"مازالت أليس" ترفع جوليان مور إلى قمة الأداء

الجمعة 2015/01/16
جوليان مور قدمت في "مازالت أليس" أفضل أدوارها التمثيلية

قليلة هي الأفلام التي تصور شخصية مصابة بمرض ما، دون أن تبتعد عن المبالغات المألوفة، سواء في السرد أو في تصوير الانفعالات وردود الفعل لدى الشخصيات الأخرى من حولها.

الفيلم الأميركي الجديد “مازالت أليس” المقتبس عن رواية أخصائية أمراض الجهاز العصبي، ليزا غينوفا، عمل مختلف، يبدو للوهلة الأولى بسيطا، لكن مع تتابع المشاهد والتعمق أكثر في الموضوع، يكتشف المشاهد أنه أمام فيلم يقوم أساسا، على تعدد المستويات، يكشف عن كل مستوى منها تدريجيا، إلى أن نصل في النهاية إلى تلك الاستنارة البديعة التي تنجم عادة عن كل الأعمال الكبيرة في الفن.

نعم، هذا فيلم تقليدي في بنائه، فليس فيه أيّ التواءات في البناء، أو طموح في تحطيم الشكل والتمرّد على اللغة، باستثناء مشاهد محدودة خاطفة، تتدفق فيها الذكرى من خلال صورة أو أكثر، تتكرر علاقة الأم بالابنة، أو ربما أيضا، علاقة البطلة، الأم، المريضة، بطفولتها.

هي لقطات تتداعى على هيئة صور سريعة أقرب إلى عالم الأحلام، تشوبها زرقة، وضبابية، مع إضاءة شاحبة تجعلها منفصلة عن ذلك السياق الواقعي المدهش للفيلم الذي أخرجه الثنائي ريتشارد جلاتزر وواش ويستمورلاند، اللذان تجمعهما رفقة حياة مشتركة.

أولهما جلاتزر، ينقل هنا أيضا جانبا من تجربته الشخصية، بكثير من الدقة والموضوعية والتأثير، فالفيلم يمكن اعتباره، دراسة لحالة امرأة ناجحة بكل المقاييس في حياتها الشخصية والعملية، تكتشف بعد أن تتخطى الخمسين، أنها مصابة بأعراض مبكرة من مرض الزهايمر وأهمها بالطبع، فقدان الذاكرة القريبة، الذي يزداد قسوة مع مضي الوقت، ويقلب حياتها بأسرها رأسا على عقب.

المخرج ريتشارد جلاتزر هو مصاب بالمرض نفسه، ولا شك أن مشاركته لرفيقه ويستمورلاند في العمل بالفيلم، ولو من خلال الـــرغبة في المقــاومة، جزء من متعة السينما.

جوليان مور حصلت على جائزة أفضل ممثلة درامية في "غولدن غلوب" الأخير، عن دورها في فيلم "مازالت أليس"

“مازالت أليس” من أكثر الأفلام التي ظهرت عن مرضى الزهايمر دقة وبراعة رغم تقليديته. بطلة الفيلم هي أستاذة علم اللغويات الناجحة “أليس هولاند” التي تقوم بالتدريس في الجامعة، وهي امرأة ناجحة متمكنة كثيرا من عملها، تعيش حياة أسرية ناجحة، زوج يحبها، ثلاثة من الأبناء: ابنتان وشاب، رعتهم حتى أصبحوا يعيشون حياة مستقلة.

تزوجت الابنة الكبرى “أنا” وتستعد لإنجاب توأم، أما الابنة الصغرى “ليديا” فقد اختارت أن تشق طريقها في عالم التمثيل رغم اعتراض الأم، ويرتبط الابن “توم” بعلاقة حب مع فتاة يرغب في الزواج منها. تعيش أليس مع زوجها “جون هولاند” الباحث في علم الميكروبيولوجي، في منزل رائع بنيويورك.

