مارين لوبان لـ"العرب": موقفنا من محاربة الأصولية يتفق مع المعتدلين

صرّحت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية المتطرفة، لـ “العرب”، أن زيارتها لمصر ولقاءها الزعماء الدينيين والسياسيين لم تؤثر على موقفها من قضية هجرة المسلمين إلى فرنسا، لكن سمحت لها بتقريب وجهات النظر بخصوص الحرب على الأصولية والإرهاب، والتأكيد على أن حزبها لا يحارب الإسلام بل إيديولوجيا التطرّف المستمدّة من فكر الإخوان المسلمين الذي وصفته بمنبت إيديولوجيا المشروع السياسي للدولة الإسلامية. وقالت لوبان لـ”العرب” إنها طرحت على شيخ الأزهر وضع أساس للتعاون لمواجهة الأخطار التي تتمخض عن تنامي الأصولية.
الثلاثاء 2015/06/02
مارين لوبان: لن نسمح بأن يهدد الأصوليون بلادنا وسنحارب أسلمة المجتمع الفرنسي

“لا تصدق كل ما يقال عن الجبهة الوطنية الفرنسية”، هكذا بدأت مارين لوبان حديثها مع صحيفة “العرب”، مطالبة العرب والمسلمين بألا يستمعوا لما يقال عن حزبها اليميني من شائعات حول عدائه للإسلام وللمسلمين، وأن تكون وجهة نظرهم عنه من خلال الخطوات والممارسات السياسية للحزب على أرض الواقع وتصريحات مسؤوليه المباشرة.

ووصلت لوبان إلى مصر الأسبوع الماضي، للقاء شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب وبابا الإسكندرية تواضروس الثاني وعدد من المسؤولين الرسميين والمفكرين المصريين.

وصرحت لوبان أنها تكنّ لمصر مشاعر مميزة، لأن والدة جدتها ولدت في محافظة أسيوط كما أن جدتها ولدت في الإسكندرية .

وأكّدت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرّف لـ”العرب” أنها ستفوز في انتخابات الرئاسة الفرنسية التي ستجري عام 2017، قبل أن تردف مطمئنة العرب والمسلمين بأنهم “أصدقاء لفرنسا ولدينا معا تاريخ مشترك”.

وقالت لوبان إنها لا تخلط بين الدين الإسلامي وأعمال العنف التي يرتكبها بعض المنتسبين إليه، وإن حزبها يفصل بين المسلمين والمتطرّفين الذين يقتلون باسم الدين، مضيفة أنها لم تشن يوما حربا ضد الإسلام، وإنما حاربت أسلمة المجتمع الفرنسي، عبر مقاومة الأصوليين الذين يرغبون في فرض إرادتهم وقوانينهم على فرنسا.

وشددت لوبان على أن الجبهة الوطنية تتشارك مع الكثير من الدول العربية المعتدلة في مخاوفها من تصاعد الأصولية، وهو الخطر الذي يهدد السلام في العالم، ويحتاج لتعامل سريع وخطوات شجاعة لمواجهته.

لا يمكن أن نرحب على سبيل المثال بالأقباط الفارين من الإرهابيين، بل الحل أن نحميهم في بلادهم ونخلصهم من الخطر

وقد انتقدت الجبهة الوطنية بشدة الحكومة الفرنسية في الخيار الذي تبنته حيال المنطقة العربية والذي تمخضت عنه النماذج التي شهدناها في سوريا وليبيا والعراق، لأن ضعف الدولة وانهيارها يؤدي إلى صعود الأصولية وتنامي خطر الإرهاب. وألمحت لوبان إلى أنها طرحت على شيخ الأزهر وضع أساس للتعاون لمواجهة الأخطار الماحقة، التي تتمخض عن تنامي الأصولية في أوروبا.

