مارين لوبان نهج يميني متطرف يطمح إلى السيطرة

الأحد 2014/03/30
صعود لوبان في المشهد الانتخابي الفرنسي يثير المخاوف

باريس - رجّ فوز حزب الجبهة الوطنية المتطرف منذ الدورة الأولى ببلدية إينين- بومون، المدينة الواقعة في الشمال، اليسار الفرنسي نظرا لرمزية المدينة والتي لطالما كانت تحت السيطرة اليسارية بلا منازع.

وقد يكون ذاك الفوز في أحد معاقل اليسار المهمة ناقوس خطر لكل القوى الاشتراكية وكل المدافعين عن القيم الإنسانية التي جاءت بها الثورة الفرنسية.

مارين لوبان أبدت نوعا من الانتشاء بعد النتائج التي حققها اليمين ونجاحه في تصدر نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية لـ21 مدينة فرنسية، وبدت متفائلة بأن حلم السلطة بات يقترب تدريجيا لترى أفكارها التي زرعها فيها والدها النور ولتكون بالفعل ابنة أبيها.

ونعود هنا في هذه المصافحة وبمناسبة صعود حزب الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان في المشهد السياسي للحديث بأكثر تفاصيل عن شخصية مارين وأفكارها والمخاوف التي أحدثتها في نفوس البعض.

ولدت مارين لوبان سنة 1968 وهي ابنة اليميني المتطرف جان ماري لوبان مؤسس حزب الجبهة الوطنية ورئيسه السابق، والذي قاده طيلة 40 سنة ليتنازل عن رئاسته لصالح ابنته مارين.

درست المحاماة ومارستها وانتخبت عضوا في الاتحاد الأوروبي عام 2004، وأعيد انتخابها في العام 2009 وهي ترأس حزب الجبهة الديمقراطية منذ العام 2011. كانت مرشحة الحزب للرئاسة الفرنسية في العام 2012 وحصلت على نحو 14 في المئة من الأصوات في الجولة الأولى، حيث حلت ثالثة خلف الرئيس الحالي الاشتراكي فرانسوا هولاند وغريمه السابق اليميني نيكولا ساركوزي.


مواقفها


ينظر عدد من المحللين إلى أن اليمين الفرنسي قد غير من خطابه أو بلغة أدق غير الوسائل وبقيت المبادئ في مكانها لم تتزحزح، فقد عرف زعماؤه أن قطاعا واسعا من الفرنسيين يرفضون النهج المتطرف الذي يعمد إليه في التعبير عن الأفكار والرؤى السياسية. وذاك ما دفعهم إلى تغيير التمشي والتخفيت ولو قليلا من اللهجة الحادة التي بدأت تتحدث عن البطالة ومشاكل الاقتصاد الفرنسي وتحاول ملامسة مشاكل الفرنسيين الحقيقية، مع الإبقاء طبعا على معضلة الهجرة التي تثير غضب اليمين.

ومع النتائج الأخيرة يبدو أن ذاك النهج قد أعطى أكله لترى فيه مارين لوبان نهاية القطبين في الحياة السياسية بين اليمين واليسار ولتصف النتائج التي حققها الحزب بأنها “انتصار كاسح”.

وبالعودة إلى مواقف لوبان الابنة نجد أنها كانت دائما من المدافعين على الأفكار التي تتبناها الأحزاب اليمينية ليس في فرنسا فقط بل في جميع دول أوروبا.

بدت مارين لوبان متفائلة بأن حلم السلطة بات يقترب تدريجيا لترى أفكارها التي زرعها فيها والدها النور ولتكون بالفعل ابنة أبيها

فقد سعت دائما إلى تشكيل تحالف قوي بين الأحزاب اليمينية مثل الجبهة الوطنية، حزب التحرر النمساوي، الحزب من أجل الحرية الهولندي، رابطة الشمال الإيطالي، فلامس بيلنغ البلجيكي والديمقراطيين في السويد لضمان السيطرة على البرلمان الأوروبي.

أما بخصوص موقفها من الهجرة الجماعية فقد أبدت رفضها لتدفق المهاجرين ودعت إلى احتذاء النموذج السويسري الذي صوّت ضد الهجرة الجماعية واعتبرت أن الفرنسيين سيصوتون على نطاق واسع في الاتجاه ذاته في حالة إجراء استفتاء.

وقالت لوبان: “السويسريون أظهروا الكثير من الحس السليم. أتمنى أن نسير على نهجهم وأعتقد أنه إذا أجري استفتاء في فرنسا حول هذا الموضوع، سيصوّت الفرنسيون على نطاق واسع لوقف الهجرة الجماعية”.

