ماريو سكاليزي الشاعر المالطي الصقلي التونسي الملعون

الأربعاء 2014/11/19
سكاليزي: الناس يخشون الموت كما يخشون مصيبة، الموت هو العروس الجميلة

معلوم أن أبا القاسم الشابي هو أشهر شاعر تونسي خلال القرن العشرين، وهو أيضا رمز وطني، به يحتفي التونسيّون سنويّا، وبأشعاره يتغنّون في مناسباتهم الوطنيّة، وفي تظاهراتهم السياسيّة. غير أن هناك شاعرا لا يقلّ أهميّة عنه. وهو من أصول مالطيّة وصقليّة في نفس الوقت، إلاّ أن التونسيين يعتبرونه ابن بلدهم لأنه فيها ولد، وفيها أمضى كامل مراحل عمره القصير الذي لم يتجاوز الثلاثين عاما. هذا الشاعر هو ماريو سكاليزي الذي كتب أشعاره بالفرنسيّة.

كتب سكاليزي (1892 - 1922)، قصائده باللغة الفرنسية، وفيها بدا متأثّرا إلى حدّ كبير ببودلير وآرثير رامبو ولوتريامون، وهم شعراء “ملعونون” مثله. وكان الهادي البالغ، أستاذ الأدب الفرنسي في الجامعة التونسية، هو من أوائل الذين اكتشفوا هذا الشاعر الملهم، معرّفا به أحبّاء الشعر، وجامعا أشعاره في كتاب حمل عنوان “أشعار ملعون”.


حادثة أليمة


يحتوي هذا الكتاب على كامل الأشعار التي كتبها ماريو سكاليزي مرفقة بترجمة لها إلى اللغة الدارجة التونسيّة، ولم يكن هذا بالأمر الغريب. فقد عرف الأستاذ الهادي البالغ بتحمسه الشديد للهجة الدارجة التونسيّة، واعتبر أنها الأقرب لترجمة أحاسيس الشاعر التي تتضمنها قصائده باللغة الفرنسية. هذا وصدرت “الأعمال الشعرية الكاملة” لسكاليزي في كتاب أشرف عليه عبدالرزاق بالنور وإيفون بروندينو.

وقد ولد ماريو سكاليزي في حيّ “باب الخضراء” بقلب تونس العاصمة، في السادس من شهر فبراير 1892. وهو ينتسب إلى عائلة فقيرة يختلط فيها الدم المالطي بالدم الصقلي. وكان والده يعمل في شركة الترامواي للنقل، أما والدته فقد كانت خادمة في المنازل.

سقط من المدارج فانكسر عموده الفقري ليعيش بقية حياته أحدب الظهر

كان سكاليزي في الخامسة من عمره لمّا سقط من المدارج ليلة عيد الميلاد فانكسر عموده الفقري ليعيش بقيّة حياته أحدب الظهر، قصير القامة ومشوّه الجسد. وفي ما بعد سيصف ذلك الحادث الأليم بأنه كان بمثابة “اللحظة التي قطعت صلته بالحياة”.

وربما بسبب فقر عائلته، اضطرّ ماريو سكاليزي إلى ترك المدرسة مبكرا ليعمل بائع جرائد. وفي أوقات الفراغ كان يهرع إلى مكتبة “العطارين”، بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة، ليلتهم الروايات والأشعار، وكتب التاريخ. وبذلك حصل على ثقافة عميقة، وحذق اللغة الفرنسيّة بمجهوده الخاص، ومن دون الاستعانة بأحد.

وفي جريدة “تونس المصوّرة”، التي كان يكتب فيها مقالات أدبيّة، نشر أشعاره الأولى التي لقيت استحسانا لدى النقاد وأحباء الشعر باللغة الفرنسيّة، بل إنه حصل على شيء من الشهرة خوّلت له أن يصبح عضوا في “جمعيّة كتاب شمال أفريقيا”.


أبيات جنائزية


في سنّ الخامسة والعشرين، ازدادت صحة ماريو سكاليزي تدهورا؛ فقد أصيب بداء السل، ثم بالتهاب السحايا. وبعد أن أمضى أشهرا في المستشفى الإيطالي بتونس، نقل إلى إيطاليا ليمضي بقية أيامه مجنونا في مصحة للأمراض العقلية بباليرمو.

وكانت وفاته في نفس المصحة في الثالث عشر من شهر مارس 1922. وقد تمّ دفنه في قبر جماعي. ولم يتمّ الاعتراف به شاعرا في تونس إلاّ في التسعينات من القرن الماضي حيث خصًصت له الجامعة التونسية ندوة للتعريف به، وبأشعاره.

أعمال الشاعر ترجمت إلى الدارجة التونسية

ويقدّم ماريو سكاليزي أشعاره للقراء بقصيدة تحت عنوان “رجم”. وفيها كتب يقول: «هذا الكتاب، الذي لا يهتمّ بالمجد/ ولم يكن وليد لعبة فكريّة: لا علاقة له بالإلهام الأسود/ ولا بـ”الهاوية”، ولا بـ”أزهار الشر”/ وإذا ما كان يحتوي على أبيات جنائزيّة/ فإن هذه الأبيات صرخة تمرّد/ صرخة حياة ظلماء/ وليست ثمرة قلق متعمّد».

ويختم سكاليزي قصيدته قائلا: «وجامعا هذه الأحجار الحزينة/ من أعماق جهنم لم يسبق لها مثيل/ أرمي لكم بجواهري النفيسة/ آه يا إخوتي الذين لعنتموني!/».

وتعكس العديد من القصائد عذابات ماريو الجسديّة والنفسيّة. وفي قصيدة أهداها إلى صديق له كتب يقول:

«كانت حياتي قاسية كليلة سهاد بيضاء/ وعندما تشبثت يدي بيدك المباركة/ يا أخي الذي علّمه المثل الأعلى اللطف والحنان/ سائما الظلمة اللامتناهية التي تنعكس في قلبي/ لن أنسى أبدا أني لك وحدك استطعت أن أقول: “احك لي كيف يحزن النهار وكيف يموت!”». وعن الموت، كتب سكاليزي يقول: «الناس يخشون الموت كما يخشون مصيبة/ الموت هو العروس الجميلة ذات العينين الدعجاوين/ التي تناديني دائما إلى سريرها المظلم/ يا لهم من مجانين! هل يخشون قبلة الحبيبة؟».

في قصائد أخرى، تبتعد الوساوس والهموم عن الشاعر فيطرب ويغني بهدوء قائلا:

«صوتك الفضّي الرّاجف/ آه ماذا كنت تقولين يا حبيبتي/ بينما نحن نقترب من المدينة الهادئة؟/ كمنجات عذبة كانت تعزف تقاسيمها/ في أماكن بعيدة، فيها تتباعد أحلامنا/ وأرواحنا تبدو كما لو أنها غائبة عن أجسادنا!».

14