كما دار حديث مع البابا تواضروس حول التسامح الديني في مصر، أكد فيه أن الأمور تجري هنا بروح التعاون والمودة ومن خلال الحوار بين الأديان، وهذا يخالف تماما ما نشاهده على الفضائيات، خاصة بعد ما قامت به داعش في ليبيا على سبيل المثال من ذبح لـ21 قبطيا مصريا، وشاركت لوبان في القداس الذي تم في كنيسة مار جرجس على أرواح الشهداء صباح الأحد، وتمت الصلاة باللغتين العربية والفرنسية معا.

دعم إخواني للإرهاب

ووجهت لوبان كثيرا من اللوم إلى بعض الحكومات الغربية في تعاملها مع هذا الملف، بما يعكس جهل تلك الحكومات بحقيقة الأصولية، ومن بينها الحكومة الفرنسية التي تغض الطرف -بحسب ما قالت- عن واحد من الكيانات المتطرفة الموجودة في فرنسا وهو “المجلس الإسلامي”، لأغراض انتخابية رخيصة، حيث يلجأ بعض المسؤولين الفرنسيين الضعفاء للتحالف مع الأصوليين ضدنا لتشويه صورتنا، والحقيقة أن المجلس الإسلامي الفرنسي يتلقى تمويلا من قطر، ويعمل على التأثير في الشباب الفرنسي.

ونوهت مارين أن الجبهة الوطنية كانت التيار السياسي الوحيد الذي نبّه إلى أن المجلس الإسلامي الفرنسي، الذي أنشأه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، أداة من أدوات الإخوان وهو أصل الإرهاب.

شيخ الأزهر يتفق مع لوبان في التصدي للاصولية والتطرف

واعترفت لوبان، في حوارها مع “العرب”، بأنها دهشت عندما سألها شيخ الأزهر عن سر عداء الجبهة الوطنية للإسلام، “وقد شرحت له حقيقة الموقف الذي يختلف كثيرا عما تتداوله الصحف ووسائل الإعلام، واقتنع فضيلة الإمام مشكورا بما قلته معترفا بأن الصورة السيئة تكونت لديه من خلال ما تنقله الصحف”.

وقالت إن حزبها أول حزب فرنسي يقبل مسلمين في عضويته “بل إن لدينا مسلمة عضو في الهيئة العليا للحزب ولم يحدث أبدا أن رفضنا عضوية المسلمين، لأننا في الحقيقة نهاجم الأصوليين وأئمة المجلس الإسلامي من الأصوليين، بسبب عدائهم الشديد للأديان الأخرى، وقمنا بالاحتجاج على تعيين أحد هؤلاء ونجحنا في التخلص منه”.

وأكدت لوبان أنها قالت بعد الهجوم على جريدة شارلي إيبدو أن الأصوليين هم السبب في الجريمة ولم تقل المسلمين ولم يسبق لها أن غردت على تويتر تغريدات تسيء للإسلام بعد الحادث، وهجومها كان على الأصولية وليس المسلمين أو الإسلام، مشددة على أن أول خطوة في مواجهة أي عدو هي تحديده بدقة، “وهو ما قمنا به، والخطر الذي يهددنا جميعا هو الأصولية الإرهابية وينبغي أن نبذل كل مــساعينا لإزالــة هذا التهديد تــماما”.

وقالت إن فكرة التطرف والإرهاب في العالم ظهرت مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، مشيرة إلى أن الأميركيين والبريطانيين لعبوا دورا في تنمية هذا التطرف، سواء السني أو الشيعي لمواجهة القومية العربية، حتى يسيطروا على منابع البترول والثروات العربية.

ولفتت إلى أن الإخوان المسلمين حاولوا تغيير التركيبة الوراثية للمصريين، لكنهم فشلوا لأن المصريين لديهم مناعة. وقالت إن أي إستراتيجية ناجحة للتعامل مع العدو يجب أن تبدأ بتحديده.

وأضافـت “أعتقد أن أيديولوجيا الإرهاب الأصولي هي السبب في كل ما يحدث في المنطقة، وخيار الجبهة الوطنية، التي أمثلها، يؤكّد أن مجابهة الأصولية هي الرؤية المشتركة التي تجمعنا مع مصر والإمارات وهي أكثر الرؤى دقة وواقعية وحقيقة”.

