مارون الحكيم الرسام والنحات معا في مواجهة الواقع

تجريدي في بعض رسومه وتشخيصي في النحت، لذلك استطاع الحكيم أن ينشئ جسورا بين تجريديته وتشخيصيته من خلال حس إنساني رفيع المستوى وحساسية فنية وصلت بالمرئيات إلى واحدة من أكثر درجاتها شفافية.
الأحد 2019/08/18
لبناني صنع خياله بخبرة الطفل

هناك نوع من الفنانين لا يمكن فصل سيرتهم الشخصية عن سيرتهم الفنية، فهما الشيء نفسه. لقد قُدر لذلك النوع أن يرى منذ الطفولة مصيره على شاشة أحلامه ممتزجا بالمواد وقد شكلت إطارا لحياته الصغيرة.

ذلك النوع يبدو متمردا على طفولته حين يستغرق في ألعاب، هي ليست ضمن قائمة الألعاب المسلية الجاهزة. فقد تنطوي على نوع من شقاء الخيال وألمه الذي سرعان ما يتحول إلى لذة.

حين يمتزج الرسم بالنحت

اللبناني مارون الحكيم هو من ذلك النوع الذي قاده شغفه بالمواد الخشنة منذ طفولته إلى أن يرى صورته فنانا. لذلك فإنه لم يتخل عن تلك المواد حين صار فنانا، بل ومعلما للفن.

كان من الممكن أن يكون الحكيم بناء فهو ابن أسرة من البنائين. غير أنه اكتفى من تلك المهنة بموادها وأدواتها من غير أن ينزلق إلى احترافها. لقد كان قدره يقيم في مكان آخر، سيكون لتلك المواد والأدوات النصيب الأكبر في خلقه.

وهكذا وجد حياته لا تسير إلى جوار حلمه في أن يكون فنانا. لقد حمل من تلك الحياة العناصر التي صنع الفنان من خلالها حلمه.

فحين درس الرسم كان النحات يقيم في داخله حاملا إزميله في مواجهة ثلاث مواد حملها معه من طفولته؛ الرخام والخشب والحديد.       

لذلك لم يكن من العسير عليه الجمع بين فني الرسم والنحت بطريقة المحترف الذي يعرف متى يفصل بينهما ومتى يجعل منهما الفن المركب نفسه.

ولأن الحكيم كان تجريديا في بعض رسومه وتشخيصيا في النحت بشكل عام فإنه استطاع أن ينشئ جسورا بين تجريديته وتشخيصيته من خلال حس إنساني رفيع المستوى وحساسية فنية وصلت بالمرئيات إلى واحدة من أكثر درجاتها شفافية. فكانت مشاهده تشف عن وقائع عذبة في تاريخ الألم الإنساني وشهوته.

مفهوم {اللوحة – المنحوتة} توصل إليه الحكيم من خلال تجربته الشخصية التي وجد أنها تلتقي بالكثير من التجارب الفنية العالمية على مستوى المفهوم وبالأخص تجربتي الأميركيين جاسبر جونز وروبرت راوشنبرغ.
مفهوم "اللوحة – المنحوتة" توصل إليه الحكيم من خلال تجربته الشخصية التي وجد أنها تلتقي بالكثير من التجارب الفنية العالمية على مستوى المفهوم

وكما أعتقد فإن مارون الحكيم ما كان يصل إلى تلك المعادلة المرهفة لولا إخلاصه لطريقة في التفكير في الفن، كانت محور حياته منذ أن تعرف على سحر المواد في طفولته.

لقد رأى بعيني الفنان في طفولته وهو اليوم بعد أن صار فنانا يستعيد النظر بعيني الذي كانه.

ولد الحكيم في بلدة مزرعة يشوع بقضاء المتن عام 1950. والمتن لمَن لا يعرفه هو أحد أقضية محافظة جبل لبنان الستة. وهو من أكثر المناطق شعبية في لبنان والتي تمتاز بمشاهدها الطبيعية الساحرة التي تطل على البحر المتوسط.

في تلك الأجواء عاش الحكيم طفولته وهو الابن الأخير لعائلة بنائين، نسبة إلى المهنة التي كان يمارسها الأب وعدد من الإخوة. وهو ما جعله منذ البدء متعلقا بأدوات البناء ومواده، الأمر الذي طبع طفولته بنمط خاص من اللعب الذي يمزج التسلية العابرة باختراع أشياء صلبة ذات قدرة على البقاء، هي ما جعله ينظر إلى اللعب باعتباره وسيلة للوصول إلى معنى ما.

تخرّج من الجامعة اللبنانية عام 1975 بعد أن درس الرسم. ثم حصل على دبلوم في السيراميك من روما. وما بين عامي 1986 و2013 كان رئيسا لقسم الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية.

أقام أول معرض شخصي له عام 1977 في الرباط. بعد ذلك المعرض أقام أكثر من 30 معرضا شخصيا. وبعد أن ترك المهنة الأكاديمية حوّل جزءا من بيت العائلة في قرية يشوع إلى صالة خاصة به، صار يقيم فيها معارضه. محاولة نتج عنها مع الوقت البيت – المتحف. 

