مازن سليمان: لا نهاية للطموح الشعري أو لشكل القصيدة

في ظل الأحداث الكبرى التي يشهدها العالم العربي، يتساءل الكثيرون عن دور الشاعر ودور قصيدته، وربما هنا يقع فهم مخطوء لدور الشاعر على أنه النبي أو لسان شعبه فحسب، متناسين في ذلك ذات الشاعر، ومضيقين أرض القصيدة في أهداف سياسية أو اجتماعية محدودة، بينما الشعر وجود بأكمله. “العرب” التقت الشاعر والناقد السوري مازن أكثم سليمان للحديث عن الشاعر ذاتا وعن القصيدة والتحولات.
الجمعة 2016/04/15
الركون الكامل إلى أي تجربة ناجحة يعني الموت إبداعيا

بلا مواربة، ولا مراوغة، يعلن انحيازه للجمال، الشاعر الذي يشغله سؤال الوجود والهوية في الشعر، وبقدر ما ينغمس في النص وكتابته، بقدر ما يأخذ على عاتقه فكرة التجديد والمجاوزة، وفي رحلته تلك لم يكتف، بعفوية الكتابة وعذريتها، بل تحصن بأكاديمية عالية، علها تسعفه في طريق الشعر الوعر، هو الشاعر السوري مازن أكثم سليمان، الشاعر النشيط والمجتهد، الذي لا يكل ولا يمل من أن يحفر بإبرة الشعر، طريق المعنى والحرية، هكذا منذ عمله الأول “قبل غزالة النوم” 2006، إلى اليوم، يعتبر من الوجوه المهمة الشابة في الكتابة الشعرية والنقدية السورية.

البحث عن الهوية

مازن أكثم سليمان مثقف ينتمي إلى عصره، وتشغله الأسئلة الوجودية والجمعية، ويحمل هما وطنيا وكونيا، ويؤمن بدور الفكر والثقافة في البناء الحضاري التراكمي والتغيير، بهذه الكلمات يستهل ضيفنا حواره معنا، يحدثنا عن بداياته التي بدأت بعمر التسع سنوات تقريبا، حيث بدأت تتفتح موهبته التي أخذ ينميها ويرعاها. يقول “أذكرُ أنني في الصف الثالث بدأت أؤلف قصصا وأغلفها بالورق المقوى كالمطبوعات، وأكتب اسمي على الغلاف”.

ومع مرور السنوات وتنوع مصادر معرفته الحياتية والثقافية تبلورت موهبته إذ يقول “بدأتُ بكتابة الشعر بغزارة، لتأخذ تجربتي بعد ذلك بالنمو والتطور نصيا ونظريا، ولا سيما بفعل القراءات المتنوعة والدربة الكتابية المتراكمة، وهو الأمر الذي دفعني إلى اختيار دراسة اللغة العربية وآدابها في الجامعة، ليتحول فعل الكتابة مع الزمن إلى فعل وجود مؤسس على وعي معرفيّ يسعى إلى امتلاك الخُصوصية الفردية من ناحية أولى، ويُواجه الأسئلة المُلحَّة فكريا وفنّيا بما تنطوي عليه من إشكاليات راهنة وتاريخية من ناحية ثانية.

شاهد على التحول

يؤمن الشاعر، بأن أي مشروع ثقافي رصين ينبغي أن يعيد الاعتبار إلى الأسئلة الكيانية والهوِياتية المحلية والكونية الكبرى، وأن يتجذَّر في قلب الفكر المعاصر، فلا أدب أصيل بلا فلسفة، ولا فلسفة أصيلة بلا أدب، حسب قوله، ويشرح ذلك قائلا “حاولتُ في وقت مبكر نسبيا أن أبحث عن هويتي الخاصة والمستقلة، وأظن أنني استطعت أن أقدم محاولة مرضية إلى حد ما في ديواني الأول ‘قبل غزالة النوم‘، لكن الركون الكامل إلى أي تجربة ناجحة يعني الموت إبداعيا، ولذلك مضيت قدما وعبر سنوات طويلة بعد ذلك، ولا سيما في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، باحثا عن تأصيل تجربتي نصيا ونظريا”.

الكتابة فعل وجود مؤسس على وعي معرفي يسعى إلى امتلاك الخصوصية الفردية ويواجه الأسئلة الملحة فكريا وفنيا

كما يلخص ضيفنا فهمه للشعر بقوله “القصيدة في نظري وجود بكل ما يحمله هذا الاصطلاح من معنى، ويفترض أن تنبسط فيها أساليب الحياة الجديدة بوصفها كيفيات مغايرة تقترح عالما شعريا لم يكن موجودا من قبل على هذا النحو، منفتحا بما هو زيادة في الوجود نحو المستقبل والمجهول، أما الشاعر برأيه فهو لم يعد ذلك المخلص أو النبي، كما اعتادت الحداثة الشعرية أن تقدمه، بقدر ما هو شاهد على التحول بوصفه كائنا وحيدا وأعزل في عالم جامح وسريع التغير”. لذلك لا مناص للشاعر بحسب ضيفنا “من أن ينغمس في أسئلة الحياة، وأن ينقب عن مواضع جديدة للدلالة والجمال، لا لكي يمتلك الحقيقة التي تنصبه فاتحا لا مثيل له، إنما ليرقص بوحدة وتسام على حواف اللعب الحر للعلامات ذات الدلالات المتوالدة باستمرار”.

