مارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي بعد شارلي إيبدو

السبت 2015/01/24
محامية عنصرية ضد الاتحاد الأوروبي وحزبها يؤمن بإيبولا كحل للمهاجرين

لم يكن عاديا منع مارين جان ماري لوبان من حضور مسيرة الزعماء الخمسين في شوارع باريس، التي رفعت شعار رفض الإرهاب، وهي من هي في سجلّ العداء للأجانب والهجوم على الإسلام، ووريثة مسيرة والدها زعيم اليمين العنصري المتطرف في فرنسا، ولم يكن عدم حضورها، مجرّد غياب، ولكنه كان رسالة تغييب واضحة وصريحة من قبل الطبقة السياسية الفرنسية، الحاكمة منها والمعارضة، التي قالت إنها لا تريد منح تيار لوبان أي شرعية سيما في ظرف مثل الذي مرّت به الأمة الفرنسية بعد الاعتداء الإرهابي على صحيفة شارلي إيبدو وصعود ملف التطرف الإسلامي والمهاجرين العرب في فرنسا.

ثلاثة وعشرون مقعدا هي حصة مارين لوبان، ليس في مجلس الشيوخ الفرنسي، ولكن في البرلمان الأوروبي الذي ترفضه لوبان، ولكنها دخلته للتأثير فيه، بالتضافر مع اليمين المتطرف في بقية بلدان الاتحاد، أمرٌ لم تتردّد المحامية الشابة، في طرحه كمشروع استراتيجي لمرحلة ما بعد شارلي إيبدو، حين اقترحت تشكيل تحالف موسّع لأحزاب اليمين المتشدّدة في أوروبا بأسرها، قالت لوبان “نريد أن نشكل كتلة مع حزب الحرية النمساوي وحزب الحرية الهولندي الذي يقوده غيرت فيلدرز وربما تنضم إلينا رابطة شمال إيطاليا والسياسي فلامس بيلانغ من بلجيكا، وقد نجد قوى أخرى مقتنعة بأن الاتحاد الأوروبي يلحق الضرر بنا بسبب السياسات التي يفرضها على قارتنا وما يتبعها من تداعيات كارثية على معدلات النمو والبطالة والهجرة الكبيرة وتراجع الأمن”.

حين سئل والدها جان ماري لوبان عن الحرب العالمية الثانية، قال إن الهولوكوست أو الإبادة النازية ضد اليهود لم يكن سوى تفصيل صغير في مجريات الحرب الكبرى، ويعكس هذا موقف اليمين الفرنسي من الآخر بصورة عامة وليس فقط من المسلمين، ولكن الجيل الجديد لحزب لوبان والمتمثل بابنته، مارين، سارع إلى لعب السياسة بصورة أفضل، حين تراجع عن تصريحات المؤسس، مؤكدا على لسان زعيمته أن الهولوكوست كان حدثا كبيرا في الحرب العالمية الثانية وكان “أمرا مروّعا ويمكنني أن أؤكد أن الجبهة الوطنية خالية تماما من العداء للسامية”، بل إن لوبان لم تتوان عن القول إن حزبها (الجبهة الوطنية) هو الحل الوحيد المتاح أمام يهود فرنسا في مواجهة التشدّد الذي يتمدّد بسرعة، وجاء ذلك بالتزامن مع دعوات نتنياهو ليهود فرنسا إلى الهجرة إلى “وطنهم إسرائيل” كما قال.

