"ماسنجر كيدز".. فيسبوك يلعب بالنار

أعلنت شركة فيسبوك نسخة جديدة من تطبيق ماسنجر مخصصة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً، وأطلقت الشبكة الاجتماعية على تطبيقها الجديد اسم “ماسنجر كيدز”، هذا التطبيق بالطبع له مخاطره على الأطفال وليس بالضرورة بسبب المخاوف بشأن معايير السلامة على الإنترنت.
الثلاثاء 2017/12/19
هل هذا حقا ما نريد أن نربي عليه أطفالنا

لندن - لطمأنة الآباء بشأن إطلاق تطبيقها الجديد”ماسنجر كيدز”، صرحت إدارة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بأنه تم تطوير التطبيق الجديد بعد استشارة بعض الخبراء والآباء والأمهات لضمان سلامة وأمان الأطفال حال استخدامهم للتطبيق.

وقالت الكاتبة والصحافية نانسي جو سالز في تقرير حديث، إن شركة فيسبوك استخدمت هذه الحجة كمبرر لتطوير التطبيق بحسب ما نشرته على صفحتها الخاصة يوم إطلاق التطبيق، حيث زعمت الشركة أن تطوير تطبيق رسائل للأطفال الصغار يعطي للآباء إمكانية السيطرة والتحكم في الأمر. ولكن هل تاريخ فيسبوك يؤكد مصداقية هذه السيطرة؟

ففي الوقت الذي أطلق فيه فيسبوك تطبيق “ماسنجر كيدز” بحيث يمكن للوالدين التحكم والموافقة على أصدقاء أبنائهم الآخرين ومراقبة رسائلهم عن قرب، إلا أن هذا لا يعني أن الأبناء لن يجدوا طريقة للالتفاف حول هذه الضوابط كما هو الحال الآن مع منصة فيسبوك الأصلية التي تحوي عدداً لا يعد ولا يحصى من الأطفال ممن تبلغ أعمارهم أقل من 13 عاماً، ومع ذلك تحايلوا على التطبيق وسجلوا أعماراً أكبر وأنشؤوا حسابات خاصة بهم.

كما أن ذلك لا يعني أيضاً أن الآباء والأمهات، الذين لديهم بعض المخاوف الأخرى في الغالب، ممن يثقون في كل ما يخبره به أبناؤهم عن أصدقائهم على الإنترنت، سيلتزمون بالمراقبة بشكل دائم بحيث يراقبون كل رسالة وكل اتصال.

تساءلت سالز الكاتبة في فانيتي فير، وهي مجلة أميركية شهرية تهتم بالثقافة الشعبية والموضة والسياسة، ومؤلفة “الفتيات الأميركيات: وسائل التواصل الاجتماعي والحياة السرية للمراهقين”، هل سيقوم فيسبوك بدور المراقب إذا سارت الأمور على نحو خاطئ؟ وأجابت “لا أعتقد ذلك، ولا سيما أن تاريخ فيسبوك مليء بالأمثلة التي تكشف مدى تجاهل التلاعب الذي يتم على المنصة الرئيسية، بما في ذلك البلطجة الإلكترونية”. وأضافت بدلاً من الحد من هذه الأمور، يترك فيسبوك المجال للمستخدمين للإبلاغ عن هذه الإساءات، وهي الطريقة التي ما زالت تتعرض للانتقادات واسعة النطاق حتى وقتنا الحالي.

وكتب ساندي باراكيلاس، مدير العمليات السابق لفيسبوك، مقالاً بصحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر الماضي بعنوان “لا يمكننا أن نثق برقابة فيسبوك على نفسه”، نقل فيه مثالاً لم يستطع فيه فيسبوك اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أحد المطوّرين من جمع البيانات لإنشاء الكثير من حسابات لأطفال دون الحصول على موافقتهم.

الاتجاه المؤسف الذي يسمح للأطفال باستخدام الهواتف الذكية، هو ما دفع فيسبوك إلى إطلاق مثل هذا التطبيق

ولكن وعد فيسبوك بمحدودية جمع بيانات الأطفال على التطبيق الجديد. ولكن ما مدى حدود هذه المحدودية؟ فلا زالت الشركة تدين للآباء بشرح أكثر تفصيلاً عن طبيعة ونوع البيانات التي سيتم جمعها على هذا التطبيق، وكيف سيتم استخدامها.

