مارينا نعمت تروي ما يحدث في ظلام إيران المطبق على شعبها

الخميس 2017/12/28
"سجينة طهران" صرخة متأخرة هربت من مخالب الإسلاميين

تأسس سجن “إيفين” زمن الشاه محمد رضا بهلوي وذاع صيته عقب ثورة الملالي وتوليهم نظام الحكم. ليمتد على مساحة واسعة تفوق الـ43 هكتارا. ودخل العمل بشكل رسمي عام 1972 منتقلا بين سلطات الأجهزة الأمنية بنظام الشاه ومن ثم بقيادة الحرس الثوري الإيراني، وفيه اليوم ثلاثة أقسام أولها الـ209 الذي تديره وزارة الاستخبارات، وثانيها الـ240 الذي يديره جهاز استخبارات الحرس الثوري. أما القسم الثالث الـ350 فيُدار من قبل السلطة القضائية.

أما نحن فنسمع الآن الأصوات “هل يعرف العالم عنا أي شيء؟ هل يحاول أحد إنقاذنا؟” تسأل “سجينة طهران”. وتجيب من عمق نفسها بأن الإجابة على كلا السؤالين هي “لا”.

تعيد صياغة السؤال بطريقة مختلفة “هل ما زلت تعتقدين بأن المجتمع الدولي ينقصه الإلمام بقصتك وقصص مشابهة؟ وبمَ تشعرين حيال ذلك؟ ماذا تأملين من نشر قصتك؟ وماذا يمكن لقرائك أن يفعلوا لزيادة الوعي؟”.

ترد مارينا مرادي بخت، أو مارينا نعمت كما عرفت، وبعد أن قضت خمسة عشر عاما في كندا “يضايقني أن الناس لا يعرفون سوى القليل عن حياة الآخرين في دول أخرى. يتصدر الشرق الأوسط دائما عناوين الأخبار، ولكن ما لا يدركه الناس أن الضحايا الذين يشاهدونهم على شاشات التلفزيون بشر مثلهم لهم أحباء ينتظرونهم”.

كم تتشابه توصيفات الروائية الإيرانية – الكندية، نعمت، مع لسان حال العراقيين والسوريين في أوروبا اليوم؟

الكل يسأل الكل، هل يعرف العالم ما الذي يجري في العراق؟ هل يعرف العالم ما الذي يجري في سوريا؟ كلنا كنا نظن أن الحدث أكبر بكثير من توريته، لكن الحقيقة أكدت أن العالم لا يعرف واقع ما يجري هناك، إلا أرقاما في أحسن الأحوال.

من المجرم الثوار أم النظام

تتشابه التفاصيل اليومية إلى درجة الذهول بين المجزرة الإيرانية التي أعقبت الثورة الإسلامية، والمجزرة السورية التي أعقبت ثورة الحرية، الفارق الوحيد والأصيل، هو أن الجاني في الأولى هم “الثوار”، وفي الثانية النظام المراد خلعه. في الأولى: من خرجوا من السجن أحالوه سجنا أكثر ظلمة وقسوة. في الثانية: لم ينل بعد الثوار الفرصة الكافية لنعرف ما قد يفعلون؟

هربت نعمت من السجن الكبير إيران، إلى كندا بعد سنوات من إطلاق سراحها من سجن “إيفين” الشهير. لكنها لم تكتب إلا بعد عشرين عاما على ذلك التاريخ.

كتبت بعد حادثة مقتل الصحافية الإيرانية – الكندية زهرا كاظمي، التي اعتقلت في إيران وقضت تحت التعذيب عام 2003، لتخرج بعدها رواية “سجينة طهران” عام 2007، وهي أبرز أعمال نعمت ذات الهوّية المختلطة، فهي إيرانية المولد لأصول روسية، مسيحية أرثوذوكسية أسلمت لفترة من الزمن بعد زواجها القسري من جلادها علي موسوي أيام اعتقالها، لتعود إلى مسيحيتها بعد خروجها من السجن، ومقتل زوجها علي دفاعا عنها ضد إسلامي آخر في سجن “إيفين”.