وختمت لوبان حديثها عن الإسلام السياسي والأصولية بالقول إنها لن تسمح بأن يهدد الأصوليون فرنسا ويبذرون بذور الشقاق والفوضى في المجتمع، وينبغي لنا أن ندافع عن أوطاننا انطلاقا من هذا المبدأ.

الحكومة تغض الطرف عن واحد من الكيانات المتطرفة الموجودة في فرنسا، وهو "المجلس الإسلامي" لأغراض انتخابية

حول موقفها من القضايا العربية، دعت زعيمة حزب الجبهة الوطنية إلى إقامة دولة فلسطينية، لأنها بمجرد وجودها سيكون لديها مسؤوليات تجاه المجتمع الدولي، مؤكدة على دعمها لحل الدولتين.

أما بخصوص ليبيا فقد شددت على مطالبة الاتحاد الأوروبي بعودة الاستقرار هناك ورفع الحظر عن الأسلحة إلى ليبيا لتتمكن من مواجهة الإرهاب، الأمر الذي ستجيش له من خلال حزبها في البرلمان الفرنسي.

ولفتت لوبان إلى أهمية الدور المصري الإقليمي في إعادة الاستقرار في المنطقة، ولهذا فهي تدعم قرار مصر بمساندة حكومة طبرق في مقاومة الإرهاب في ليبيا.

واتهمت مارين لوبان سياسة الاتحاد الأوروبي بأنها تابعة للولايات المتحدة، ووصفتها أنها سياسة مكروهة، مضيفة أن فرنسا تحت قيادة نيكولا ساركوزي أخطأت بمساندتها الحرب الأميركية ضد العراق، وكانت مسؤولة مع الولايات المتحدة في إنتاج ونشر التطرف الإسلامي.

وتابعت لوبان أن باريس وواشنطن كررتا في ليبيا نفس الأخطاء التي ارتكباها في العراق، وتدخلتا عسكريا، ثم بعد سقوط معمر القذافي تركا الساحة في أيدي متطرفين، وهما تكرران نفس الخطأ الآن في سوريا، وهو ما نشر الفوضى والإرهاب في المنطقة كلها، وزاد من خطر المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما يهدد أوروبا كلها.

مارين لوبان في حديث مع مراسل "العرب" حول زيارتها لمصر وعلاقة اليمين الفرنسي بالإسلام

وعن رؤيتها لتخلي فرنسا عن دورها التاريخي في حفظ الأمن والسلم في العالم، خاصة في منطقة البحر المتوسط بعد ما تعرضت له ليبيا، قالت لوبان إن فرنسا ضائعة في متاهات المشاكل الاقتصادية بسبب طغيان الاتحاد الأوروبي ما أدى إلى تضاعف خطورة الهجرة غير الشرعية.

حقوق الإرهابيين وضحاياهم

عن موقف حزبها من مشكلة الهجرة غير الشرعية ومطالبة بعض القوى السياسية في أوروبا باستخدام العنف ضد هؤلاء المهاجرين، قالت زعيمة الجبهة الوطنية إن موقفها من المشكلة لم يتغير، وعلى سبيل المثال عندما قابلت البابا تواضروس وتحدثت في موضوع الهجرة غير الشرعية اتفقت الآراء على نقطة أساسية، وهي أنه لا يمكن أن نرحب على سبيل المثال بالأقباط الذين فروا من المجازر التي يرتكبها الإرهابيون، ونقول لهم أهلا بكم في بلادنا، بل الحل الوحيد أن نحميهم في بلادهم ونخلصهم من الخطر الذي يهددهم.

وأعربت عن قناعتها أن مصر هي القلعة التي ستحمي أوروبا من الهجرة غير الشرعية في المستقبل، بعد أن كانت ليبيا تؤدي هذا الدور في الماضي، قبل أن تنهار بسبب سياسات الأوروبيين، “وسوريا أيضا لحقت بها نتيجة الأخطاء التي ارتكبناها”.