كما يؤمن الشاعر، بضرورة امتلاك الشاعر لجهاز مفاهيمي متكامل وعميق يبطن مشروعه الشعري ويؤصله، وفق تعبيره، ويضيف “منذ بداياتي تشابك عملي النصي الشعري مع عملي النظري المعرفي في دينامية جدلية كان يطور كل طرف منها الطرف الآخر، ولا سيما إثر تعمقي في المناهج النقدية الحديثة والفكر الفلسفي المعاصر”.

لذلك عمل مؤخرا على إصدار بيان شعري، قل مثيله في زمننا الراهن سماه “الإعلان التخارجي” شارحا “أسعى في هذا البيان إلى اقتراح فصم جدلي، نظري لا فعلي، لذات الشاعر نفسها، عبر التمييز داخل حركية الخلق الشعري بين أساليب وجود الذات الشاعرة الموجودة في العالم الوقائعي، وأساليب وجود الذات الشعرية الموجودة في العالم الافتراضي، ويهدفُ تبنّي هذه الآلية الجدلية بين الذاتين إلى بسط أساليب وجود جديدة في عالم القصيدة يمكن أن تتخفف من الأيديولوجيات المركزية التي كانت تفرضها مسبقا سلطة الذات الشاعرة في الحداثة الشعرية مصادرة بذلك حرية النص”.

هناك تراكم يحدث حاليا عبر المساحة الشعرية العربية، ولا سيما بعد الربيع العربي، وما منحه للشعراء من آفاق جديدة

ويواصل “أنا أنعى الحداثة التي ظلت نصوصها الشعرية سجينة بيد سلطة الذات الميتافيزيقية المتمركزة على المسبقات الأيديولوجية، وأدعو إلى استئنافها ومجاوزتها في الوقت نفسه، بوصفها حركية الشعر نحو الثورة والحرية. فلا نهاية للطموح الشعري ولا نهاية لشكل القصيدة”.

ويضيف موضحا “ما دامت الحياة مستمرة، سيستمر ظهور اقتراحات فنية وجمالية جديدة، بغض النظر عن الشكل أو التسمية. أنا مؤمن بالتراكم الذي يحدث حاليا عبر المساحة الشعرية العربية، ولا سيما بعد ثورات الربيع العربي، وما منحته للشعراء من آفاق جديدة لا يستهان بها”.

مخاض جماعي

يعلن مازن أكثم سليمان أنه لا ثقافة بلا حرية، ولا حرية بلا صدام حتمي مع جميع أنواع السلطات والقيود البالية. فهو يؤمن بمقولة المثقف العضوي الذي تتأصل آراؤه النظرية عبر الموقف والفعل، يقول “على المثقف العربي ألا يتعالى على محن شعبه، فالنخبوي ليس نقيضا للشعبي كما يظن البعض خطأً، ولهذا لا بد أن ننخرط في التحولات العظيمة التي تحدث، ثم إن التاريخ لن يرحم المتخاذلين مهما تدثروا بعباءات التوائية تحت مسميات معرفية شتى”.

كما يرى ضيفنا أن مخاضا ثقافيا عسيرا ناجما عن تشابك التفجرات الاجتماعية وتفرعاتها السياسية والاقتصادية، بعد ثورات الربيع العربي وتداعياتها، واحتدامها بالمستويات الثقافية والمعرفية، ذلك المخاض لا بد أن يسفر عن تغيير جوهري، إذ يقول “ذلك الأمر سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى تغييرات بنيوية حاسمة في الثقافة العربية، لكن شرط أن نفهم أن الأمر قد يستغرق سنوات ليست قليلة، وربما عقودا، فالعرب الآن موجودون في عين حركية التاريخ بوصفه وجودا ينطوي على ممكنات واسعة للفعل إلى حد كبير.

أما بالنسبة إلى قراءته للمشهد السوري وانعكاساته، يختم ضيفنا “أنا بطبيعتي أؤمن بفكرة التفاؤل التاريخي، وأنظر إلى الأحداث الراهنة من منظور كلي، فالتغيير حدث مع أول مظاهرة خرجت وانتهى الأمر، والصراع الآن هو على شكل التغيير وحجمه وطبيعته، وعندما سيسكت صوت النار ستنفتح آفاق المعارك السياسية السلمية، وسيبدأ عصر جديد وجميل في سوريا”.

15