التفاصيل والشعارات بين إيران الخميني وبين خلافة أبي بكر البغدادي تتشابه كثيرا في وعي نعمت. الأول يعلن أنه ظل الله على الأرض وله السمع والطاعة في كل شيء، رشق شعبه عقب عودته من باريس "فاتحا" بحزمة شعارات تعظم الديمقراطية والثورة والحرية، ويوم جلس على الكرسي، استبدلها على الفور بشعارات تثبت ضرورة إعدام الكافر "المخالف"

تقول سجينة طهران “أود أن تصبح قصتي تخليدا لذكرى قتلى الثورة الإسلامية، قبل قيامها وخلالها وبعد أن قامت، وقبل كل ذلك تشجيعا لكل الناجين من “إيفين” على الخروج عن صمتهم والحديث عما جرى لهم”.

لكنها تؤكد بأنها لا تمثل المعتقلين السياسيين الإيرانيين، فهذه المسألة برأيها شديدة التعقيد، وتحتاج للكثير من المعالجة من عدة زوايا مختلفة.

لكن نعمت، في سيرتها الذاتية هذه، تؤكد بأنها تود أن يعرف العالم أن “إيفين” ما زال موجودا، وأن الناس ما زالوا يعانون ويموتون خلف أسواره، وعلى المجتمع الدولي أن يطالب الحكومة الإيرانية بالاعتراف بسوء معاملة السجناء السياسيين في إيران والتوقف عن ذلك فورا.

تحلم نعمت كما يحلم غيرها من العرب الذين ذاقوا مرارة المعتقلات السياسية بتحول تلك السجون إلى متاحف، فكم تتمنى سجينة طهران أن يستحيل سجن “إيفين” ذات يوم متحفا يصطحب الناس أطفالهم إليه كي يخبروهم عن فترة حالكة في تاريخ إيران. تلك الفترة التي نظم لها شعراء عرب قصائد مديح، تلك الفترة التي أخطأ في تقييمها العلامة اللاعنفي جودت سعيد واعتبرها انتصارا لثورة سلمية على نظام الشاه الظالم. لكنها كما تخبرنا نعمت، كانت فترة يعتبر فيها “تعذيب المراهقين والشباب والفتيات وإعدامهم من أعمال الخير التي تهدف إلى إرضاء الله”.

كم تتشابه التفاصيل ثانية والشعارات بين إيران الخميني وبين خلافة أبي بكر البغدادي، الأول يعلن أنه ظل الله على الأرض وله السمع والطاعة في كل شيء، رشق شعبه عقب عودته من باريس “فاتحا”، بحزمة شعارات تعظّم الديمقراطية والثورة والحرية، ويوم جلس على الكرسي استبدلها على الفور بشعارات تثبت ضرورة إعدام الكافر “المخالف”، كي لا يراكم خطاياه، لذا نقتله لنساهم في تقليل عذابه يوم القيامة، نرسله إلى الآخرة بدفتر أعمال خفيف، نرسله محاسبا إلى رب العباد من عباده الذين فرضوا أنفسهم ظلالا له على الأرض.

تختم نعمت روايتها بعبارة “الخوف أفظع السجون على الإطلاق”. تلك العبارة التي دفعت بها لتكون محاضرة في الجامعات والمؤتمرات حول العالم، وتُعلّم فن كتابة المذكرات باللغة الفارسية والإنكليزية في كلية الدراسات المستمرة في جامعة تورنتو بكندا. كما ترأس مجلس إدارة “المركز الكندي لضحايا التعذيب”، وصدر لها في وقت لاحق، عام 2010، كتاب “بعد طهران: حياة مستصلحة”.

