لم تولد كامرأة، بل كفكرة ثقافية مغشوشة لامرأة يتم تقديرها فقط من أجل قيمتها الزخرفية. إن الشرط الأخير للمرأة المتخيلة هو أن “يفضّل الرجال أن يكونوا قد ناموا معها، من أن يناموا معها بالفعل” فهي أكثر إثارة عندما تكون مجرد ذكرى أو فانتازيا استمنائية.

لم تع مارلين مظهرها بوصفه خاصية لنفسها بل شيئاً دخيلاً عليها. وهي تخشى الرجال الذين يريدونها فقط لأنها جميلة. لربما كانت تافهة، لكن ولأنها جميلة جداً فهي تثير الشهوة، لذلك فهي تعرف في صميم قلبها أن عليها أن تكون سيئة، وإذا كانت سيئة من الصواب أن تُعاقب، وهي مستعدة دائماً لمعاناة أكبر. إنها مستعدة لذلك لأنها مستعدة دائماً أن تبهج الآخرين .

“هذا ما أحبه في النساء” قالها سانت فوند أحد شخصيات ماركيز دوساد عندما انفجرت في البكاء فتاة كان يعذِّبها. إن جوستين دو ساد نموذج إنكار الأنوثة كتطبيق عملي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. والأسوأ من هذا كله هو المؤامرة الثقافية التي ضللَّت مارلين مونرو وأخواتها. لذا فهن يقدّمن صورة مبهمة للعجز والاستسلام الواقع في شرك الذكورة الفاشلة الأبدية.

هنا يعثر الأميركيون من جديد على أيقونة مارلين حين ينادونها من موتها لإعادة التمثل بها من جديد، وبدلاً من قهر العالم بالقوة والبطش يريدون غواية العالم بالجمال والسحر.

9