مافيا المياه وغياب الإصلاحات يهددان الأردن بصيف حرج

تغافل الحكومات المتعاقبة عن السرقات المتعددة يفاقم أزمة المياه.
الجمعة 2021/05/07
الفقر المائي أزمة أردنية متفاقمة

يعاني الأردن من أزمة مياه مزمنة، وهذه الأزمة مرشحة للتفاقم أكثر خصوصا مع تراجع معدل سقوط الأمطار، الأمر الذي بات يقض مضجع الأردنيين، وسط تساؤلات حول مصير مشاريع سبق أن جرى التسويق لها ولم تجد طريقها بعد إلى التنفيذ.

عمان – يواجه الأردن أزمة مائية متفاقمة مع اقتراب فصل الصيف، وسط مخاوف الأردنيين من تقلص الحصص المتاحة لهم من المياه، في وقت لا يبدو أن لدى الحكومة خططا عملية لمواجهة هذا التحدي.

يعد الأردن ثاني أفقر دولة على مستوى العالم من المياه، حيث أن حصة الفرد ما دون 100 متر مكعب في السنة، أي أقل بـ88 في المئة من خط الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب من المياه للفرد في السنة.

ويعود العجز المائي في الأردن إلى عوامل متداخلة، بينها شح المصادر والتغير المناخي والزيادة السكانية. ويقول خبراء أردنيون إن من الأسباب التي عمقت الأزمة هي السياسات الحكومية المتعاقبة، فضلا عن تفشي الفساد في هذا القطاع والذي يقوده متنفذون داخل الدولة.

وتقدر الإحصائيات بأن أكثر من 60 في المئة من المياه في الأردن تهدر بسبب السرقة. ومؤخرا ضجت المملكة بفضائح فساد شكلت إحراجا كبيرا لمنظومة الحكم.

وكان وزير المياه والري محمد النجار أول من أثار هذه القضية، حينما كشف في فيديو عن سرقة 5 أشخاص ما مجموعه 10 ملايين متر مكعب من المياه، ليطل لاحقا ويصدر توضيحا بأن الفيديو قديم وتمت ملاحقة المتورطين في القضية، بيد أن ذلك لم ينه الجدل الذي أثاره، حيث توالت سلسلة الفضائح والكشوفات عن متورطين في سرقة مياه، بمساعدة من مسؤولين ومن ضمنهم أحد الوزراء.

وتحركت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد مؤخرا، حيث أحالت عددا من عطاءات المياه على النيابة العامة، ومن بين العطاءات التي تمت إحالتها عطاء لحفر 7 آبار مياه بما يقارب 15 مليون دينار، رغم أن الخبراء قدّموا توصيات بأن مياه هذه الآبار شديدة الملوحة، وتحتوي على أشعة ألفا وبيتا وعنصر الراديوم، وبالتالي هي ليست صالحة للشرب.

ويرى خبراء أن الحكومات المتعاقبة ساهمت بشكل كبير في تفاقم أزمة المياه، من خلال إغفالها للسرقات المتعددة والمستمرة حتى اليوم، فضلا عن تهاونها في وضع خطط لاحتواء الأزمة، من بينها عدم التحرك وبناء أو توسيع سدود جديدة لاستغلال مياه الأمطار، فضلا عن تعثر مشروع تحلية مياه البحر الأحمر، وهو من ضمن عدة مشاريع معطلة لسنوات.

وقال الخبير الأردني في مجال المياه سفيان التل إن الحلول متوفرة لتخفيف حدة أزمة شح المياه، بيد أن غياب الإرادة في الإصلاح حال دونها.

وأضاف التل أنه "حسب أرقام وزارة المياه فإن معدل سقوط الأمطار على الأراضي الأردنية بعيد المدى، والذي يعود إلى أكثر من 50 عاما، هو 8 مليارات متر مكعب سنويا، وهو معدل وسطي"، مشيرا إلى أن "كل سدودنا (عددها 14 سدا رئيسيا) لا تجمع سوى ملايين محدودة من تلك المياه، ولو استفدنا من مليار مكعب فقط من مياه الأمطار، فإننا سنكفي حاجتنا كاملة من مياه الشرب والزراعة".

ولفت الخبير الأردني إلى أن "عدم استغلال تلك المياه يحولها إلى سيول مدمرة، وهو ما شهدناه منذ ستينات القرن الماضي عبر أكبر سبعة فيضانات، ابتداء من معان والعقبة والبتراء، وصولا إلى آخرها في منطقة زرقاء ماعين (قرب البحر الميت) عام 2018، عندما فقدنا العشرات من الأطفال الأبرياء".

وقال "يفترض بنا إنشاء المئات من السدود الصغيرة والحواجز المائية في مجاري هذه السيول لتجميع مياه الأمطار، حيث يتم تخزينها بعد ذلك في المياه الجوفية، وتشكل أيضا واحات خضراء يمكننا تربية المواشي فيها، ليتوقف استيراد اللحوم بالطائرات".

