ماريو برينتا مخرج يخوض السينما كأنه في رحلة قنص

ماريو برينتا هو أحد السينمائيين الإيطاليين المخضرمين، من الذين انحازوا إلى التفكير في مجال السينما، من خلال الاشتغال النقدي والجمالي على الخطاب السينمائي، فضلا عن تجاربه في الإخراج، منذ فيلمه الروائي الطويل الأول “فيرميسات”، مرورا بأعماله الوثائقية المتقنة، وأفلام روائية أخرى عرضت وتوجت في مهرجانات كبرى، مثل البندقية وسان فانسان ومونبلييه، قبل أن يتوج فيلمه “برنابو الجبال” بجائزة أفضل إخراج في مهرجان كان سنة 1994.
الجمعة 2015/06/05
ماريو برينتا شاعر البندقية ومخرجها السينمائي

ماريو برينتا هو ابن البندقية وشاعرها السينمائي، ولكن كل الطرق تؤدي إلى روما، بما فيها طريق السينما. استقر برينتا في روما، منذ السبعينات، حيث اشتغل كمساعد مخرج أول وكاتب سيناريو وأخرج أفلامه القصيرة الأولى، كما عمل في التلفزيون.

وفي الثمانينات، تفرغ برينتا للأفلام الوثائقية الإبداعية. وشكلت مرحلة التسعينات عودته إلى إخراج الأفلام الروائية الطويلة. وفي السنوات الأخيرة، اختص المخرج الإيطالي في إخراج الأفلام الوثائقية، مثلما أصبح واحدا من أشهر المحاضرين والمفكرين في الفن السينمائي، وهو أستاذ نظريات وتقنيات اللغة السينمائية في جامعة بادو.

صناعة الثقافة

يتفق المتتبعون للسينمائي الإيطالي ماريو برينتا، وتجربته السينمائية الزاخرة، منذ ما يزيد عن أربعين سنة، أن انشغاله النظري بالسينما وأسئلتها الجمالية قد حرم قاعات السينما من أفلام كثيرة وغزيرة، لكنه أمدّ السينما الإيطالية والأوروبية بوعي نظري حادّ، واشتغال نقدي جادّ، ودفعها إلى القيام بمراجعات وقطائع وإضافات وتساؤلات ما فتئ برينتا يثيرها ويعيرها كل الاهتمام، يقينا منه أن السينما فن وفكر وفلسفة في الحياة والإبداع، وأنها ثقافة وليست مجرد صناعة. عن ذلك يقول ماريو برينتا في هذا الحوار الخاص مع “العرب” إن “أيّ عمل فني، إن كان حقا يستحق أن يصنف كذلك، يجب أن يكون أداة تفكير ضمني حول الفن نفسه.

وهذا يصدق أيضا على السينما التي يجب ألاّ تقتصر على مجرد تمثيل مجموعة من الأحداث، بل يتعين أن تتحول إلى فعل تفكير حول جوهرها نفسه ووعي بهذا الجوهر الذي يجعل منها لغة لا شك أنها أقدم اللغات وأكثرها طبيعية، مما يجعلها في تطور متواصل”.

المخرج الإيطالي ماريو برينتا اختص في إخراج الأفلام الوثائقية، مثلما أصبح واحدا من أشهر المحاضرين والمفكرين في الفن السينمائي، وهو أستاذ نظريات وتقنيات اللغة السينمائية في جامعة بادو

وأي عمل فني، إن كان حقا عملا أصيلا، يضيف برينتا، مستطردا أنه “إن لم يكن أصيلا فهو ليس عملا فنيا”، وإن كان أصيلا، فهو “ينشأ دائما من التساؤل وإعادة النظر في شيء موجود مسبقا، مكتسب سلفا، أي من وعي بجوهره الخلاق”.

فهل السينما ثقافة أم صناعة؟ يجيبنا المخرج والمنظر السينمائي “هما معا، في نظري، ولكن علينا أن نبدد سوء فهم مغرض، عن طريق التأكيد على أن صناعة السينما يجب أن تكون صناعة للثقافة، وليس ثقافة للصناعة”.

فهل هذا هو ما جعل أفلامه نادرة، وجعله حذرا من التسرع في الإبداع والإخراج السينمائي، باستمرار؟ يردّ برينتا بأن العكس هو الصحيح، “لأنني أجازف، وأختار خوض المغامرة. ولكن المجازفة لا تعني التعرض للأخطار والارتماء في حضن التهلكة”.

إن المجازفة عند محدثنا هي شكل من أشكال الوعي، بمعنى أننا نطرح جانبا حياة الدعة والاستكانة إلى ما هو معروف ومألوف، للانطلاق نحو اكتشاف المجهول، ولكن شرط أن نؤمن بصواب الواقع، ونستعد للانفتاح عليه واستقباله فينا، واحتضان كل ما يمثل أمام أعيننا من جديد، دون أفكار مسبقة أو تصورات نمطية جاهزة، أيديولوجية أو جمالية، بروح من الانفتاح والاقتراب من الواقع، والحضور، ولكن في نفس الوقت، مع الاحتفاظ بمسافة “نقدية”، تلك التي تجعل الرؤية حيوية فاعلة.

