ماريو فارغاس يوسا ومفهوم الكتابة

السبت 2015/01/10

في الخمسينات من القرن الماضي، غادر ماريو فارغاس يوسا، المولود عام 1936، بلاده البيرو مقرّرا الاستقرار في العاصمة الفرنسيّة باريس، وفيها عمل في البداية بـ”إذاعة فرنسا العالميّة” الموجّهة برامجها إلى بلدان أميركا الجنوبيّة.

وقد أتاح له عمله ذاك التعرف على جوانب وخفايا الثقافة الفرنسيّة، وعلى ما كان يجدّ في باريس من أحداث مهمة على مستويات فنيّة وأدبيّة وفلسفيّة وغيرها. وفي ذلك الوقت، أي الخمسينات، كان يعيش في العاصمة الفرنسيّة كتّاب ومبدعون كبار من أمثال صاموئيل بيكت، ويوجين يونسكو، وناتالي سارّوت، وغيرهم.

وكان هناك تيّار “الرواية الجديدة” الذي برز مع آلان روب غرييه، وروبير بينجيه. وكان هناك المخرج المسرحيّ الكبير جان فيلار، والموسيقيّ الشهير بيار بوليز. وكانت الموجة الجديدة في السينما الفرنسيّة قد بدأت في الظهور على يد جان لوك غودار.

وبشغف كبير، تابع ماريو فارغاس يوسا، الشاب الطموح إلى أن يكون ذات يوم كاتبا كبيرا، المعارك الحامية بين سارتر وكامو حول العديد من القضايا المهمّة المتّصلة بالفلسفة والتاريخ والسياسة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بانهيار النازيّة في ألمانيا، والفاشيّة في إيطاليا.

وبعد أن تعرف على أوكتافيو باث، وكارلوس فيونتاس، وخوليو كورتزار، وغابرييل غارسيا ماركيز أصبح يفضّل أن يقول إنه كاتب من أميركا الجنوبيّة وليس من البيرو.

وفي الستينات من القرن الماضي، أصدر فارغاس يوسا روايتين خوّلتا له احتلال مكانة عالية في أدب أميركا الجنوبيّة، وفي الآداب العالميّة. وقد حملت الرواية الأولى عنوان “المدينة والكلاب”، وفيها يروي تفاصيل شقائه ومحنته في الأكاديميّة العسكريّة التي انتسب إليها في سنوات شبابه بليما عاصمة بلاده. أما الثانية فكانت بعنوان “البيت الأخضر” التي استعمل فيها التقنيات الفنيّة الفوكنيريّة -نسبة إلى ويليام فوكنر- ليروي قصة أشخاص يلتقون في بيت مغلق في غابات البيرو الاستوائيّة. وانطلاقا من السبعينات، وبفضل أعمال روائيّة أخرى، لعلّ أهمها “حرب نهاية العالم” التي يتعرّض فيها إلى أحداث الحرب الأهليّة التي شهدتها البرازيل في أواخر القرن التاسع عشر، حصل ماريو فارغاس يوسا على شهرة عالميّة واسعة فتحت له الطريق واسعـــة لنيـــل جائزة نوبل للأدب عام 2010.

وقد كتب صاحب “البيت الأخضر” العديد من الدراسات التي سعى من خلالها إلى بلورة جملة من الأفكار والملاحظات بشأن مفهومه لفن الكتابة، وللأدب بصفة عامّة. وهو يقول: «حتى وإن لم يكن الكاتب واعيا بذلك، فإن الأدب هو فعل رافض للرضوخ، ليس بالمعنى السياسي، وإنما بمعنى ما يخالف الحياة والتاريخ.

وإذا ما ابتكر الكاتب عالما، فمعنى ذلك أن العالم كما هو ليس كافيا بالنسبة إليه. هناك شيء ثوريّ في الرواية. فهي تمنحنا الرغبة في الحصول على أشياء ليست موجودة في العالم الواقعي. وعندما ينتهي الإنسان من قراءة كتاب عظيم، فإنه يكون قادرا على تحسّس، وتلمّس النقائص، والأشياء المبتذلة الموجودة في الواقع المعيش.

لذا فإنّ الرواية هي مصدر كلّ نقد موجّه إلى العالم، وإلى المجتمع. وإلاّ لماذا تخشى كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة عبر التاريخ الإنساني الفن، ولماذا قامت وتقوم بوضع قوانين للمنع والرقابة». وعن مهمّة الكاتب، يقول ماريو فارغاس يوسا: «للكاتب نفس مهمّة المواطن؛ عليه أن يساهم في الحياة العامة. والحلّ الأخلاقي الصحيح ليس في أن يزعم الكاتب أن “السياسة قذرة”، لذا عليه أن يبتعد عنها مكتفيا بعالمه الخاص.

مثل هذا الموقف مرفوض، وقرار طائش، وغير مسؤول. لذلك أنا أكتب في الصحافة لأن هذا يجعلني على اتصال يوميّ ومباشر بالتاريخ. أنا أحبّ الأدب قبل كلّ شيء، غير أنني أمقت فكرة أن يكون الكاتب منعزلا في برجه العاجيّ، مقطوعا تماما عن العالم.

إنّ أغلب رواياتي لم أكن لأكتبها لولا عملي في الصحافة، ولولا التحقيقات التي كتبتها عن الحياة والناس والمجتمعات والبلدان التي زرتها. علينا ألاّ نكون سذّجا ونعتقد أنّ الكاتب يتميّز برؤية سماويّة. نعم الكاتب يخطئ. غير أن هناك مجالا يمكن للكاتب أن يساهم فيه. إنه لأمر مرعب أن يدمّر أهل السياسة اللغة الحيّة التي تصبح على ألسنتهم أماكن عامّة، ولغة مدنّسة. عندئذ يمكن للكاتب أن يساعد على تنقية الألفاظ الشائبة، وأن يطهّرها من كلّ المفردات التافهة التي تخرّب الفكر».


كاتب من تونس

16