مضيفة “من الواضح أنني أدعو الفرنسيين إلى هذا الطريق، طريق الحرية والسيادة والدفاع عن اقتصادنا ونظام الضمان الاجتماعي الخاص بنا وهويتنا”.

وهي تبرر موقفها بأنها لا تقيم جدارا على العالم ولكن فتح الباب أو غلقه تحدده المصلحة الفرنسية ومصلحة الشعب الفرنسي.

وفي بعض مواقفها أيضا شبهت زعيمة الحزب المتطرف صلاة المسلمين في فرنسا في الشارع بالاحتلال النازي، حين أدلت بتصريحات عنصرية قارنت فيها المسلمين الذين يؤدون الصلاة في الشوارع بالاحتلال النازي في زمن الحرب العالمية الثانية، حيث قالت “إنني آسفة لكن أولئك الذين يحبون الحديث بشأن الحرب العالمية الثانية وإذا كنا نتحدث عن الاحتلال فإنه يمكننا أن نتحدث عن ذلك من خلال “الصلاة في الشوارع″ لأنه من الواضح أنه احتلال أيضا، وهذا احتلال أجزاء من أراض ومن أحياء يطبق فيها القانون الديني وهذا احتلال، لا توجد دبابات ولا يوجد جنود لكنه احتلال على أية حال ويؤثر على الناس″.

وكانت لوبان دائما ما تثير الجدل في تصريحاتها ضد الإسلام والمسلمين وتحريضها على الكراهية والعنصرية ومعاداتها للسامية، مما دفع عددا من النواب الأوروبيين للمطالبة برفع الحصانة البرلمانية عنها.

ومن مواقف لوبان التي تنحى منحى عنصريا والتي كانت قد صرحت بها في وقت سابق، موقفها من لاعبي منتخب فرنسا لكرة القدم، خصوصا ذوي الأصول الجزائرية ككريم بنزيمة وسمير ناصري، بالإضافة إلى فرانك ريبيري المتزوج من جزائرية.

وكانت وصفتهم بالمنحرفين وعديمي التربية ولا يحبون منتخب فرنسا، ويريدون فقط جمع الأموال ويستهزئون بالفرنسيين ولا يفتخرون بتمثيل البلاد.

وقالت في تلميحها عن أولئك اللاعبين “إنهم لاعبون سيئو التربية” كما أرجعت لوبان، سبب النتائج السيئة التي حققها المنتخب الفرنسي، إلى “الليبرالية المتوحشة” التي تعيشها هذه الرياضة، واعتبرت أن هناك قطيعة حقيقية بين الشعب الفرنسي والمنتخب، الذي وصفته بأنه نوع من الكابوس يضم صبية سيئي الخلق لا يتحلّون بالفخر الوطني، ويهزؤون بتمثيل فرنسا حسب رأيها.

هذه المواقف التي تتبناها مارين لوبان جعلتها تصر على أهداف الحزب والتي من بينها الخروج من منطقة اليورو والانسحاب من منظمة حلف شمال الأطلسي، والتقليص من الهجرة الجماعية، أما كراهية الأجانب فهي على رأس أجندة الحزب، حيث تحارب الجبهة الوطنية ضد اختراق المهاجرين، ولاسيما المسلمين منهم، للثقافة والمجتمع الفرنسيين.

وقد عبر عدد من مرشحي حزب الجبهة الوطنية المتطرف أنهم إن فازوا طبعا ووضعوا أيديهم على البلديات أن يكون أول قرار يتخذونه وقف منح تراخيص لبناء المساجد، إضافة إلى تعطيل رخص سارية، وهذه النية تؤكد للجميع الفكر العنصري الذي يتبناه حزب مارين ومدى الكره الذي يكنه منتسبوه للإسلام وأهله.


توصيفات لأفكار مارين


يتحدث البعض عن آراء ومواقف حزب الجبهة الوطنية بصفة إجمالية في إشارة إلى أنها مواقف لم تتغير، من ذلك ما ذهب إليه المؤرخ إتيان فرانسوا الذي يرى أن مواقف الحزب الأساسية من قضايا معينة لم تتغير. ويقول إتيان: “تروّج مارين لوبان صورة لنفسها كمدافعة عن العلمانية، أي الفصل بين الكنيسة والدولة، وقيم الجمهورية الفرنسية، وكمدافعة عن الشعب البسيط ضد من هم في مواقع القرار”.

فوز اليمين المتطرف في أحد معاقل اليسار المهمة ناقوس خطر لكل القوى الاشتراكية وكل المدافعين عن القيم الإنسانية التي جاءت بها الثورة الفرنسية

أما هارتليب فلوريان الباحث في مركز الدراسات الأوروبية ببروكسل والخبير بظاهرة الشعبوية والتطرف والأحزاب السياسية في الاتحاد الأوروبي، فيرى أن مارين لوبان تظهر من خلال المواضيع التي تطرحها، مرونة أكثر من والدها. وبشكل عام فإن مارين لوبان تحاول تحديث الحزب وتوجيهه في مسار أكثر اعتدالا، حسب ما يعتقد.