من خلال ذلك البيت – المتحف استعاد الحكيم حياته الشخصية باعتباره فنانا متفرغا. كما أنه توصل إلى إقامة متحفه الشخصي من غير ضجيج إعلامي. فما يُحسب له أنه تربى متصالحا مع الطبيعة مسحورا بهباتها الكريمة ولم تكن عزلة الفنان لتشكل حاجزا بينه وبين الآخرين.

في إطار اللوحة – المنحوتة

الحكيم يقوده شغفه بالمواد الخشنة منذ طفولته إلى أن يرى صورته فنانا. لذلك فإنه لم يتخل عن تلك المواد حين صار فنانا، بل ومعلما للفن
الحكيم يقوده شغفه بالمواد الخشنة منذ طفولته إلى أن يرى صورته فنانا

يعود الحكيم دائما إلى نصيحة معلمه الفنان الرائد رشيد وهبي الذي اكتشف موهبته مبكرا وحثه على دراسة الفن أكاديميا. وهو ما فعله عام 1971 غير أنه حين وجد نفسه محاطا بتجربة لم يألفها هي تجربة اللون والخط لم يشعر بالإحباط بل حمله إصراره على النجاح إلى أن يوظف خبرته في الكتل والأشكال من أجل الوصول إلى نتائج مختلفة. كانت تلك النتائج هي محصلة الصراع بين الصلابة والرقة، العتمة والشفافية، الكتلة المدورة والسطح الأفقي.

تجربة من ذلك النوع وهبته القدرة على رؤية الأشكال والمساحات بطريقة ميزته عن أقرانه محمد الرواس، حسن جوني، عصام خيرالله وعماد أبوعجرم.    لقد توصل إلى مفهوم “اللوحة – المنحوتة” من خلال تجربته الشخصية التي وجد أنها تلتقي بالكثير من التجارب الفنية العالمية على مستوى المفهوم وبالأخص تجربتي الأميركيين جاسبر جونز وروبرت راوشنبرغ.

تأثر أسلوب الحكيم بخبرته الواقعية التي سيطر من خلالها على علاقة المواد ببعضها البعض. وهي علاقة لم تقتصر على النحت حيث تداخل الخشب والحديد في تجربة فريدة من نوعها بل تخطاه إلى الرسم حين صار يستعمل العلب الفارغة على سطوح لوحاته كما لو أنه يرسمها. كان هناك دائما لديه نوع من التحدي. هو تحدي الرسم بالنحت من غير أن يكون ذلك التحدي موجها ضد الرسم بل في خدمته.

“لن أستريح وأملّ حتى تنضب علب الألوان من مخزنها. ولن أستسلم للضجر ولن أتعب حتى القيامة. سأبتكر الاحتمالات حتى آخر الأنفاس”، ذلك ما كتبه في معرضه الذي حمل عنوان “سليل الضوء” والذي أقامه ببيروت عام 2015. ربما كان الحكيم من خلال قوله يشير إلى غزارته في الإنتاج غير أن تلك الجملة تشير إلى ثقته بالفن خلاصا.

في ذلك المعرض الذي يغلب عليه الطابع التجريدي يوائم الفنان بين الريف والمدينة. فلأنه ابن المكانين صار حاذقا في النظر إليهما من خلال تجربته الشخصية التي تستند إلى الخلاصات، أكثر من أن تعنى بالتفاصيل التي لا يمر بها الضوء.

تأثر أسلوب الحكيم بخبرته الواقعية التي سيطر من خلالها على علاقة المواد ببعضها البعض
تأثر أسلوب الحكيم بخبرته الواقعية التي سيطر من خلالها على علاقة المواد ببعضها البعض

الفنان الذي اخترق حياتي الريف والمدينة بالعمق نفسه كان يرغب من خلال الفن أن يطرح معادلته الشخصية التي لا علاقة لها بتجربة العيش المباشر، بقدر ما هي تعبير في النظر

إلى الفن والتفكير فيه، باعتباره وسيطا جماليا بين الطبيعة والواقع. وهو ما جعله يندفع في اتجاه الإلهام البصري الذي يقيم على سطح اللوحة. كان الحكيم في أساس تربيته الفنية مخترع أشكال. وهي الصفة التي تتحكم بطريقة تفكيره في الفن. في وقت ما رأى ما لم يكن زملاؤه يتمكنون من رؤيته. لا لشيء إلا لأن عينه ذهبت إلى مكان آخر. 

الحكيم هو ابن قريته غير أنه لم يكن فنانا ريفيا. وهو بالقوة نفسها ابن المدينة الذي رفض أن يكون رساما مدينيا مجردا من عاطفته.

ما فعله الحكيم إنما يلخص تجربته في التماهي مع سيرته الشخصية. وهي سيرة رجل ألهمته علاقته المبكرة بالمواد نوعا من الصلابة أهّلته لكي لا يستجيب للغوايات المؤقتة. إن ما يرسمه تجريديا يمكن النظر إليه باعتباره نوعا من الواقع.

“ذلك ما رأيته” ولن يقول “ذلك ما تخيلته”، ذلك لأن الحكيم لا يزال يملك القدرة على النظر بعيني الطفل الذي صنع خياله.  

9