مافيات التبغ في تونس تكبد الدولة نحو مليار دينار سنويا

يدحض تواصل ارتفاع سعر علبة السجائر المحلية في الأسواق التونسية جميع تأكيدات الحكومة أنها تسعى إلى تكثيف المراقبة الاقتصادية على تجار السجائر الذين يحققون أرباحا. ويقول خبراء إن أرباح التجار تتجاوز أرباح الدولة في العلبة الواحدة، ففي حين تبلغ تسعيرة علبة السجائر المحلية (مارس خفيف مثلا) 2.850، يقتنيها التونسي بـ5 دنانير في أغلب الأحيان أي بفارق 2.150 عن سعرها الحقيقي.
الجمعة 2017/10/20
السيجارة حاضرة دائما

تونس - يشكو المستهلك التونسي من ارتفاع أسعار علب السجائر المحلية عند الاقتناء منذ أكثر من سنة، مما يكشف عجز السلطات عن إيجاد حلول لمعضلة ارتفاع الأسعار رغم وفرة المنتج.

ويرى مراقبون أن تنظيم مسالك التوزيع والتكثيف من الحملات الرقابية على باعة السجائر إضافة إلى توفير المنتج بما يتماشى مع الطلب، من شأنه أن يؤدي إلى تعديل الأسعار في السوق.

ويؤكد خبراء أن الاحتكار والمضاربة من أهم أسباب ارتفاع أسعار التبغ، مشيرين إلى أن تداخل العديد من الأطراف في عملية إنتاج التبغ وتسويقه أدى إلى عدم تحديد المسؤوليات وبالتالي عدم الوقوف على الأسباب الحقيقية لتواصل ارتفاع الأسعار.

وأكدت إحصائيات رسمية أن خسائر الدولة جراء المضاربة في قطاع التبغ تناهز المليار دينار (480 مليون دولار) سنويا، والمنتفعون هم “أباطرة التبغ” و”البعض من مديري القباضات المالية” الذين تحوم حولهم شبهات فساد.

وتنتج تونس سنويا نصف مليار علبة سجائر محلية وتتولى وكالة التبغ والوقيد الحكومية عملية الإنتاج. ويوفر القطاع للدولة 6 بالمئة من عائداتها الضريبية.

وأظهرت إحصائيات رسمية متعلقة بمتوسط الإنفاق الفردي حسب الموارد أن التونسي يخصص أكثر مصاريفه للإنفاق على السجائر، إذ يقدر معدل إنفاقه على التدخين أكثر من 70 دينارا (حوالي 32 دولارا) شهريا فيما يخصص 35 دينارا للترفيه.

ونفت مصادر من وكالة التبغ والوقيد مسؤولية الوكالة عن ارتفاع أسعار السجائر المحلية نتيجة النقص في الإنتاج، مؤكدة أن الخلل يكمن في مسالك التوزيع التي تشرف عليها وزارة التجارة.

وأكدت أن منتج وكالة التبغ والوقيد يغطي حاجيات السوق المحلية، مشيرة إلى أن ضعف التحكم في مسالك التوزيع يقف وراء ظاهرة “احتكار بارونات التبغ” للمنتج المحلي وبالتالي تحكمهم في أسعار البيع بالتفصيل.

وأشار مصدر من الوكالة لـ”العرب” إلى أن “التونسيين يستهلكون نحو 500 مليون علبة سجائر سنويا من الصنف المصنوع بتونس”.

وتابع المتحدث “بارونات السجائر في تونس يستولون على رخص التبغ المسندة إلى المواطنين ذوي الاحتياجات الخصوصية عن طريق التأجير بمقابل مادي زهيد لا يتجاوز 70 دينارا (32 دولارا) شهريا للرخصة الواحدة”.

عبدالله القمودي: ارتفاع أسعار السجائر المحلية سببه ضعف الرقابة على التوزيع

وأضاف “يسمح القانون التونسي لأصحاب رخص التبغ بإسناد توكيلات إلى غيرهم لإنابتهم في أخذ الحصص المخصصة لهم من التبغ وهنا تبدأ عملية الاحتكار”.

وأكد المتحدث “ضرورة إيقاف التعامل بالتوكيلات في مراكز التوزيع كخطوة أولى من أجل منع عمليات الاحتكار، ومن ثم مراجعة الرخص الممنوحة وسحبها في صورة مخالفة أصحابها للقوانين”.

ومن بين القوانين المنظمة لمهنة بيع السجائر أن يكون لصاحب الرخصة محل تجاري مفتوح ومحدد بعنوان، وهو شرط لا يتوفر في أكثر من نصف أصحاب الرخص بحسب تأكيدات محدثنا.

وقال عبدالله القمودي، رئيس الجامعة العامة للتخطيط والمالية (تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل)، إن لوبيات الاحتكار وعصابات التوزيع تعمل على إبقاء الخلل داخل السوق والحيلولة دون تحقيق معادلة العرض والطلب في ما يخص السجائر على الرغم من وفرة المنتج. وأكد القمودي أن لوبيات الاحتكار تقوم بشراء كل كميات السجائر من أمام مراكز التوزيع (القباضات المالية) بهامش ربح هام مباشرة بعد تسلمها من قبل التجار، إذ يحدد القانون التونسي هامش ربحهم بـ6 بالمئة فقط. وأوضح القمودي أن لوبيات السجائر تقوم لاحقا بالتحكم في تزويد السوق وتحديد السعر الذي تريد لعلبة السجائر.

وحمل القمودي مسؤولية ارتفاع أسعار علب التبغ المحلي إلى الأجهزة الرقابية التابعة لوزارة التجارة، ووصفها بـ”الضعيفة وغير المفعلة”. ودعا إلى مراجعة القوانين المنظمة للقطاع بهدف التخلي عن إسناد رخص بيع التبغ وتعويضها باعتماد كراسات شروط لبيع هذه المادة.

وبحسب تقرير للمنظمة العالمية للصحة، تتصدر تونس الدول العربية في عدد المدخنين. ويقدر عدد المدخنين في تونس بحوالي 3.5 مليون مدخن، 10 بالمئة منهم من النساء.

وقال حسام التواتي، المسؤول بإدارة الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة، إن الوزارة تراقب مسالك توزيع التبغ وتصدر عقوبات مالية وإدارية ضد من يرتكبون تجاوزات وفقا للقوانين المعمول بها.

وأفاد التواتي لـ”العرب” بأن “المصالح الاقتصادية للوزارة قد تمكنت خلال سنة 2017 من تحرير 1633 مخالفة وحجز 200 ألف علبة تبغ محلية الصنع كانت مخزنة في مستودعات محتكرين”. وأضاف “تم تحرير 1437 مخالفة نتيجة زيادة أسعار البيع و196 مخالفة بسبب الاحتكار والامتناع عن البيع إلى غاية سبتمبر 2017”.

وبين التواتي أن “وزارة التجارة قامت بسحب 57 رخصة نتيجة زيادة أسعار البيع سنة 2017، وهي تدرس سحب 178 رخصة أخرى نتيجة التلاعب بالمادة والاحتكار”.

5