ماكدونالدز تقلص ارتباطها بالولايات المتحدة ردا على قرارات ترامب

منذ انتخابه يثير ترامب تساؤلات عديدة حول ملامح النظام العالمي الذي قادته أميركا لسنوات، وإلى أي مدى يمكن أن تتأثر العولمة بقراراته وسياساته التي بدا واضحا أنها لا تلاقي تأييدا من كبرى شركات وادي السليكون والعلامات التجارية التي صنعت الهيمنة الأميركية الناعمة وأدخلتها إلى كل بلدان العالم الذي أصبح يقف عند نقطة فاصلة.
السبت 2017/02/04
التهام الحلم الأميركي

موسكو - قال فاديم أشيمان (22 عاما) لمراسل رويترز، وهو يتناول طعامه في أحد فروع ماكدونالدز، قرب الكرملين، في رده على تساءل حول مستقبل سلسلة ماكدونالدز في روسيا في عهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، “ما العلاقة؟ هذا طعام. والطعام لا يمكن أن تحمّله مسؤولية الخلافات السياسية”.

في الظاهر تبدو إجابة أشيمان واقعية ومعقولة، فما علاقة ماكدونالدز وكنتاكي وستاربكس وبيبسي وكوكاكولا بالمهاجرين والعولمة وصعود الشعبوية وانتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية! لكن الإمبراطورية الأميركية الراهنة لم “تحتل” العالم بقوة السلاح بل بماكدونالدز وستاربكس وبيبسي وكوكاكولا، وغيرها من الشركات العالمية التي أسسها مهاجرون وهي اليوم رمز الثقافة والهيمنة الأميركيتين، ورمز العولمة في جوانبها الثقافية والتجارية التي لا تنفصل عن الأبعاد السياسية.

من خلال هذه القوة الناعمة، تسللت الثقافة الأميركية إلى أكبر المعاقل المعادية لها، حيث يمكن أن تجد ماكدونالدز في أماكن لا تتوقعها، بالقرب من سجن غوانتانامو بكوبا وتحت متحف الشيوعية في براغ، وأشهر شوارع الصين، فيما أعلنت غيران بمجرد توقيع الاتفاق النووي عن التفكير في إعادة فتح مطاعم ماكدونالدز التي أقفلت إبان ثورة الخميني.

وفي أندونيسيا تنتشر محلات كنتاكي وستاربكس وماكدونالدز وغيرها من المحلات والعلامات التجارية الأميركية المنتشرة في كل مكان كما هو الحال في السعودية والإمارات ومصر ودول عربية وعالمية كثيرة. وفي ذروة الأزمة الروسية الأميركية لم تقفل سلسلة ماكدونالدز أبوابها بل كان الإقبال مكثفا على مكان صاحب العلامة الأميركية في قلب موسكو منذ أن فتح أول مطعم في العاصمة السوفيتية السابقة عام 1990.

لذلك يبدو خمزت خسبولاتوف، مدير سلسلة مطاعم ماكدونالدز في روسيا، وكأنه يتحدث عن نصر عسكري، وهو يقول لمراسل رويترز، في رده على نفس السؤال الذي طرحه على فاديم أشيمان، “نقولها دائما: نحن شركة روسية… لا أعتقد أن هناك شركة تستطيع أن تقول عن نفسها إنها روسية أكثر منا“.

وأضاف خسبولاتوف أن كل موردي مطاعم ماكدونالدز تقريبا روس وكل المدراء التنفيذيين روس. كما أن شعار ماكدونالدز المعروف خارج كل المطاعم في روسيا مكتوب بالأبجدية الروسية. أما بالنسبة إلى الأقواس الذهبية فقال “إنها أقواس روسية، تبرق أينما كانت“.

وللشركة الروسية أسبابها لتقليص ارتباطها بالولايات المتحدة؛ فبعد أن فرضت واشنطن عقوبات على روسيا بسبب دورها في أوكرانيا في 2014 أغلقت إدارة الصحة العامة الروسية لفترة وجيزة العشرات من مطاعم ماكدونالدز بما في ذلك المطعم الأصلي في ميدان بوشكين متعللة بمخاوف صحية.

وسلسلة ماكدونالدز الروسية وحدة مملوكة بالكامل للمؤسسة الكبرى ومقرها أوك بروك بولاية إيلينوي الأميركية ولها 609 مطاعم في جميع أنحاء روسيا وتعتزم إضافة 50 مطعما آخر على الأقل في 2017 بعد التوسع خلال العام الماضي في منطقتي الأورال وسيبيريا النائيتين.