والذي يثير القلق فعلا أن عددا من استطلاعات الرأي تشير إلى أن خطاب مارين لوبان أخذ يلقى صدى واسعا لدى الفرنسيين خاصة بعد تعهدها بإخراج فرنسا من اتفاقية شينغن لحرية التنقل للأشخاص والبضائع في أوروبا، إضافة إلى إعادة الفرنك الفرنسي محل العملة الأوروبية الموحدة اليورو، وهو ما يثير قلق ومخاوف الأجانب خاصة العرب والمسلمين الذين يعتقدون أن مستقبلهم سيكون قاتما إذا تمكن اليمين المتطرف من تحقيق طموحاته السياسية.


مخاوف من اليمين المتطرف


لم يربك حزب الجبهة الوطنية المتطرف اليسار الفرنسي فقط بل أثار نوعا من الخوف والقلق في صفوف الأجانب وخصوصا العرب والمسلمين الذين يعيشون في فرنسا منذ سنين، وذاك الخوف له ما يبرره خاصة في ظل العداء الواضح التي يكنه الحزب لهم والشعارات التي يرفعها دائما والتي لا تعبر إلا عن مصالح الفرنسيين وترى في الأجانب والوافدين السبب الرئيس في مشاكل فرنسا.

وقد تعددت الأصوات الناقدة والمحذرة من اليمين المتطرف من ذلك ما عبرت عنه الناطقة باسم الحكومة الفرنسية نجاة فالو بلقاسم حين دعت إلى القيام بكل ما يمكن لمنع فوز مرشح من الجبهة الوطنية في بلدية في الدور الثاني.

ويذهب البعض إلى أن مخاوف عدد من السياسيين راجع إلى أن حزب مارين لوبان حاز على 7 في المئة رغم أن مشاركته كانت محدودة وذاك مؤشر عندهم على قدرة هذا الحزب على التغلغل في الوسط الفرنسي وتحقيق أجندته السياسية.

ويرجع بعض المحللين أن الصدى الذي وجده حزب مارين لوبان عائد إلى خطابها الذي ركز على عداء المهاجرين، وخوف الفرنسيين من اتساع ظاهرة المتطرفين وسط الجالية المسلمة، خاصة مع تحذير الإعلام الفرنسي المستمر ممّا يسميه خطر عودة الجهاديين الفرنسيين الذين تطوعوا للقتال إلى جانب الجماعات المسلحة المتشددة في سوريا ضد نظام بشار الأسد.

ولم يجد الحزب الاشتراكي الذي حاول تبرير خسارته بالأزمة الاقتصادية والوعود التي لم تتحقق خاصة تقليص نسبة البطالة، إلا التعبير عن دعمه لمنافسه اليميني الاتحاد من أجل حركة شعبية من أجل وقف زحف اليمين المتطرف.

صعود اليمين المتطرف بزعامة لوبان قد يعيد خلط المشهد السياسي الفرنسي وقد يدفع القوى المعادية لتوجهاته إلى إعادة ترتيب الأولويات من أجل وضع الخطط والاستراتيجيات للحد من أحلامه وطموحاته التي تبتغي هذه المرة السلطة.

لكن الواقع الحالي وكما تشير العديد من التحاليل السياسية ترى أن العديد من المؤثرات الخارجية والتطورات الدولية ساعدت اليمين المتطرف على البروز، من ذلك التغيرات التي أحدثتها الثورات العربية وصعود الحركات الإسلامية المتشددة التي أعطت مبررات الخوف من الإسلام وأهله للفرنسيين، وجعلتهم ينساقون وراء أفكار حزب لوبان.

ولم يفلح مسلمو فرنسا في دحض هذه الأفكار من الرؤوس نظرا لعجزهم عن بيان حقيقة الإسلام المتسامح والمحترم للآخر. ووجد المتشددون الطريق مفتوحا ليعطوا صورة مشوهة عن الإسلام أظهرته على أنه دين عنف وإرهاب.

وقد استغل حزب الجبهة الوطنية ذلك في حملاته الانتخابية خاصة أن الجهاد في سوريا مس أيضا بعضا من الفرنسيين.

ورغم كل ذلك، فإن الأمر لم يحسم بعد لليمين وتراهن القوى السياسية على الفرنسيين المؤمنين بالاختلاف والحرية للوقوف في وجه كل الأفكار المتطرفة التي تهدد نسيج المجتمع الفرنسي وتعدديته الثقافية والدينية، فهل تقدر تلك القوى على الحد من خطورة لوبان وحزبها؟

20