مافيا الاحتكار في مصر تفرض سلطتها على سوق السجائر

مافيات السجائر تربك خطط الحكومة للنهوض بالقطاع، فهي تحكم سيطرتها على السوق متحدية كل الإجراءات القانونية المتبعة في هذه التجارة.
الثلاثاء 2020/06/09
التحكم في مزاج "الغلابة"

تصاعد تذمر شريحة المدخنين في مصر خلال الفترة الأخيرة نتيجة نقص كميات السجائر المعروضة في السوق على غير العادة وهو ما تسبب في ارتفاع سعرها بشكل لم يعد مقبولا، رغم تأكيد الشركة المحلية الوحيدة في هذه الصناعة بأنها تقوم بالتزويد كالمعتاد، في الوقت الذي حمّل فيه مسؤولون هذه الاضطرابات إلى لوبيات تعمل في الخفاء لإرباك هذه التجارة.

القاهرة - فوجئت أوساط المدخنين في مصر بنقص حاد في السجائر محلية الصنع جراء استغلال التجار لأزمة كورونا لتخزين كميات كبيرة والرفع في أسعارها، ما دفع السلطات إلى التدخل، كما جرت العادة في هكذا أزمات، من أجل مكافحة مافيات السجائر المتحكمة في السوق.

وشهدت الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة نقصا ملحوظا في المعروض، فيما أكد المنتج المحلي الوحيد للسجائر، الشركة الشرقية للدخان الحكومية، أنه لا مشاكل في الإنتاج وعزا الأزمة إلى ازدياد الطلب على منتجاته.

ولطالما أربكت مافيات السجائر خطط الحكومة للنهوض بالقطاع، إذ تؤكد العديد من الشواهد أنها تحكم سيطرتها على السوق متحدية كل الإجراءات القانونية المتبعة في هذه التجارة.

وفاقم الرفع العشوائي لأسعار السجائر مؤخرا الشكوك حول ازدهار نشاط لوبيات السجائر المسيطرة على السوق، وهو ما أكدته تصريحات المستهلكين والمتداخلين في القطاع.

إبراهيم إمبابي: التجار أخفوا كميات ظنّا أن الحكومة سترفع أسعارها
إبراهيم إمبابي: التجار أخفوا كميات ظنّا أن الحكومة سترفع أسعارها

ونقلت وكالة رويترز عن مدخنين حاورتهم في 13 محافظة بمصر قولهم إن النقص يتركز في الأصناف الشعبية الرخيصة التي يقبل عليها المصريون بدرجة أكبر.

وعادة ما يلقي المسؤولون المصريون بأزمات العرض والطلب إلى جشع التجار خاصة وأن هذه المشكلات تظهر بين الفينة والأخرى في خضم مشاكل أخرى متداخلة.

وعزا إبراهيم إمبابي، رئيس شعبة الدخان بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، النقص إلى جشع التجار قائلا “غالبية التجار قاموا بتخزين السجائر اعتقادا أن الحكومة سترفع أسعارها في يوليو القادم”.

ويبلغ السعر الرسمي لأشهر صنفين من السجائر المحلية، كليوباترا بوكس وكليوباترا سوبر، بين 17 و18 جنيها للعلبة (1.11 دولار)، والفرق بين المنتجين يكمن فقط في نوع التغليف.

ويؤكد رمضان الدمراني، وهو حارس أحد عقارات مدينة الإسكندرية، أنه يتنقل من بائع لآخر بحثا عن السجائر وفي النهاية يشتري علبة بسعر 22 جنيها (1.36 دولار) رغم أن سعرها من قبل كان 18.5 جنيه (1.14 دولار) للعلبة.

وقال مسؤول في مديرية التموين بالإسكندرية، طالبا عدم نشر اسمه، لرويترز “تلقينا عددا من الشكاوى خلال الأيام الماضية بارتفاع الأسعار المحلية وبفحص الشكاوى وجدنا أن عددا من الموزعين قاموا برفع الأسعار وحررنا محاضر لهم بذلك”.

أما في الإسماعيلية شرق القاهرة، فقال مسؤول بمديرية التموين، طالبا عدم نشر اسمه، إن “كميات السجائر المحلية بالمحافظة انخفضت بين 30 و40 في المئة نتيجة توقف بعض خطوط الإنتاج بسبب الوباء، إلى جانب جشع بعض التجار وهو ما واجهناه بتحرير محاضر لهم”.

وتطبق السلطات المصرية إجراءات احترازية منذ مارس الماضي، لاحتواء تفشي فايروس كورونا المستجد شملت حظر تجول ليلي وغلقا مبكرا للعديد من المتاجر.