مارين لوبان تتمكن في فترة قياسية من خلال حزبها الجبهة الوطنية وخطابها الشعبوي المنفلت، من تشكيل رأي عام في فرنسا يرى في الاتحاد الأوروبي خطرا على الدولة الوطنية، فكثيرون باتوا يعتقدون أن المخرج من هذا الخطر هو سياسة الانغلاق والابتعاد عن (أوروبا الغارقة في الأزمات الاقتصادية)


إيبولا لوبان


يتبادل الأب وابنته الأدوار في إطلاق التصريحات العنصرية، وترقيع الخرق لبعضهما البعض، فما نفته مارين، كان جان ماري قد قاله بوضوح قبل فترة، حين اعتبر أن المرض الذي سمّاه “المسيو إيبولا” قادر على حل مشكلة تدفق المهاجرين في فترة أقصاها ثلاثة أشهر فقط، مدعّما إعجابه بقدرات الوباء الفتاك بشرح نظري عن الإسلام الذي اعتبره “دين هدفه القهر، ويزداد قهرا عندما يشعر بقوته وهم يشعرون بكثرتهم، بعد أن عرفت فرنسا وأوروبا بأسرها ظاهرة كارثية تمثلت في غزو المهاجرين الذي لا نرى منه سوى بدايته اليوم، وتلك الهجرة الهائلة تهدّد بإحلال حقيقي للسكان، إذا لم نصل إلى السلطة بسرعة كافية لإنهاء سياسة الانحطاط المتبعة منذ عقود”، ولم يتذكر أحدٌ ممّن ساروا في مسيرة “أنا شارلي” أن لوبان الأب كان قد أدين أكثر من مرة بتهمة معاداة الأجانب ومعاداة السامية معا، وتم تغريمه بمبلغ عشرة آلاف يورو في العام 2005 بعد حوار أجرته معه “لوموند” الفرنسية حينها، وتنفي مارين تلك التصريحات رغم وجودها مع والدها في مرسيليا في اللقاء الشعبي ذاته الذي أطلق فيه تصريحاته عن إيبولا، وتتمسك بأنها مع الحفاظ على ثقافة فرنسا الأصلية، وعدم الاستسلام للغزو الخارجي.


تدمير الاتحاد الأوروبي


تعتقد مارين لوبان أن بقاء فرنسا عضوا في الاتحاد الأوروبي يعرّضها لمزيد من المشكلات الأمنية، ويسمح بتدفق أطنان من الأسلحة غير الشرعية عبر دول البلقان، بسبب اتفاقية الشنغن، وكذلك يبقي حدودها مفتوحة أمام مئات الجهاديين الذين يتنقلون بحرية كبيرة عبر دول الاتحاد، وتطالب بوضع قوانين صارمة تحمي سيادة فرنسا، وتضغط من خلال علاقات حزبها مع النازيين الجدد في أنحاء متفرقة من أوروبا لإعادة عجلات الاتحاد إلى الوراء، والتراجع عن الوحدة التي تم إنجازها بعد عقود، بذريعة الأمن وضرورة فرض قوانين إدماج للمهاجرين، هي في الواقع قوانين فصل عنصري أكثر منها قوانين تحفظ الهوية، وتؤمن أن سياسات فرنسا الخارجية يجب أن تكون مستقلة عن سياسات الاتحاد، وتنتقد بشدة تورط بلادها، حسب وصفها، في ليبيا وسوريا وأماكن أخرى من العالم، واستطاعت لوبان من خلال حزبها الجبهة الوطنية وخطابها الشعبوي المنفلت، أن تشكّل رأيا عاما في فرنسا يرى في الاتحاد الأوروبي خطرا على الدولة الوطنية، فكثيرون باتوا يعتقدون أن المخرج من هذا الخطر هو سياسة الانغلاق والابتعاد عن “أوروبا الغارقة في الأزمات الاقتصادية”.

مارين ووالدها جان ماري لوبان يتبادلان الأدوار في إطلاق التصريحات العنصرية، فما نفته مارين، كان جان ماري قد قاله بوضوح مؤخرا، حين اعتبر أن المرض الذي سماه 'المسيو إيبولا' قادر على حل مشكلة تدفق المهاجرين