وليس الشعر شيئا نبحث عنه ونصنعه، إنه هبة وهدية نتلقاها، هناك حيث لم نكن نتوقعها، في منعطف طريق، كمصادفة سعيدة في مسارنا، ولكنه دائما مستحق. إنه هدية يمنحنا إياها الواقع، شرط ألاّ نطالبه بشيء، وألاّ نفرض عليه شيئا، بل نكتفي بالانفتاح بحرية مستشعرين بكل حواسنا ومداركنا مقدار سخائه، وفيض ما يمنّ به على أبصارنا من عطاء.

إن المجازفة عند محدثنا هي شكل من أشكال الوعي، بمعنى أننا نطرح جانبا حياة الدعة والاستكانة إلى ما هو معروف ومألوف

لنسلم أنفسنا لمشاعر الانبهار والدهشة والانخطاف، ولكن دون أن تُسلب إرادتنا ونُؤخَذ على حين غرّة. لنجعل غريزة القناص المتمرس وتجربته تقودنا، هو الذي لا يعرف متى وأين وكيف سيلقى الفريسة (وهنا مكمن الخطر)، ولكنه يعرف المكان الذي يجب أن يترصّد فيه لفريسته.

الاختيار الوثائقي

في أبحاثه النظرية، كما في دراساته وتطبيقاته النقدية، ينطلق ماريو برينتا من مقدمة أنطولوجية مفادها أن “السينما إنما ارتبطت بالإنسان منذ كان”، وأن “السينما هي أول لغة للكائن الإنساني منذ أن سعى إلى فهم العالم والقبض على الأشياء”، معتمدا على الصوت والصورة والحركة، وهي الثلاثية التي ينهض عليها الفعل السينمائي. وينتهي برينتا من حيث بدأ، ليؤكد أننا “في هذا الواقع الذي نحياه، لا نعيش سوى السينما باستمرار”.

فهل كان هذا سببا في انحيازه إلى الفيلم الوثائقي، ما دامت هذه السينما التسجيلية تنقل لنا هذا الواقع السينمائي أصلا، كما هي فكرة برينتا. يجيبنا برينتا بأنه كان ميالا دائما إلى الفيلم الوثائقي وإلى الفيلم التخييلي الذي يستلهم الوثائقي، وذلك لسبب بسيط، إذ “يسهل تصوير فيلم وثائقي بنتائج تظل في كل الأحوال أكبر أهمية مقارنة بالتخييلي. إنه أسهل مقارنة بالتخييلي (نوع معين من التخييلي)، إذ فيه نتحكم أقل ما يمكن في الواقع”.

بعيدا عن الوثائقي، وعن فيلم “برنابو الجبال”، الذي توّج في مهرجان كان سنة 1994، حيث اشتغل على عمل روائي لدينو بوزاتي، وما إذا كانت السينما مطالبة بالعودة إلى النصوص الأدبية، بحثا عن عمق ورؤية للعالم والإنسان، بدل تكرار الواقع، أو الاستسلام له؟

يرى المخرج أن الاقتباس ربما صار اليوم مطلوبا في السينما، “الاقتباس: لم لا؟، يتساءل الرجل، هو الذي عاش تجربة الاقتباس في فيلم “بارنابو الجبال”. ويقول برينتا إنه “مستعد لإعادة هذه التجربة، ولكن شرط أن يتعلق الأمر باقتباس حقيقي، أي ليس فقط بنقل آلي مبتذل لحكاية لفظية وتحويلها إلى صور”.

ماريو برينتا كان ميالا دائما إلى الفيلم الوثائقي وإلى الفيلم التخييلي الذي يستلهم الوثائقي

أي ينبغي أن يكون هناك تحويل حقيقي وإعادة بناء على مستوى اللغة، يحفظ للعمل الأدبي عطره ومذاقه وأسلوبه، بعبارة أخرى، يجب ألاّ يقتصر الأمر على مجرّد تمرين شكلي، بل أن يصبح عنصرا دلاليا يبني المعنى الذي يظل غالبا متخفيا بين السطور.

وربما قضية السينما ليست قضية رواية أو اقتباس، وليست قضية نقد أو ثقافة فحسب، بل هي قضية تربية على السينما أساسا، لكن المراحل التعليمية الأولى تفتقد، خاصة في عالمنا الثالث، لدرس السينما، ألا ترى أن غياب التربية على السينما يهدد النظر إلى السينما في المستقبل؟ عن هذا السؤال يجيب السينمائي الإيطالي بأن الأمر لا يتعلق بالعالم الثالث، فقط، “إنها بالأحرى ظاهرة عالمية.. وإن كنا نرغب حقا في تفادي الكارثة، فعلينا أن نحاول إرساء نظام يضع حدا للفوضى الضاربة في عالم الصورة، أو بالأحرى عالم الصور التي أصبحت مجال تبادل مفرط، جعلها مبتذلة إلى حدّ فقدت معه كل معنى”.

لا يتعلق الأمر، عند برينتا، بتلقين لغة، ولكن بإعادة تعلمها، لأنها ليست شيئا جديدا، بل هي موجودة حتى لدى الأطفال في الطور ما قبل المدرسي. والمقصود بتعلمها من جديد، تحويلها من مجرد أداة نتلقاها بسلبية، إلى أداة تحليل ووعي نقدي تجاه الواقع والحياة.

16