زيارة لوبان لمصر لم تكن فقط تلبية لنداءات عاطفية لرؤية مسقط رأس بعض أفراد عائلتها، وإنما هناك كما قالت لـ”العرب” أسباب إستراتيجية، أهمها الدعوة التي يتبناها حزبها لقيام شراكة بين فرنسا ومصر باعتبارها قلعة حصينة في مواجهة الإرهاب، لكن ما فعله الغرب حتى الآن أنه حاول إضعاف هذه القلعة وإفساح المجال للإرهاب.

أيديولوجيا الإخوان مرتبطة بإيديولوجيا الجهاديين في داعش الذي يرتكب فظاعات في العراق وسوريا وليبيا

وقالت لوبان “حضرت إلى القاهرة لأنه كان عليّ معاينة أشياء كثيرة على الطبيعة ودراستها، وهدفي الأساسي الأول تبديد أي سوء تفاهم يخيم على الموقف وأن أسعى لتوضيح الحقيقة بخصوص أي أفكار مسبقة تهيمن على ذهنية المصريين عنا، مثل تلك الأفكار التي يجري تداولها عن الجبهة في الإعلام الخارجي”.

وتابعت “لذا بدأت زيارتي للقاهرة بلقاء الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني ووجدتهما في الحقيقة شخصين يتميزان بالحكمة، ووجدت بيني وبينهما توافقا كبيرا في الرؤى، ولقد أوضحت لهما أن الجبهة الوطنية تدافع عن حرية العبادة في فرنسا”.

وأضافت زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية أنها التقت أيضا رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب الذي أدهشها بثقافته الفرانكفونية، وقالت “أعربت له عن رغبتي في مساعدته لمواجهة الأخطار التي تهدد مصر، وأعجبت برؤيته للأمور، حينما قال إن الحرية الحقيقية للمواطن تكمن في أن نوفر له المسكن والمشرب والمأكل والتعليم الجيد”.

أوضحت لوبان أنها حرصت على زيارة منطقة خان الخليلي، حيث لم تكن لتضيع فرصة تنسم رائحة التاريخ في هذا الحي العتيق، وقد صادفت بعض السائحين الفرنسيين هناك، ووجدت أنهم يشاركونها الرأي في حب مصر، وأن فرنسا تخلت عن المنطقة وتركتها فريسة للإرهاب.

وتعليقا على ردود الفعل الدولية حول أحكام القضاء بإعدام عدد من قادة الإخوان، قالت مارين إنها تؤمن بأن كل بلد له حق السيادة على أرضه، ولابد من احترام قضاء كل دولة، انطلاقا من الدفاع عن مبدأ سيادة القانون وسيادة الدول على أراضيها، لهذا ترى أنه لا يجوز التدخل في أعمال القضاء المصري، مضيفة أنه ينبغي الدفاع عن حقوق ضحايا الإرهابيين كما يدافع البعض عن حقوق الإرهابيين أنفسهم.

وكشفت زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبان عن أملها في قيام حوار إيجابي بين حزبها والحكومة المصرية في المستقبل، استنادا إلى التوافق في الرأي الذي لمسته بنفسها بين الطرفين تجاه العديد من قضايا المنطقة والعالم، معربة عن اعتقادها بأن مثل هذا الحوار سيكون دافعا لمزيد من توطيد العلاقات بين البلدين لمواجهة الأخطار.

وختمت حديثها مع “العرب” بالقول إنها سعت خلال الزيارة إلى بحث مسألة التعليم والتعاون بين الجامعات لتطوير العلاقة في هذا المجال، دفاعا عن الفرنكوفونية التي تشكل أيضا جزءا في مشروعها السياسي.

تفاصيل أخرى:

الدوحة تقاضي زعيما بالجبهة الوطنية الفرنسية اتهمها بدعم إسلاميين متشددين

7