بتحوّل اليمين الفرنسي إلى قوة شعبية في الساحة الفرنسية، يتقهقر تأثير الأحزاب التقليدية، ولكنه لا يضمحل، وبتصاعد النبرة المعادية للأجانب من خلال الحرب على الإرهاب التي تقودها أميركا عبر البحار والخرائط، تصبح لوبان أكثر يوما بعد يوم، وتتقدم نحو التحوّل إلى بيضة القبان في الميزان السياسي الفرنسي، ويرجّح أن تكون الكلمة الفصل للوبان وليس غيرها في تسمية الرئيس الفرنسي القادم، الشابة اليمينية المولودة في العام 1968، لا تكتم سعادتها بهذا التطور، رغم أنها في بداية عملها كمحامية دافعت عن الأجانب من المهاجرين غير الشرعيين، وكافحت لتجنّب ترحيلهم، تقول عن تلك المرحلة “مارين لوبان القديمة لا تزال موجودة. ولكن ما يجب أن نفهمه هو أنه من الممكن اعتبار عملية ما مدمّرة للبلد، وهذا هو الحال بالنسبة إلى الهجرة، من دون الرغبة في دفع هذه الخيارات، وهي الخيارات السياسية لقادتنا بالنسبة إلى أشخاص غير مسؤولين عن هذا الوضع. لقد قلنا دائما إن اللوم ليس على المهاجرين بل على الذين يعملون على جلبهم”.


صلاة المسلمين والحلال والقردة


حرب مارين الباردة الساخنة ضد المهاجرين من المسلمين، لا تتوقف عند حد، فقد وصفتهم في إحدى المرات بأنهم مثل النازيين، وانتقدت طريقتهم في الصلاة، الأمر الذي دفع برلمانيين أوروبيين إلى المطالبة برفع الحصانة البرلمانية عنها، ممّا اضطر وزارة العدل الفرنسية إلى طلب ذلك مباشرة من البرلمان الأوروبي في العام 2010، تقول مارين “لأولئك الذين يحبّون الحديث عن الحرب العالمية الثانية، أقول إذا كنا نتحدث عن الاحتلال، فإنه يمكننا أن نتحدث عن تلك الصلاة في الشوارع (صلاة المسلمين يوم الجمعة وفي الأعياد)، لأنه من الواضح أنه احتلال لأراض من أحياء يطبّق فيها القانون الديني، إنه احتلال، لا توجد دبابات ولا يوجد جنود لكنه احتلال على أي حال ويؤثر على الناس”.

وتحتل، اليوم، الجبهة الوطنية التي تتزعمها مارين لوبان إحدى عشرة بلدية فرنسية، كانت قد أعلنت أنها ستمنع تقديم الطعام “الحلال” المذبوح على الطريقة الإسلامية في مدارس تلك البلديات، وقالت لوبان عن هذا “لا داعي لإدخال الدين في المجال العام”، وأضافت أن “رؤساء البلديات في المدن التي فاز فيها حزبها سيفرضون لحم الخنزير في مطاعم المدارس، وأن حزبها لن يقبل بأي مطلب ديني متعلق بقوائم الطعام”.

مارين توصف بأنها 'داهية لا يمكن استجوابها' وكان حضورها قد بدأ يأخذ طابعا أكثر طغيانا مع تدهور الاستقرار في الشرق الأوسط، وموجات العنف الكبيرة التي رافقت انتفاضات الشعوب

ليس فقط ضد المسلمين، ولكن ضد “الملونين” أيضا، فقد دافعت مارين عن مرشحة حزبها آن صوفي لوكلير، في الانتخابات البلدية عن منطقة آردين، بعد أن تمت إدانتها بالعنصرية، ووصفت لوبان القضاة بأنهم “مغتصبو الأخلاق وخونة القانون”، وذلك بعد أن قامت لوكلير بالتهجّم على وزيرة العدل الفرنسية السمراء البشرة، ووصفتها بأنها مثل القردة، فقضت إثر ذلك محكمة الجنايات في غويانا المقاطعة الفرنسية في أميركا الجنوبية، بحبس لوكلير تسعة أشهر مع النفاذ وحرمانها من الأهلية لـ5 سنوات، وتغريمها بمبلغ 50 ألف يورو، و30 يدفعها حزبها، وكانت لوكلير قد نشرت صورة قردة على صفحتها على “الفيسبوك” وكتبت تحتها “توبيرا في سن ثمانية أشهر”، مع صورة لوزيرة العدل كتبت تحتها “توبيرا الآن”.


