"ماساكتاش".. حملة لفضح حالات التحرش والاغتصاب بالمغرب

مبادرة تحث النساء والفتيات المغربيات على الجهر بمعاناتهن ومواجهة المجتمع.
الجمعة 2020/02/21
فضح المغتصِب يحرر الضحية

كان ولا يزال العنف ضد النساء من القضايا التي تشغل المجتمعات العربية ومن بينها المغرب، ورغم التشريعات المتتالية التي عملت على رفع الظلم ضد المرأة والمكانة التي أصبحت تتبوّأها في كافة الميادين، إلا أن ظاهرة العنف ضدها مستمرة بأدوات وطرق متعددة، بل امتدت لتصل إلى الشارع أيضا سواء على مستوى العنف اللفظي أو الجسدي.

أطلقت ناشطات مغربيات حملة “ماساكتاش” أي “لن أصمت” على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف دفع النساء والفتيات اللواتي كن ضحايا للتحرش أو الاعتداء الجنسي إلى الجهر بمعاناتهن، ومواجهة المجتمع.

وتضم صفحة “ماساكتاش” على تويتر العديد من الشهادات المؤلمة من نساء تعرضن للاغتصاب، إما من أقاربهن أو من قبل آخرين، وأثنى متابعون للصفحة على شجاعة النساء اللواتي شاركن بقصصهن.

وأشارت حملة “ماساكتاش” أنها لن تنشر الأسماء الكاملة للمعتدين، وستكتفي بنشر الأحرف الأولى منها، مشددة على أنه في “حال وجود ضحايا مغربيات تعرضن للاعتداء أو الاغتصاب من قبل نفس الشخص، ستعمل بعد موافقتهن على ربط الاتصال بينهن”.

وتعتبر الحركة أن الوقت حان من أجل الوقوف جميعا في وجه هذا السلوك المشين، الذي يهدد سلامة وأمن النساء المغربيات، عبر فضح المتحرشين بالشارع العام وعلى الملأ، مشددة على ضرورة إدانة سلوكيات المتحرشين الذين يمارسون هذه الجرائم دون عقاب نتيجة لثقافة الصمت السائدة، كما أنها ناشدت الرجال الذين كانوا شهودا على جرائم التحرش بعدم الصمت.

وحسب إحصائيات قدمها التقرير السنوي الأول الذي عرضه المرصد الوطني للعنف ضد المرأة يعد الشارع العام من الأماكن التي يمارس فيها العنف الجنسي ضد النساء بشكل كبير، حيث سجلت بها ما يقارب 66.4 في المئة من حالات العنف سنة 2014، فيما بلغت نسبة الاعتداءات الجنسية في بيت الزوجية 11.5 في المئة، في حين سجلت نسبة 5.9 في المئة من الاعتداءات الجنسية في أماكن العمل خلال نفس السنة.

حان الوقت من أجل الوقوف في وجه هذا السلوك المشين، الذي يهدد سلامة وأمن النساء المغربيات، عبر فضح المتحرشين

ووعدت الناشطات اللواتي أطلقن الحملة أنهن سيتكلمن مستقبلا عن التحرش في الشارع، والتحرّش في العمل، من أجل تذكير الناس بحقهم في الدفاع عن أنفسهم، وحقّهم في أن يقولوا لا، وعدم أحقية تهجُّم أي شخص عليهم في الشارع، أو أن يوجه لهم بعض الألفاظ التي تسيء إليهم، أو أن يجبرهم مُشغلهم، لكونهم ما زالوا متدربين، على مسائل شخصية.

وشدد أصحاب الحملة على ضرورة أن تحرّر شهادات النساء الناجيات من الاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية الضحايا، ولأن إثبات جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية ما زال صعبا جدا، سوف تفتح حملة “ماساكتاش ” الحساب الخاص بها لتلقّي جميع شهادات النساء الناجيات على الخاص ونشرها مع حفظ سرية هويتهن”.

ويرى جواد مبروكي، طبيب نفساني، في تصريح لـ”العرب”، أن الدعم النفسي يعد أمرا ضروريا لمساعدة ضحية التحرش أو الاغتصاب على التعبير عن شعورها جرّاء الاغتصاب ومساعدتها على عدم الشعور بالذنب والقبول بأنها قد وقعت ضحية عملية إجرامية وبالتالي مساعدتها على إعادة بناء شخصيتها ومنع تأثير التداعيات النفسية للاغتصاب عليها.