لكن أليس التي تمارس الجري في شوارع وحدائق نيويورك، لكي تحافظ على لياقتها البدينة، تكتشف ذات يوم أنها فقدت القدرة على التركيز، وعجزت عن تذكر أبسط الأشياء، فقد أصبحت لا تذكر طريق العودة إلى منزلها، كما اضطرّت للعودة إلى الوصفات المكتوبة لإعداد الأطعمة التي كانت تجيد صنعها في الماضي.


تجسيد التغيرات


بعد إجراء الفحوص الضرورية يخبرها الطبيب أنها مصابة بمرض الزهايمر المبكر في مثل عمرها، والأسوأ، أن المرض وراثي، وأن من المحتمل بنسبة مئة في المئة أن ينتقل إلى أبنائها أيضا.

وتكشف الاختبارات أن هناك بدايات للمرض فعلا عند ابنتها الصغرى “ليديا”، وهي ممثلة شابة تسعى لشق طريقها في عالم المسرح.

زوج أليس “جون” لا يستطيع تصديق الأمر في البداية، لكنه يصبح داعما لها، وإن كان لا يستطيع التخلي عن طموحه المهني من أجل أن يتفرغ للبقاء معها لمدة عام كما تطلب بإلحاح.

جمال الفيلم يكمن في قدرة مخرجيه على تصوير التغيرات التي تزحف على جسد ووجه وشخصية أليس

جمال الفيلم يكمن في قدرة مخرجيه على تصوير التغيرات التي تزحف تدريجيا على جسد ووجه وشخصية أليس وعلاقتها بالعـالم وبالآخرين، وخصوصا بأفراد أسرتها.

إنها تتردد على أحد بيوت رعاية المسنين من المصابين بمرض الزهايمر، تريد أن تشاهد صورة لما ستكون عليه مستقبلا. لكنها تعود في البداية أكثر رغبة في مقاومة المرض اللعين، فتسجل كل ما يمكنها من معلومات على جهاز التليفون المحمول، تعود إليه لتسترجعه كلما اقتضى الأمر.

بل وهناك أيضا تلك الرسالة المسجلة بالصوت والصورة التي تملي عليها ما يجب أن تفعله عندما تبلغ قمة الإحساس، كما نرى بالفعل عندما تعجز عن الوصول إلى مكان الحمام بمنزلها بعد أن نسيت مكانه، بل وبدأت تفقد القدرة على التفرقة بين أبنائها، وعند تلك النقطة تقرر الانتحار بتناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة.

لكن المحاولة تفشل بعد أن تدخل ابنتها فجأة، لتدير معها حوارا، تقترب فيه من حالة أمها، تريد أن تفهم انعكاسات المرض عليها، وأن تساندها وتشدّ من أزرها.

يستخدم المخرجان اللقطات القريبة لوجه جوليان مور، في لقطات طويلة، تعبر خلالها بالإيماءة والحركة المحسوبة التي تأتي تلقائية تماما، وباستخدام كلمات الحوار الطبيعية، كما يستخدمان الكاميرا المحمولة المهتزة في مشهد الحوار العصبي بينها وبين زوجها في غرفة النوم، عندما تحاول أن تشرح له أن أمر إصابتها بالمرض حقيقي، وأن عليه قبول هذه الحقيقة.

يرصد الفيلم تلك التغيرات من خلال الانتقال التدريجي من وجه أليس الجميل الصبوح، إلى ذبول الوجه وتلاشي ذلك التألق الذي كان يشع من عينيها، وأفول الجفنين، وتغضن الخدين. وتتقمص جوليان مور الدور بإجادة تامة تجعلها تنجح في تجسيد الشخصية بكل تفاصيل حالتها، من التألق إلى التدهور التدريجي.


