ماكرون: بقاء الأسد في السلطة خطأ فادح

روسيا تراهن على دعم تركيا وإيران لإنهاء الأزمة السورية بعيدا عن الغرب، وتصعيد غربي مضبوط على إيقاع التحضيرات لضرب إدلب.
الثلاثاء 2018/08/28
من يحتوي من

تستشعر القوى الغربية وفي مقدمتها واشنطن وباريس وجود نية روسية لاحتكار التسوية في سوريا بالتعاون مع إيران وتركيا، ويدفع هذا الوضع إلى تصعيد مضبوط من قبل الغرب يأخذ بعين الاعتبار عدم تجاوز خط اللاعودة.

دمشق – اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإثنين، أن عودة الوضع إلى طبيعته في سوريا مع بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة سيكونان خطأ فادحا، في تصريح بدا مناقضا لما قاله سابقا من أن لا فيتو لبلاده على استمرار الأخير في سدة الحكم.

ويرى مراقبون أن تصريح ماكرون يأتي في سياق الضغط على دمشق وموسكو على وجه الخصوص في ظل محاولة روسيا استغلال الأزمة الأميركية التركية لاستقطاب الأخيرة إلى محورها وفرض تسوية سياسية للأزمة السورية تقصي القوى الغربية، وتعيد الوضع إلى ما قبل 2011، مع امتيازات لكل من طهران وأنقرة.

وقال ماكرون في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين “نرى بوضوح الأطراف الذين يودون بعد انتهاء الحرب على داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، الدفع في اتجاه عودة الوضع إلى طبيعته: بشار الأسد يبقى في السلطة واللاجئون (…) يعودون وبعض الأطراف الآخرون يتولون إعادة الإعمار”.

وأضاف “إن كنت أعتبر منذ اليوم الأول أن عدونا الأول هو داعش ولم أجعل يوما من عزل (الرئيس السوري) بشار الأسد شرطا مسبقا لعملنا الدبلوماسي أو الإنساني في سوريا، فإنني في المقابل أعتقد أن مثل هذا السيناريو سيكون خطأ فادحا”.

وتابع “من الذي تسبب في (ظهور) الآلاف من اللاجئين هؤلاء؟ من الذي ارتكب مجازر بحق شعبه؟ لا يعود لفرنسا ولا لأي دولة أخرى أن تعيّن قادة سوريا في المستقبل، لكن من واجبنا ومن مصلحتنا أن نتثبت من أن الشعب السوري سيكون فعلا في وضع يسمح له بذلك”.

ويقول متابعون إن موقف ماكرون يعكس استمرار التباعد في المواقف بين موسكو والغرب مع استشعار وجود توجه روسي لاحتكار الحل في سوريا بالتعاون مع إيران وتركيا، حيث بات هذا الثلاثي أقرب إلى حلف في سوريا.

وينتظر أن يعقد الثلاثي لقاء قمة على المستوى الرئاسي في إيران في 7 سبتمبر المقبل سيركز على الشأن السوري والتسوية السياسية في هذا البلد، وينظر الغرب بريبة إلى هذه القمة التي قد تعلن عن ميلاد اتفاق بشأن إدلب التي تعتبر أحد آخر فصول الصراع السوري.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في الفترة الأخيرة عن عدم وجود تنسيق مع روسيا بشأن ما يحضر له في محافظة إدلب التي تسيطر جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) على 60 بالمئة منها، فيما يتوزع الباقي على فصائل إسلامية تدين بالولاء لتركيا، وحذرت واشنطن من مغبة استخدام السلاح الكيمياوي في المحافظة التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة.

ونجحت روسيا منذ تدخلها المباشر في الأزمة السورية عام 2015 في قلب المعادلة على الميدان بعد أن كانت تصب في صالح المعارضة السورية. وتمكن نظام الأسد بفضل الدعم الروسي من استرجاع السيطرة على أكثر من نصف مساحة البلاد، وكان آخر هذه الانتصارات استعادة السيطرة على جنوب غربي دمشق، وقبلها تأمين محيط العاصمة دمشق.

