ماضي فرنسا وحاضر داعش

الاثنين 2015/11/23

أثار الهجوم الإرهابي على باريس موجة تضامن كبيرة مع فرنسا، حاول البعض خرقها بإثارة تساؤلات تتعلق بماضيها الاستعماري، وبمعاني التضامن معها، أكثر بكثير من غيرها، لا سيما مع وجود عمليتين إرهابيتيْن سبقتا ذلك الهجوم، إحداهما كانت في الضاحية الجنوبية لبيروت، والثانية استهدفت تفجير طائرة روسية فوق سيناء.

ولعل هذه المحاولة، غير الموفقة، أو المريبة، تفيد بأن التضامن مع فرنسا ينطوي على معان أخلاقية وسياسية أيضا، إذ أن الضحايا الفرنسيين ليسوا فقط ضحايا أبرياء، يتوجب التضامن الأخلاقي معهم، بغض النظر عن أي اعتبار، وإنما هم ضحايا ينتمون إلى دولة تساند مطالب السوريين، وتطالب برحيل بشار الأسد، فضلا عن اتخاذها مواقف إنسانية متقدمة بخصوص التسهيل على اللاجئين السوريين، (ضحايا الحرب)، سواء في أراضيها، أو على الصعيد الأوروبي.

هذا يبين أن أصحاب التساؤلات المذكورة، المحمولة بمشاعر الشماتة، إنما ينتمون إلى معسكر سياسي معين، وأن هؤلاء مع تحيّزهم السياسي تخلّوا، أيضا، عن المبدئية الأخلاقية في التعامل مع هذه الحادثة، وإن غلفوا ذلك بادعاءات أخرى، على سبيل المواربة والتلاعب؛ وربما يمكن القول إنه لا جديد في ذلك إذ أن هؤلاء لم يروا قبلا ما يفعله بشار الأسد بشعبه، ولا البراميل المتفجرة التي تقتل في السوريين وتشردهم وتدمر عمرانهم.

أما عن تلك التساؤلات فيمكن إجمالها في الآتي:

أولا، في غمرة موقفهم المعادي لفرنسا، اعتبر هؤلاء الهجومات الإرهابية على باريس بمثابة ردة فعل انتقامية منها، على تدخلها في الشأن السوري، متناسين أن من قام بهذا الهجوم هو تنظيم “داعش”، وكأنهم يرون في هذا التنظيم سلاحا بأيديهم، أو آلة تشتغل عندهم، أو كأنه قام بالعمل نيابة عنهم!

ثانيا، هذا البعض حاول التعاطي مع هذا الحدث من زاوية تاريخية، مستحضرا تاريخ فرنسا الاستعماري، كأن هجوم “داعش” جاء للثأر، وهي نظرة قاصرة، ومجحفة، ورغبوية، لا تراعي التطورات التاريخية، ولا تعترف بأن كل مجتمع هو نتاج ظروفه وثقافته المعينتين.

ومعلوم أنه من العسف تحميل مجتمع ما مسؤولية تاريخية، أو مسؤولية ما قامت به الأجيال السابقة، فالتاريخ يدرّس، ويمكن أن نستنتج منه العبر، لكنه لا يورث، لا بسلبياته ولا بإيجابياته، فهو ليس مجرد أشياء لأن الأشياء مكانها المتاحف وتدخل في علم الآثار. والقصد أن هذا مجرد تبرير أيديولوجي آخر، وهو تفسير قاصر وينم عن ظلم لهم ولنا.

ومثلا فإذا جاز تطبيق هذه المنهجية، نظريا، فإننا سنعتبر ورثة داحس والغبراء، وغزوات القبائل ويزيد والحجاج وأبي العباس السفاح وغيرهم، وسنظل نعيش على ثارات الهاشميين والأمويين والعباسيين والحسن والحسين.

ثالثا، حاول بعض هؤلاء تغطية موقفهم باعتبار أنه لا وجود لفائض حزن لديهم، لأن معاناتهم الخاصة تكفيهم، وبدعوى أن العالم (ومنه فرنسا) لم يحزن لهم، ولم يقم بما عليه للتخفيف عنهم. وعليه فقد تناسى هؤلاء أن الحزن لن يقدم ولن يؤخر، لا بالنسبة إلى ضحايا الضاحية البيروتية، ولا لضحايا الطائرة الروسية، ولا لضحايا العملية الباريسية، وأن مواجهة عمليات الإرهاب، أينما كانت، تتطلب اتخاذ موقف أخلاقي من أجلنا نحن، من أجل قيمنا، ومن أجل الإنسان فينا.

والقصد أن التعاطف مع الضحايا ونصرة الحقيقة والعدالة والخير لا يحتاجان إلى مقايضة أصلا، وإنما هما تعبير عن الذات وعن النبل الأخلاقي. مع ذلك فهذا لا ينبغي أن ينسينا حقيقة أن فرنسا وألمانيا والسويد والدنمارك والنرويج فعلت الكثير من أجل التخفيف من معاناة اللاجئين السوريين، وفتحت بلدانها لهم، بغض النظر عن الدين والقومية، سيما أن مجتمعات هذه البلدان لم تقصر في التعاطف مع مختلف القضايا العربية، ومن ضمنها القضية الفلسطينية.

رابعا، في ما يخص السؤال عن أسباب تضامن مجتمعات ودول الغرب مع بعضها، أكثر من تضامنها مع قضايا الشعوب الأخرى، فهذا تفسيره يكمن في قوة المجتمعات المدنية عندهم، وقدرتها على التأثير على حكوماتهم، التي تشتغل وفق النظام الديمقراطي، في حين أن المجتمع المدني في بلداننا ضعيف ومهمش، وقدرته في التأثير ضعيفة في نظم لا تتماشى مع الديمقراطية، وتحظر الحريات السياسية.

فوق ذلك يجدر بنا أن ننتبه إلى أننا لا نتضامن أصلا مع أنفسنا، فما مدى تضامن، أو ما ترجمة التضامن، مع السوريين في كل المآسي التي اختبروها في السنوات الماضية، أو مع العراقيين في محنتهم المستمرة منذ ربع قرن، أو مع الفلسطينيين، أو مع اللبنانيين، إذا استثنينا بعض المظاهرات والمهرجانات؟ حتى في سوريا تجد أحياء محاصرة مثلا، في هذه المدينة أو تلك، في حين أن الأحياء الأخرى تعيش كأن ما يجري في جوارها هو في قارة أخرى.

في الغضون لا ننسى أن المجتمعات الأوروبية عبرت أكثر من مرة عن تضامنها مع قضايانا من قضية فلسطين إلى قضية اللاجئين السوريين بأكثر من أي مجتمعات أو أنظمة عربية أخرى. طبعا هذا كله مع ملاحظتنا أن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، وإنما حسب مصالحها ومصلحة مجتمعاتها، وأن الدول الديمقراطية حتى لو تبنّت بعض القيم الأخلاقية في سياساتها، إلا أن هذا التبني يبقى نسبيا، ويتقاطع مع مصالحها ومع رؤيتها إلى مكانتها العالمية.

المهم في هذا النقاش الذي أثاره البعض، بدلا من التضامن مع فرنسا، أنه استحضر السياسة، وضمنه ماضي فرنسا في بلادنا، لكنه نسي حاضر تنظيم «داعش”، وواجب التضامن الأخلاقي غير المشروط مع الضحايا.

كاتب سياسي فلسطيني

9