داهية لا يمكن استجوابها


توصف مارين على حد تعبير نيكولا إيكولون، مدير الأخبار في إذاعة أوروبا1، بأنها “داهية لا يمكن استجوابها”، وكان حضورها قد بدأ يأخذ طابعا أكثر طغيانا مع تدهور الاستقرار في الشرق الأوسط، وموجات العنف الكبيرة التي رافقت انتفاضات الربيع العربي، والتدمير الذي لحق بسوريا وليبيا واليمن، ورغم أن مارين هي الأكثر شعبية بين قيادات الجبهة الوطنية، بعد حصولها على نسبة 100 بالمئة من الأًصوات داخل حزبها، لكنها ليست بأمان في موقعها، فالحزب الذي أسسه جان ماري لوبان في 1972، وقاده حتى العام 2011، تمكن من التحوّل إلى قاعدة عريضة اكتسحت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، وجاء ترتيبها الثالث بعد هولاند وساركوزي، أي أن اليمين على وشك دخول الإيليزيه بقوة في السنوات القادمة، سيما أن النبرة التي استخدمها ساركوزي في أواخر عهده الرئاسي، كانت تتقارب مع نبرة اليمين، ممّا دفع كثيرين إلى اعتبار تلك الخطيئة، حسب وصفهم، دعما كبيرا لمارين لوبان أمام جمهور ساكوزي ذاته.

مشاعر مارين تتوزع ليس فقط ضد المسلمين، ولكن ضد "الملونين" أيضا، فقد دافعت عن مرشحة حزبها آن صوفي لوكلير بعد أن تمت إدانتها بالعنصرية


لوبان وشارلي إيبدو والمخابرات


استخدمت مارين لوبان حادثة شارلي إيبدو لمهاجمة الهجرة من جديد، والتأكيد على ضرورة الحفاظ على السيادة الفرنسية واستقلال سياستها الخارجية، وإعادة العمل بتنفيذ حكم الإعدام، ولكن والدها جان ماري لوبان خالف التوقعات حين اتهم أجهزة المخابرات الغربية بتدبير الهجوم على الصحيفة الساخرة، حين قال “الحادثة قد تكون من عمل مخابرات غربية، بالتواطؤ مع السلطات الفرنسية”، وأضاف لوبان أن “الهجوم على شارلي إيبدو يحمل توقيع أجهزة مخابرات، لكننا لا نملك دليلا على ذلك”، وسخر من ترك بطاقة الهوية الخاصة بأحد المهاجمين في السيارة التي تم تنفيذ العملية بها، وهو الخيط الذي قاد إلى المنفذين، وقال إن تلك البطاقة تذكّر بجواز السفر الذي سقط من الطائرة التي هاجمت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك العام 2001، وتم استخدامه للتعرف على الفاعلين، وقال لوبان “كيف يعقل أن الطائرة كلها دمّرت وجواز السفر لم يتعرض لأذى، وفي حالة شارلي إيبدو، كيف يمكن التصديق أن الإرهابيين كانوا أغبياء لدرجة نسيانهم لوثائق تكشف عن شخصيتهم في السيارة”، واتهم المخابرات الفرنسية بالسكوت عن تنفيذ تلك العملية التي خططت لها أجهزة مخابرات غربية، ولكن مارين تمسكت بالرواية الرسمية، وقالت إن “الأصولية الإسلامية مسؤولة عن هجوم شارلي إيبدو، دعونا نطلق على الأشياء أسماءها الحقيقية، فرنسا، بلد حقوق الإنسان والحريات، هوجمت في عقر دارها من أيديولوجية استبدادية، هي الأصولية الإسلامية”.

12