كل ما توضحه الشركة الآن هو أن هذه البيانات لن يتم استخدامها في الإعلانات. حسنا، ولكن مازال السؤال قائماً؛ أي نوع من البيانات تريد “فيسبوك” جمعها لأطفال لا تتجاوز أعمارهم الست سنوات؟

وبالحديث عن مشكلة جمع البيانات، فهي تعتبر في النهاية مشكلة صغيرة نسبياً مقارنة بالمشكلة الأكبر وهي قضاء فترات طويلة أمام الشاشات. دعونا نفترض أن كل شيء يسير على ما يرام، كما يفترض فيسبوك، وأن الوالدين يسيطران على الأمر بشكل جيد ويفحصان كل رسالة واتصال يصدر عن أبنائهم الصغار على هذا التطبيق الجديد. ولكن وعلى الرغم من ذلك لا يحتاج الأبناء إلى هذا النوع من التطبيقات، لا يحتاجون إلى قضاء المزيد من الوقت أمام الشاشات.

لا يحتاج الأطفال في هذه الأعمار بأي شكل من الأشكال إلى الاشتراك في مواقع التواصل الاجتماعي وهم في مثل هذه السن الصغيرة. فالعديد من الخبراء في هذا المجال ينادون بتأخير إشراك الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يكبرون.

إذن فماذا يحتاج الأطفال حقا؟ إنهم بحاجة إلى اللعب. هم بحاجة إلى تعلم التواصل الاجتماعي وجها لوجه. وبينما يهدف فيسبوك من خلال هذا التطبيق إلى السماح للأطفال، المنفصلين عن والديهم وأجدادهم على مدار اليوم، بالتواصل معهم، ولكنّ هناك طرقا أخرى لتحقيق هذا التواصل، مثل الاتصال الهاتفي وكتابة الرسائل التي يُشرف على كتابتها الشخص المستضيف للطفل.

لكن الاتجاه المؤسف الذي يسمح باستخدام الأطفال للهواتف الذكية وهم أصغر سنا، هو ما دفع “فيسبوك” لإطلاق مثل هذا التطبيق الجديد. يقول أنتيجون ديفيس، مدير السياسة العامة في فيسبوك والرئيس الدولي للسلامة، في مدونة له للدفاع عن التطبيق الجديد “إن نسبة 93 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً في الولايات المتحدة يُسمح لهم باستخدام الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، بينما يمتلك نحو 66 بالمئة من هذه النسبة أجهزتهم الخاصة بهم”. ولكن انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال الأصغر سنا هو في حد ذاته مصدر قلق من الناحية الصحية، وليس سبباً على الإطلاق لابتكار تطبيقات جديدة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم المشكلة.

فمع إطلاق تطبيق “ماسنجر كيدز” يتضح أن فيسبوك يستهدف بوضوح سوق الأطفال الأصغر سناً، وهي خطوة يريد بها فيسبوك إشراك الأطفال في منصته الأصلية في سن أصغر. حيث عندما يبلغ الطفل 13 عاماً يتم دمج حسابه على “ماسنجر كيدز” تلقائياً بحسابه الجديد على المنصة الأصلية لفيسبوك، وهذه الخطة هي من أحد أهم المبادئ الأساسية التي تنص عليها سياسية التسويق الخاصة بالشركة.

وبمجرد استخدام الأطفال لتطبيق “ماسنجر كيدز” للتحدث مع بعضهم البعض، سيفقدون بذلك المزيد من المهارات اللغوية لصالح إرسال مقاطع فيديو وصور متحركة. وسيزداد معدل التواصل في ما بينهم عبر الشاشات، والتي، كما تخبرنا الدراسات، ستؤثر بشكل مباشر على سلوكهم الذي ربما سيصبح أكثر عدوانية ومفتقراً للأخلاق.

فهل هذا حقاً ما نريد أن نربي عليه أطفالنا؟

21