مارينا سيلفا المنافسة الأوفر حظا للإطاحة بعرش ديلما روسيف في البرازيل

الأحد 2014/08/31
مارينا سيلفا ناشطة بيئية متميزة وسياسية استثنائية رغم طفولتها القاسية

دول أميركا اللاتينية ومنها البرازيل تتميز بظهور شخصيات سياسية جديدة على الدوام، وللمرأة في هذا الصدد حضور متميز فكثيرات هن النساء المناضلات والفاعلات السياسيات اللاتي تسهمن، بقوة، في رسم ملامح المشهد السياسي للمنطقة وقد ذاع صيتهن في عالم السياسة ووصلن لمناصب عليا في الدولة، ولعل الخاصيات الثقافية والحضارية والسياسية لهذه الدول تقف وراء هذا الحضور الفاعل للمرأة.

تشهد الساحة السياسية البرازيلية حراكا سريع النسق في الآونة الأخيرة على وقع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وفي غضون هذا الحراك برزت شخصية سياسية مثلت مفاجأة بالنسبة إلى البرازيليين وهي الخبيرة البيئية مارينا سيلفا التي يرى فيها البعض منافسا قويا قد يحول دون إعادة انتخاب الرئيسة المنتهية ولايتها ديلما روسيف.

عنصر الإثارة يرجع إلى عدة عوامل منها الظرفية التي تم بسببها ترشيح مارينا سيلفا من قبل الحزب الاشتراكي البرازيلي لخوض الانتخابات الرئاسية لهذا العام، بعد وفاة زعيمه ومرشحه إدواردو كامبوش الذي لقي حتفه يوم 13 آب/أغسطس إثر حادث طائرة، وقد رأى فيها أعضاء الحزب الشخصية الأمثل لخلافة مرشحهم.

هذا الحادث غيّر ملامح الخارطة الانتخابية الرئاسية، وفرض دخول شخصية نسائية جديدة إلى قائمة المرشحين وأوجد في قائمة المرشحين للرئاسة شخصية نسائية جديدة لم تعلن ترشحها لخوض هذه المنافسة من تلقاء نفسها، لكن رغم ذلك اعتبرها محللون سياسيون تهديدا جديا لم يكن متوقعا، لإعادة انتخاب ديلما روسيف، خاصة بعد أن واجهتها بثقة وأريحية الثلاثاء الماضي خلال أول مناظرة تلفزيونية في الحملة الانتخابية، وبعد نتائج استطلاعات الرأي التي حصلت فيها على المرتبة الثانية بعد ديلما روسيف رغم أنها آخر المرشحين لهذه الانتخابات.

وتجدر الإشارة إلى أن مارينا سيلفا ليست غريبة عن العمل السياسي فهي سيناتورة سابقة ووزيرة سابقة للبيئة في عهد لولا دا سيلفا، وقد عرفها الجمهور السياسي البرازيلي من خلال تلك المناصب التي تقلدتها، وقد لفتت إليها الأنظار بحلولها في المركز الثالث وحصولها على 20 بالمئة من الأصوات في انتخابات 2010 التي فازت بها ديلما روسيف. ويصفها السياسيون بأنها الشخصية السياسية الوحيدة من الدرجة الأولى مع الرئيس السابق لولا دا سيلفا التي احتفظت بشعبيتها كاملة رغم أحداث العصيان المدني في حزيران/يونيو 2013.

من خلال مواقفها وآرائها إزاء بعض القضايا الاجتماعية وصفت مارينا سيلفيا بالمحافظة وبأنها لا يمكن أن تتخلى عن مبادئ تعليمها الديني الكنسي فهي من أشد المعارضين للإجهاض ولزواج المثليين

هذه العوامل جعلت مارينا سيلفا المرشحة الأقدر على منافسة ديلما روسيف على عرش الرئاسة البرازيلية، كما أن فوزها بالمنصب سينطوي على أبعاد رمزية كبرى؛ فللمرة الأولى ينتخب رئيس للبلاد من أصول أفريقية باعتبار أن أحفاد الأفارقة يشكلون نصف عدد سكان البرازيل الذي يناهز 200 مليون نسمة. وستكون المرة الأولى أيضا التي قد يرأس فيها البلاد مسيحي إنجيلي حيث تضم أكبر عدد من الكاثوليك في العالم.

أما البعد الرمزي الإنساني وهو الأكثر عمقا وأهمية فيتمثل في أن فوزها بالرئاسة سيكون ضربا من التكريم لمسيرة امرأة استثنائية مكافحة منذ طفولتها، فهي من مواليد شهر فبراير عام 1958 فتحت عينيها في وسط اجتماعي يعاني الفقر والأمراض والأوبئة الشائعة آنذاك في منطقة الأمازون، عائلتها الفقيرة تنحدر من أصول برتغالية أفريقية ولها أحد عشر أخا وأختا كافح والدهم من أجل توفير لقمة العيش وكان التعليم واللعب بمثابة ترف بالنسبة إليها ولإخوتها.

ومنذ السنوات الأولى من عمرها بدأت مارينا تواجه حياة الفقر والمشقة وعملت رفقة والدها في جمع المطاط من غابات الأمازون لتساعده على تأمين ضروريات العيش لعائلتها، ولم تتوقف معاناتها عند هذا الحد فقد وجدت نفسها يتيمة وهي في السادسة عشرة من عمرها بعد أن فتكت الملاريا بعدد من أفراد أسرتها كما أصيبت بالتهاب الكبد واضطرت لترك منزلها والسفر لمدينة ريو برانكو سعيا وراء العلاج ولقمة العيش.