ورصدت “العرب” على موقع الحملة عددا من قصص الاعتداءات الجنسية على فتيات تراوحت أعمارهن بين 14 و25 سنة، روين ظروف اغتصابهن، حيث أن المغتصب يكون في بعض الحالات من نفس العائلة، وتعتقد الحملة أن “قصص العنف الجنسي تثير ردود فعل واسعة من الجمهور، وآراء حول ما عاشته الناجيات، وقد يكون من المؤلم الاطلاع على تعليقات بعض الأشخاص، خاصة أولئك الذين يقومون بإلقاء اللوم على الضحايا أو عدم تصديق الشهادات”.

ويرى مبروكي أن التزام الصمت في حالة الاغتصاب الجنسي، له عواقب وخيمة على الصحة النفسية للضحية، ويشجع كذلك المغتصِبين المجرمين على مواصلة إجرامهم وبالتالي ارتفاع عدد الضحايا.

سلامة المرأة أمر مصيري
سلامة المرأة أمر مصيري

ويشار إلى أن حركة “ماساكتاش” هي النسخة المغربية لحركة “ميتو” (Metoo) العالمية، التي رأت النور في سبتمبر 2018، عقب ما أصبح يعرف إعلاميا بـ”قضية خديجة”، الفتاة التي تعرضت للاغتصاب الجماعي من قبل مجموعة من الشباب، تتراوح أعمارهم بين 18 و28 سنة، بمنطقة ولاد عياد في إحدى نواحي مدينة الفقيه بن صالح، وقد عمدوا إلى تشويه جسدها بعدد كبير من الوشوم، يحمل بعضها أسماء بعض من المعتدين.

وقالت ناشطات مغربيات يقفن وراء حملة “ماساكتاش”، التي تروي قصص العنف الجنسي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إنّهن تلقين شهادات ذات حساسية كبيرة “تتطلب منّا أعظم الرّعاية للحفاظ على ثقة النساء اللواتي اخترن أن يثقن في مبادرتنا”، وأضفن “نود أن تكرس مواردنا المحدودة لجمع هذه الشهادات وتقاسمها مع الكل”.

وأشارت معطيات صادرة عن وزارة العدل والحريات إلى أن أشكال العنف الجنسي، كالتحرش اللفظي والجسدي وجرائم الاغتصاب، شكلت فقط 8.6 في المئة من مجموع قضايا العنف ضد المرأة.

ويقول مبروكي لـ”العرب”، “في ما يتعلق بالتوازن النفسي ونمو الشخصية فإن فعل الاغتصاب، في حد ذاته يدمر الضحية إلى الأبد إذا لم يتم الاعتناء بها نفسيا على الفور مع اللجوء إلى العدالة، ولسوء الحظ ليس فقدان غشاء البكارة فقط ما يشكل خطرا بالنسبة إلى الصحة النفسية والاجتماعية للضحية”.

ويرى بعض الناشطين في حقوق الإنسان أنه يتوجب على النساء والفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش أن يفضحن المتحرشين في نفس اللحظة بالصياح والمناداة على المارة وتوقيف المتحرش في مكان الاعتداء عينه واستدعاء الشرطة.

ويوصي خبراء في حقوق الإنسان والقانون، بتمكين رجال الشرطة من التدخل في حالات العنف ضد المرأة في الفضاءات العمومية وذلك عن طريق منحهم الصلاحيات اللازمة للتفتيش والتوقيف، وتمكين النساء من التعبير عن العوامل التي من شأنها أن تحسن حياتهن اليومية وأمنهن في الفضاء العمومي، إلى جانب اعتماد شهادة المشتكية كدليل كاف لتجريم العنف.

ويشكل القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 12 سبتمبر 2018، بعد 6 سنوات من التشاور والنقاش العمومي، نقلة نوعية في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، إلا أنه ينبغي تعزيزها بانخراط فعلي لمؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية، في إطار مقاربة استباقية ووقائية تروم تأهيل المجتمع المغربي للاعتراف بدور ومكانة المرأة في المجتمع.

ومن الأبعاد الأساسية لهذا القانون، تنصيصه لاعتبار العنف ضد المرأة بسبب جنسها، أحد أسباب التشديد في العقوبات على الجاني، كما أن مرتكزاته تقوم على أربعة أبعاد تخضع لمعايير دولية، وهي البعد الوقائي والحمائي والزجري والتكفلي وتعمل الدولة كل ما بوسعها لحماية النساء من كل اعتداء او تحرش، حيث حصّنَ الدستور المغربي المواطنين من جميع أنواع العنف الممارسة ضدهم، وقد عتبر الفصل 22 أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة، ولا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية. إن ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون”.

21