واليوم تتوجه أنظار النظام وحليفتيه روسيا وإيران إلى آخر معاقل المعارضة في إدلب الحدودية مع تركيا، ويخشى نجاح موسكو في اقتلاع اتفاق مع تركيا اللاعب الأساسي في هذه المحافظة، مستغلة في ذلك توتر العلاقات التركية الأميركية.

وقد أبدت تركيا في الأيام الأخيرة تحفظات على شن عمل عسكري واسع في إدلب بيد أنها في الآن ذاته أظهرت انفتاحا على شن عمليات عسكرية جراحية تستهدف فقط جبهة فتح الشام التي سبق أن قدمت لها الدعم.

وحذر ماكرون من أن “الوضع اليوم مقلق لأن النظام يهدد بالتسبب في أزمة إنسانية جديدة في منطقة إدلب ولا يبدي حتى الآن أي رغبة في التفاوض بشأن أي عملية انتقال سياسي”.

وأضاف “هذا يفترض تشديد الضغط أكثر على النظام وحلفائه وأترقب الكثير بهذا الصدد من روسيا وتركيا على ضوء دورهما والتزاماتهما”.

موقف ماكرون يعكس استمرار التباعد في المواقف بين موسكو والغرب مع استشعار وجود توجه روسي لاحتكار الحل في سوريا
موقف ماكرون يعكس استمرار التباعد في المواقف بين موسكو والغرب مع استشعار وجود توجه روسي لاحتكار الحل في سوريا

وكانت فرنسا قد أبدت في الفترة الماضية مرونة أكثر في التعاطي مع روسيا بشأن الوضع في سوريا ترجمت بإرسال مساعدات إنسانية هي الأولى لمناطق سيطرة النظام.

وحاولت روسيا تعزيز هذا التغير الإيجابي بالنسبة لها في إقناع باريس والعواصم الغربية بالتعاون أكثر معها لجهة تطبيع الوضع هناك، عبر دعم عودة الملايين من اللاجئين، ولكن ما حال دون استمرار هذه الإيجابية هو الخلاف حول الوجود الإيراني في سوريا.

وقد طرحت موسكو خطة على الولايات المتحدة تقوم على عدم السير في خيار الحظر النفطي على إيران الذي سيدخل حيز التنفيذ الشهر القادم مقابل خروج طهران من سوريا بيد أن هذا العرض قوبل بالرفض.

وتعتبر روسيا أن الخيار الأقل كلفة ربما هو الاستمرار في التعاون مع طهران في سوريا والسعي لتحقيق توافق مع تركيا لإنهاء الأزمة وفرض الأمر الواقع على الدول الغربية.

وقال ماكرون “إننا أمام ساعة الحقيقة” في سوريا حيث “نقبل -حسب اعتقادي- على الأشهر الأخيرة من النزاع” المستمر منذ مارس 2011. وسيشرف على هذه المرحلة الجديدة في سوريا من جانب فرنسا الممثل الشخصي الجديد للرئيس في سوريا فرنسوا سينيمو الذي غادر للتو منصبه سفيرا في إيران.

وكان أعلن عن تعيين هذا المسؤول السابق في الاستخبارات الخارجية الفرنسية البالغ من العمر 61 عاما في يونيو،

ومن الجانب الأميركي تم تعيين سفير أنقرة السابق جيمس جيفري كممثل سوريا الخاص للولايات المتحدة في هذا الشهر.

ويتوقع أن تصعد كل من فرنسا والولايات المتحدة من ضغوطهما على روسيا ونظام الرئيس بشار الأسد في الفترة المقبلة، وسط استبعاد محللين أن يذهب الأمر إلى حد القيام بعمليات عسكرية هناك.

2