المرض والفقر لم يحبطا عزيمتها ولم ينالا من قوة شخصيتها فقد سعت في مقرها الجديد إلى البحث عن الرعاية الصحية لعلاج مرضها كما حاولت تعويض ما فاتها من سنوات حرمت فيها من التعليم، فالتحقت بصفوف لتعليم الكبار وبدأت في التعلم بشغف المحروم وعملت في تلك الفترة كخادمة لتؤمّن لنفسها الحياة الكريمة، وكانت أول فرد في العائلة يتعلم القراءة والكتابة.

المرض والفقر لم يحبطا عزيمتها ولم ينالا من قوة شخصيتها فقد سعت في مقرها الجديد إلى البحث عن الرعاية الصحية لعلاج مرضها كما حاولت تعويض ما فاتها من سنوات حرمت فيها من التعليم

ثم واصلت تعليمها، وفي سن السادسة والعشرين تخرجت من جامعة برازيليا بشهادة في التاريخ، خولت لها الانتقال من خادمة إلى معلمة وأثناء تأديتها لأرقى رسالة وهي نشر العلم والمعرفة استهلت مسيرة النشاط البيئي الذي عرفت فيه بدفاعها عن الطبيعة وغابات الأمازون والأشجار لإدراكها أنها مصدر حياة الإنسان في الأرض، ومن ثم بدأ نشاطها السياسي يتعمق شيئا فشيئا. وفي عام 1984 شاركت في إنشاء أول نقابة عمالية في أكري وكانت عضوا مكلفا بالتنسيق فيها حتى عام 1986، كما كانت تقود المظاهرات السلمية الرامية لحماية الغابات ومتساكنيها.

ومن خلال مواقفها وآرائها إزاء بعض القضايا الاجتماعية وصفت مارينا سيلفيا بالمحافظة وبأنها لا يمكن أن تتخلى عن مبادئ تعليمها الديني الكنسي فهي من أشد المعارضين للإجهاض ولزواج المثليين وغيرها من المسائل الاجتماعية التي تمس بالأخلاق وبالمبادئ الإنسانية.

عام 1994 تم انتخابها سيناتورة ضمن مجلس الشيوخ البرازيلي عن مدينة أكري لتكون أول جامع مطاط يدخل هذا المجلس العريق وكانت تعمل في آن واحد على الدفاع عن الغابات ودعم التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.

عام 2003 اختارها الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا من بين أعضاء حزب العمال ليكلفها بوزارة البيئة وبقيت في المنصب حتى عام 2008، وقد أنجزت خطة وطنية لمكافحة اقتلاع الغابات وساهمت في حمايتها من الاستغلال العشوائي وغير القانوني، وكانت وهي على رأس الوزارة تتلقى انتقادات دائمة من قبل رجال الأعمال والمستثمرين في المشاريع ذات الصلة بالتأثير على المحيط والنشاط الزراعي، وكذلك من قبل أعضاء الحكومة الداعمين لهذه المشاريع ومن بينهم ديلما روسيف التي كانت حينها مساعدة الرئيس لولا دا سيلفا وهو ما جعلها تشعر بالعزلة إلى أن استقالت من منصبها في مايو 2008.

فوزها بالمنصب سينطوي على أبعاد رمزية كبرى، فللمرة الأولى ينتخب رئيس للبلاد من أصول أفريقية باعتبار أن أحفاد الأفارقة يشكلون نصف عدد سكان البرازيل

لا تقف خبرة مارينا سيلفا السياسية عند هذا الحد، بل إن لها كذلك تجربة في الانتخابات الرئاسية فقد ترشحت للانتخابات الرئاسية لعام 2010 عن حزب الخضر الذي انخرطت فيه بعد استقالتها من حزب العمال عام 2009، وقد تحصلت على نسبة 20 بالمئة من الأصوات وحينها لفتت لها الأنظار بتحقيقها هذه النسبة رغم صغر الحزب وضعف التغطية الإعلامية لحملتها الانتخابية.

خرجت عن الحزب عام 2011 لتنخرط في الحزب الاشتراكي ابتداء من عام 2013 ولتصبح اليوم مرشحته لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الحالية.

واختيرت مارينا عام 2010 في تصنيف أهم المفكرين الأحياء من قبل “فورين بوليسي” للمجهود الذي بذلته في تطوير الأفكار الإيكولوجية البيئية في بلادها، وهي اليوم تجد نفسها مرشحة ذات حظوظ وافرة لدخول القصر الرئاسي البرازيلي، بفضل كفاحها وعملها في المجال البيئي والسياسي، محافظة على مبادئها التي لم تغيرها رغم كل ما واجهته من صعاب.

ويرجح محللون سياسيون أن فوز مارينا سيلفا بالانتخابات ممكن جدا خاصة في ظل الانتقادات والمناهضة التي باتت تعم أغلب طبقات الشعب البرازيلي لسياسات الرئيسة الحالية التي فاقمت التضخم المالي وجعلت الوضع الاقتصادي للبلاد يسوء يوما بعد آخر، وهو ما سيدفع نحو ارتفاع أعداد ناخبي سيلفا التي يرى فيها كثيرون بديلا عن السياسات التقليدية في البرازيل، وشخصية يمكنها أن تتفهم مطالب الشباب والفئات الضعيفة التي احتجت في الشوارع العام الماضي لسوء أوضاعها المادية والاقتصادية والاجتماعية.

20