ولا تكشف ماكدونالدز أرباح وحدتها في روسيا لكنها أدرجتها ضمن أسواق النمو المرتفع في تقريرها السنوي لعام 2015 بإمكانيات توسع هائلة. وفرعها في ميدان بوشكين واحد من أكثر فروعها ازدحاما في العالم. وفي ذروة الأزمة مع الولايات المتحدة دعا بعض الساسة الروس إلى إغلاق سلسلة المطاعم بالكامل، فيما أقر خسبولاتوف بأن الارتباط بالولايات المتحدة أمر حساس.

ماكدونالدز وثقافة العولمة

في عام 2002 قامت بوليفيا بإغلاق محلات سلسلة ماكدونالدز وذلك بعد احتجاجات عديدة من أبناء الدولة الرافضين لمثل تلك المطاعم التي يرون أنها تقضي على خصوصية ثقافتهم. من هنا لم يكن قرار الغلق قرارا عاديا، بل هو جزء من السياسة المعادية للعولمة ولكل ما تلقي به بلاد العم سام. وأغلقت سلسلة ماكدونالدز في عهد الرئيس إيفو مورالس الذي قال عن نفسه آنذاك ”أنا كابوس الولايات المتحدة”، في تأكيد لمناهضته الشديدة للسياسات الليبرالية والعولمة الرأسمالية.

ماكدونالدز روسيا تتنكر لاصولها الأميركية

واليوم، يعود الجدل حول مظاهر النفوذ الأميركي في العالم على خلفية القرارات الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب، والتي رأى معارضوه أنها تهدد القوة الناعمة الأميركية ودورها في دعم السياسة الأميركية، وهو دور يلخصه بامتياز الكاتب والروائي المصري صنع الله إبراهيم في روايته “اللجنة”، حين قال في وصف الكوكا كولا “هذه الزجاجة البريئة المظهر (…) تعلب دورا حاسما في اختيار طريقة حياتنا، وميول أذواقنا، ورؤساء بلادنا وملوكها، بل والحروب التي نشترك فيها، والمعاهدات التي نوقّعها”؛ إذ لا توجد دولة في العالم، باستثناء كوبا وكوريا الشمالية، ليس فيها مصنع الكوكا كولا، فمنذ بدء تسويق المشروب خارج أتلانتا في عام 1900، لم يتوقّف المشروب عن الانتشار محققا أرباحا اقتصادية تفوق ميزانيات بعض الدول. وفي ظل التطورات الحاصلة على الساحة الأميركية تجد كوكا كولا نفسها اليوم، إلى جانب العلامات التجارية الأميركية الأخرى، أمام خيارين؛ إما تساير الرئيس الأميركي، على غرار ما حدث في السابق، وتفقد بذلك الكثير من قوتها المعولمة، وإما تقف في المعسكر المقابل، لتتفادى دعوات المقاطعة التي جاءت ردا على قرارات مثل الجدار الحدودي مع المكسيك والقرارات بشأن الهجرة.

ويبدو أن أغلب الشركات الأميركية اختارت الحل الثاني، حيث دشنت شركة كورونا المكسيكية العملاقة لإنتاج الجعة حملة إعلانية بشعار “كلنا أميركا” تحث على الاحتفاء بالتنوع في هذا النصف من الكرة الأرضية، فيما أعلنت ستارباكس أنها ستوظف عشرة آلاف لاجئ في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة ردا على مرسوم الرئيس الأميركي المثير للجدل حول الهجرة.

وكتب رئيس مجلس إدارة ستارباكس هاورد شولتز في رسالة إلكترونية “نعيش في فترة غير مسبوقة، في لحظة يبدو فيها (…) الوعد بالحلم الأميركي موضع تشكيك”. وسجل أحدث موقف ضد سياسات ترامب المدير التنفيذي لشركة أوبر ترافيس كالانيك الذي قدم يوم الجمعة الماضي استقالته من خطة مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب استجابة لضغوطات من داخل الشركة وبوادر حملة مقاطعة، ردا على الحظر على دخول المسافرين من دول شرق أوسطية.

وأوبر مثلها مثل بقية أقطاب التكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية عبرت مبكرا عن رفضها لقرار الحظر واتخذت إجراءات لدعم المتضررين من القرار. وأعلنت الشركة عن إنشاء صندوق مالي بقيمة 3 ملايين دولار لمساعدة المتضررين من هذا الحظر، ومنهم سائقون يعملون لديها.

وكان أقطاب التكنولوجيا في الولايات المتحدة قد توصلوا بعد اجتماع تشاوري إلى إقرار دعم موحد لدعوى قضائية تطعن في الأمر الذي أصدره ترامب. وتقدمت شركتا أمازون وإكسبيديا بوثائق قضائية تدعم طعنا قانونيا في الأمر التنفيذي قدمه المدعي العام بولاية واشنطن.

6