وفي توضيحه بشأن عدم تطبيق السلطات في بلاده تلك الحلول رغم طرحها عليها، يرى التل أن "الوضع السياسي لا يسمح بتطبيق ذلك، لأن الأردن التزم في اتفاقية وادي عربة بتخزين فائض المياه لإسرائيل". واستشهد بحصة إسرائيل من سد الوحدة (يقع على الحدود بين الأردن وسوريا قبل أن تحتل إسرائيل نقطة التقائه بنهر الأردن)، والبالغة 25 مليون متر مكعب، بموجب اتفاقية السلام، مشيرا إلى أنه لا يجمع سوى 10 ملايين فقط.

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية في أبريل الماضي عن موافقة حكومة تل أبيب على طلب أردني بالحصول على إمدادات إضافية من المياه، بموجب اتفاقية موقعة بين البلدين بهذا الشأن عام 2010، انبثقت عن اتفاقية "وادي عربة" للسلام الموقعة بين البلدين في عام 1994.

وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" آنذاك إن الإمدادات الإضافية المطلوبة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية "وادي عربة"، دون توضيح قدر هذه الزيادة، إلا أن وزير المياه والري الأردني كشف في مقابلة أجراها مؤخرا مع تلفزيون "المملكة" (رسمي) أنه "بحسب المنصوص عليه في اتفاقية السلام فإن مجموع ما نشتريه (من إسرائيل) يصل حده الأقصى 10 ملايين متر مكعب في السنوات السابقة، والعام الحالي طلبنا 8 ملايين متر مكعب إضافية، وسيعطوننا 3 ملايين، وسينظرون في إمكانية تزويدنا بالكمية الثانية".

وبموجب اتفاقية السلام، تزود إسرائيل الأردن بما يصل إلى 55 مليون متر مكعب سنويا من مياه بحيرة طبريا، يتم نقلها عبر قناة الملك عبدلله إلى عمان، مقابل سنت واحد (الدولار = 100 سنت) لكل متر مكعب.

وفي عام 2010، اتفق البلدان على إضافة 10 ملايين متر مكعب مقابل 40 سنتا لكل متر، وهو السعر المقرر أيضا للإمدادات الإضافية التي وافقت إسرائيل عليها مؤخرا.

ولا يبدو أن زيادة إسرائيل ضخ تلك الكميات الإضافية قادرة على سد العجز المائي في الأردن، فضلا عن عدم ضمان وصولها إلى المملكة، في ظل المماحكات السياسية، وسط مخاوف الأردنيين المتزايدة من "صيف حرج".

ويتساءل العديد من الأردنيين عن المشاريع "الاستراتيجية" التي جرى الإعلان عنها منذ سنوات ولم تر النور إلى حد الآن، ومن بينها مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه، والذي قيل إنه سيوفر 150 مليون متر مكعب في مرحلته الأولى، و150 مليونا خلال المرحلة الثانية، ليصبح الإجمالي 300 مليون.

وتتوزع مصادر المياه في الأردن بين المصادر التقليدية مثل المياه السطحية والجوفية، إضافة إلى المصادر غير التقليدية، مثل معالجة مياه الصرف الصحي كمصدر متجدد ومتزايد، وتحلية المياه المالحة في عدد من المناطق.

وقال عمر سلامة المتحدث باسم وزارة المياه الأردنية إن "الوزارة تسعى بشكل جاد للشروع في تنفيذ مشروعها الاستراتيجي الهام، وهو مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة بطاقة 300 مليون متر مكعب، ونقلها إلى محافظات المملكة كافة".

وتابع سلامة أن "مشكلة المياه في الأردن ليست بجديدة وتتفاقم عاما بعد عام، لكن استخدامها ارتفع بشكل ملحوظ نتيجة الصراعات في الدول المحيطة وتوافد أعداد كبيرة إلى المملكة، خاصة في المناطق التي تشهد تواجدا كبيرا للاجئين السوريين وتحديدا في المناطق الشمالية للمملكة، مما رفع الطلب إلى مستويات قياسية".

وأوضح أن "سوء الاستخدام وغير المشروع في بعض الأحيان أدى إلى زيادة في هذا العبء، والعجز الكلي لكافة الاحتياجات يزيد عن 450 مليون متر مكعب سنويا"، لافتا إلى أن "التغير المناخي خلال الأعوام الماضية أثر بشكل كبير على الأردن، كما تعاني مصادر المياه الجوفية في الأردن من الاستنزاف المستمر".

ونوه سلامة بأن "الأردن يسعى إلى مواجهة تلك التحديات عبر تطوير مصادر المياه غير التقليدية، مثل إعادة استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة في الري والزراعة والصناعة ضمن أعلى المواصفات.. مع العمل على تطوير مصادر بديلة أخرى تتمثل في خفض فاقد المياه الذي سجل 45 في المئة".