بداية مأساة نعمت عندما ألقي القبض عليها، الساعة التاسعة من مساء الخامس عشر من يناير عام 1982 بسبب طلبها من مدرسة الرياضيات بالمدرسة أن تدرس لهم مادة التفاضل بدلا من الحديث عن السياسة

الرياضيات لا السياسة

الواقع أن تلك اليافعة التي دخلت المعتقل في عامها السادس عشر، يوم عارضت مدرّسة الرياضيات في مدرستها الثانوية، خرجت من السجن بتجربة عملاقة، خزّنتها سنوات طويلة قبل أن تخرجها إلى العلن، فتلك الشابة التي ولدت يوم الثاني والعشرين من أبريل عام 1965 في طهران، باتت بعد صراعها داخل إيران السجن الكبير أكثر نضجا بعقود عن قريناتها. وإن كانت هذه الخبرات القسرية شديدة البشاعة قد بدأت بتجربتها الاعتقالية ثم زواجها القسري لتنجو من حكم الإعدام، وبعدها تغييرها لدينها بالقوة والعودة إلى المسيحية ثانية بحب لتتزوج من خطيبها الذي انتظرها طيلة تلك السنوات.

البداية كانت عندما ألقي القبض على نعمت، الساعة التاسعة من مساء الخامس عشر من يناير عام 1982 بسبب أنها طلبت من مدرسة التفاضل بالمدرسة أن تدرس لهم مادة التفاضل بدلا من الحديث عن السياسة، ذلك الرفض تحول عصيانا من قبل الطلاب الذين شاركوها رفض الحديث عن السياسة. أعدت مديرة المدرسة محمودي خانم قائمة بأسماء الطلاب والطالبات المشاركين في ذلك الإضراب، ليتم اعتقالهم لاحقا.

التهمة العريضة كانت معاداة الثورة الإسلامية والصلة بالجماعات الشيوعية، وبالطبع كما يتم بشكل يومي في سجون النظام الإيراني وكل الأنظمة الدكتاتورية في العالم، تعرضت نعمت لتعذيب شديد بهدف الاعتراف على أكبر عدد ممكن من الطلاب والطالبات، الناشطين مع جماعة عرفت يومها باسم “فدائيي خلق” وهي جماعة شيوعية غير تلك التي استقرت لاحقا في العراق، وفي النهاية حكم عليها بالإعدام، وبعد تدخل والد جلادها، علي موسوي، خُفّف الحكم إلى السجن المؤبد، ثم نقلت إلى “مهجع” رقم 246 الخاص بالنساء في سجن إيفين، حيث تزوجت بعمر السابعة عشر من الضابط علي موسوي، قسرا، ومن ثم أرغمها على الإسلام ليصير اسمها فاطمة.

عقب زواجها بموسوي، أعيدت محاكمتها وخفف الحكم الصادر بحقها ليصبح ثلاث سنوات بدلا من السجن مدى الحياة، وبعدها نالت إطلاق سراح مشروط، لكن القدر لعب دوره خلال أيامها الأخيرة في السجن عندما قرر زوجها الاستقالة من عمله، فتم اغتياله في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1983، وفي تلك الفترة فقدت نعمت جنينها أثناء حادث الاغتيال.

بعد قرابة العام ونصف العام، تزوجت نعمت من حبيبها وخطيبها أندريه، وعادت إلى المسيحية وعادت إلى اسمها مارينا بدل فاطمة. تنقّلت برفقته وسافرت للعمل في مدن كثيرة في إيران، وبعد سنوات ثلاث حصلا على جوازات سفر، ثم توجها إلى كندا التي وصلاها عام 1991.

جدار الصمت

بقيت نعمت ملتزمة الصمت الذي تقارنه بالظلام، سنوات طويلة قبل أن تفرج عن “سجينة طهران” التي نالت جائزة الكرامة الإنسانية من البرلمان الأوروبي، ونالت انتشارا واسعا بعدها. تلك الرواية هي مارينا نعمت التي تمثل ربما الآلاف من الإيرانيات اللاتي عانين ويعانين إلى اليوم في سجن “إيفين”.

المفارقة أن قسما كبيرا من جلادي هذا السجن كانوا معتقلين فيه قبل أن ينقلب المشهد، فزوج نعمت الضابط علي الموسوي كان معتقلا فيه لسنوات ثلاث قبل أن يصبح جلادها ومن ثم جلادها وزوجها في ذات الوقت، ولئن كانت “سجينة طهران” أطلقت صرخة ضد ظلم “إيفين”، فإنها لم تكن سوى صرخة لإنقاذ الإنسان من ظلم ذاته.

12