ويقول خالد عامر، موزع سجائر بمحافظة كفر الشيخ في شمال البلاد، إن سيارات الشركة الشرقية للدخان لم تطرح عقب إجازة العيد سوى كميات قليلة، متعللين بتقليل فترات العمل في مصانع الشركة وقلة الإنتاج بسبب كورونا خاصة في الفترة الأخيرة.

ولكن مرسي أبوعامر مسؤول الإعلام في الشرقية للدخان، التي تحتكر إنتاج السجائر في مصر، قال إنه “لا توجد أي مشاكل إنتاج بالشركة والمواد الخام متوفرة”.

4.5 مليار دولار قيمة استهلاك المصريين للسجائر ومشتقاتها العام الماضي وفق التقديرات

وتبلغ حصة الشرقية للدخان من السوق المحلية نحو 70 في المئة، مقابل نحو 30 في المئة للشركات الأجنبية، التي عادة ما تكون أسعار منتجاتها أغلى بكثير رغم الميزات التنافسية. وأضاف “الطلب متزايد على منتجات الشركة وهو ما تم ملاحظته خلال الفترة السابقة، نقوم بتوريد المنتجات في كافة الأسواق يوميا لسد احتياجات المستهلكين”.

ولكن يمكن ملاحظة النقص في منافذ التوزيع بشتى محافظات مصر، وعند توافر السجائر فإن أسعارها تتروح بين 1.36 و1.54 دولار مقارنة مع السعر الرسمي البالغ 1.11 دولار.

ونسبت رويترز لمسؤول أمني في كفر الشيخ طالب عدم نشر اسمه قوله “لقد قمنا بحملات على الأسواق بعد أن علمنا برفع أسعار السجائر المحلية وتم تحرير 25 محضرا ومصادرة 18 ألف سيجارة على الأقل”.

وفي المنيا بصعيد مصر، قال المزارع فوزي إبراهيم (52 عاما) إن اختفاء السجائر المحلية أجبره على الامتناع عن التدخين بعد أن فشل في ذلك خلال السنوات الماضية، خاصة وأن دخله المحدود لا يساعده على شراء سجائر مستوردة.

ويقول سالم خالد، بائع سجائر بكفر الشيخ، إن المعروض من السجائر انخفض بشدة في السوق “وبصراحة أنا لا أبيع إلا لزبوني فقط”. وتشير تقديرات رئيس شعبة الدخان باتحاد الصناعات إلى أن المصريين يستهلكون نحو 85 مليار سيجارة سنويا.

Thumbnail

في المقابل، تظهر بيانات مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية أن المصريين استهلكوا العام الماضي، حوالي 83 مليار سيجارة بتكلفة وصلت إلى نحو 4.5 مليار دولار. وإلى جانب السجائر، تنتج الشرقية للدخان تبغ الغليون والسيجار والمعسل، ما يجعلها الأكبر إنتاجا أمام بقية الشركات الأجنبية.

وقال أبوعامر المتحدث باسم الشرقية للدخان عند سؤاله عن بيع السجائر المحلية بأسعار أعلى من الأسعار المحلية، إن “الشركة ملتزمة بتوريد منتجاتها طبقا لآخر الأسعار الصادرة والمحددة بالقانون الأخير الصادر من وزارة المالية”.

وأضاف “لدينا رؤية وإستراتيجية على المدى الطويل لمواجهة مثل هذه الأزمات، لدينا مخزون من المواد الخام وأهمها التبغ يكفي ما يقرب من عام كمخزون استراتيجي لإتمام عمليات التصنيع”.

وتعاني الأسواق في مصر عموما من مشاكل مزمنة من جراء ضعف الانضباط والرقابة، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدية السلطات في مكافحة المحتكرين.

وتساءل سعد ربيع وهو عامل لحام في كفر الشيخ “علبة السجائر التي يبلغ سعرها 17 جنيها، اليوم التجار يبيعونها بسعر 25 جنيها (1.54 دولار)”. ودعا المحافظ والرقابة التموينية إلى إنقاذ المستهلكين من جشع التجار.

وتعد مصر من الدول المصدرة لمواد صنع السجائر والنرجيلة حيث من أهم أسواقها العربية التي تستورد المعسل المصري ليبيا التي تستحوذ على 24 في المئة من الصادرات، ثم الكويت بنحو 17 في المئة والسعودية حوالي 10 في المئة واليمن 7 في المئة والسودان بنحو 5 في المئة والإمارات بنحو 3 في المئة، وحوالي 2 في المئة تذهب إلى العراق.

وتصل قيمة الضرائب التي تفرضها الحكومة المصرية على قطاع التدخين نحو 5 مليارات دولار، بخلاف المقاهي التي يصل عددها إلى نحو مليوني مقهى، ونسبة كبيرة منها غير مرخص لها.

10