البعد عن المبالغات


من مزايا هذا الفيلم ذلك التحكم المدهش المثير للإعجاب في الدراما التي نشاهدها بحيث لا تنحرف في أي وقت، في اتجاه الميلودراما أو المبالغات، سواء في بناء المشاهد عموما، أو في الأداء التمثيلي لجوليان مور التي تبدو شديدة التلقائية وكأنها تحاكي الحياة، دون أن تستطرد حتى تستدرّ دموع المشاهدين، فهدف الفيلم الأساسي هو تصوير علاقة أليس بحالتها، وانعكاسها على حياتها، وليس تصوير مبالغات عاطفية ناتجة عن حالة تثير المشاهدين.

فنحن نشاهد الحالة المرضية من وعي أليس نفسها -وليس من خلال المحيطين بها- التي يسري المرض في جسدها، هي التي يصفها زوجها غير ذي مرة في سياق الفيلم، بأنها المرأة الأكثر براعة التي قابلها طيلة حياته.

ينصرف الآخرون إلى شؤونهم بعد أن أدركوا أن لا حيلة لهم، فقط الابنة الصغرى “ليديا” التي كانت علاقتها بها قد عرفت توترا في الماضي بسبب اختيارات الابنة في الحياة، هي التي تنجح في استعادة علاقتها بأمها، وتبدي تعاطفها وفهمها لها بعيدا عن الانفعالات السطحية والبكائيات المألوفة في مثل هذه المواقف، بل كصديقة وابنة تشعر أيضا بما ارتكبته من خطإ وتعتذر عما سببته من ألم لأمها.

جمال الفيلم يكمن في قدرة مخرجيه على تصوير التغيرات التي تزحف تدريجيا على جسد ووجه وشخصية أليس وعلاقتها بالعـالم وبالآخرين

ينتهي فيلم “مازالت أليس” وأليس لا تزال تقاوم، ولكننا نعرف ما ستنتهي إليه حتما، بعيدا عن فكرة الانتحار التي نعرف أنها لن تتجرأ على تنفيذها مجددا، وهي نهاية مفتوحة، لا تميل إلى التفاؤل الكاذب، ولا إلى التشاؤم السوداوي والقتامة، فمقاومة بلوغ النهايات هي قدر الإنسان.

يتميّز الأداء لدى كل الممثلين في الأدوار الرئيسية بمستوى عال: أليك بالدوين (الزوج جون)، كيت بوسورث (الابنة الكبرى أنا)، وكريستين ستيوارت (الابنة الصغرى ليديا)، ستيفن كونكن (الدكتور بنجامين) وغيرهم، غير أن أداء جوليان مور في دور “أليس”، يتجاوز الجميع.

إنها حاضرة في كل مشهد من مشاهد الفيلم، وهي تؤدّي من خلال معايشة كاملة للدور، وليس مجرّد تقمصه، فنحن لا نشاهد ممثلة تمثل، بل امرأة تشعر وتمرّ في أعماقها بما تمرّ به المريضة بالزهايمر، خاصة عندما يضرب مبكرا قبل الأوان كثيرا، ويصيب هذه المرأة التي تتمتع بكل ما يحسدها عليه الآخرون من حيوية وتألق ذهني وجسماني.

إنها تستخدم التعبيرات الدقيقة للوجه والعينين، تقلّص العضلات، حركة الجسد، في تجسيد الشعور بالتيه والضياع في فضاء المدينة وداخل أسوار المنزل، وتلك اللوعة التي تصيبها بعد أن تعرف، أن مرضها يمكن أن يصاب به أبناؤها أيضا بنفس الطريقة. إن تكرارها عبارات الاعتذار لهم، في مزيج مرهق من مشاعر الارتباك والفزع والذنب، لا يمكن أن ينسى.

إننا هنا أمام أداء كبير ربما يتجاوز حجم الدور نفسه وأبعاد الشخصية الدرامية، وهو أداء يرتفع بصاحبته إلى آفاق جديدة في مسيرتها الفنية، باتت تستحق أن تتوّج عنها كواحدة من أفضل الممثلات في عصرها.

16