ماكرون بونابرت يساعد لبنان أم يستعيد الهيبة الفرنسية

اليأس من الطبقة السياسية يدفع اللبنانيين إلى الترحيب بماكرون والحنين لعصر الانتداب.
الاثنين 2020/08/10
بونابرت الجديد وسط دمار بيروت

مع النتائج التي يفترض أنها قد توصل إليها مؤتمر المانحين الذي عقد عبر دائرة افتراضية لمساعدة لبنان في محنته بعد انفجار بيروت المدمر، تصاعدت الأسئلة بشأن الطموح الفرنسي في مستعمرة قديمة، وعن الأهداف التي يدفع باتجاهها الرئيس إيمانويل ماكرون، وعمّا إذا كان يمثل صورة معاصرة من نابليون بونابرت.

 باريس – تصاعدت التساؤلات بشأن طموح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أن تلعب بلاده دورا جديدا في الشرق الأوسط من بوابة لبنان، ومع رئاسته أمس وتنظيمه مؤتمر المانحين، أعيدت الأسئلة الجديدة القديمة عن الدور الفرنسي في العالم العربي سواء في الجزائر أو لبنان، لكن الإجابات ما زالت غير واضحة، وما إذا كان ثمة تنافس غربي جديد على أرض دول العالم العربي المكشوفة سياسيا وعسكريا أمام التدخل الأجنبي، سواء من بوابة القواعد العسكرية أو التدخل المباشر أو الاتفاقيات الاقتصادية والدعم المباشر.

وتفتح مواقف الرئيس الفرنسي الأخيرة تجاه انفجار بيروت سلسلة من القراءات عن الدور المنتظر لباريس، بعد التراجع الأميركي في المنطقة مع عهد الرئيس دونالد ترامب، وبراغماتية الدور الروسي وحصره في بلدان محدودة مثل سوريا وليبيا.

وقد يبدو الزمن العربي فرنسيا هذه المرة بعد أن كان أميركيا بامتياز، بمجرد تتبع الجولة التي قام بها ماكرون في بيروت المنكوبة وتعاطف اللبنانيين معه ومعاملته بطريقة توحي بأنه يحمل الحل لمأساتهم، رافضين الطبقة السياسية الحاكمة برمتها.

ولا يبدو الموقف الفرنسي المندفع حيال لبنان، أنه لم يأخذ بنظر الاعتبار الاتفاق مع الولايات المتحدة، لذلك اعتبرت باريس مشاركة الرئيس دونالد ترامب شخصيا في المؤتمر الافتراضي نجاحا لدبلوماسيتها. وحصل اتصال هاتفي بين ماكرون وترامب تركز حول المؤتمر.

حسين عبدالحسين: يلوم لبنان الجميع، ولا يرغب في التخلص من عدوه في الداخل
حسين عبدالحسين: يلوم لبنان الجميع، ولا يرغب في التخلص من عدوه في الداخل

وذكرت مصادر إعلامية نقلا عن الإليزيه أن الرئيس الفرنسي أبلغ نظيره الأميركي بأن سياسات الضغط الأميركية يمكن أن يكون المستفيد منها حزب الله، وبالتالي لا يتعين ترك لبنان لمصيره.

ونفى الإليزيه المعلومات التي أشيعت في بيروت حول لقاء جانبي حصل بين ماكرون ومحمد رعد، رئيس مجموعة حزب الله في البرلمان اللبناني، مضيفة أن لهجة ماكرون إزاءه كانت متشددة.

وكانت “العرب” قد انفردت بنقل ما دار في لقاء الرئيس الفرنسي مع قادة الكتل والأحزاب اللبنانية خلال زيارته الاسبوع الماضي.

وكشفت مصادر سياسية لبنانية لـ”العرب” أنّ ماكرون أكد لكل المسؤولين الذين التقاهم أن الكارثة التي حلت ببيروت يوم الرابع من أغسطس الجاري، ليست سوى نموذج مصغّر لما يمكن أن يحل بلبنان كلّه في حال لم يعد النظر في تموضعه.

وشدّد في هذا المجال، في حضور ممثّل لحزب الله، هو النائب محمّد رعد، على أنّ هناك قلقا أوروبيا من أنّ إسرائيل يمكن أن تستغل الأشهر القليلة الباقية لإدارة دونالد ترامب كي تشنّ حربا شاملة على لبنان للتخلّص من مصانع صواريخ بالغة الدقّة لحزب الله.

وحرص على التحذير من أن الولايات المتّحدة تميل، في ظلّ الإدارة الحالية، إلى توفير الغطاء لأيّ حرب إسرائيلية في لبنان.

وبدا كلام ماكرون إشارة واضحة إلى أن لبنان لا يستطيع أن يبقى دولة قابلة للحياة في ظلّ الطبقة الحاكمة الحالية والصيغة السياسية المعتمدة وفي ظلّ الهيمنة الإيرانية، عبر حزب الله، على القرار السياسي فيه.

وهذا ما يصفه الكاتب اللبناني حسين عبدالحسين، الزميل السابق لدى معهد تشاتام هاوس في لندن. بأن المأساة في لبنان تكمن في أن البلاد لا تستطيع التغيير. لأن حزب الله بميليشياته القوية لن يسمح بذلك.

وكتب حسين في مقال بموقع سنديكيشن بيورو للرأي “حتى يخرج لبنان من هذا المستنقع، يتعين عليهم معرفة أن حزب الله هو سبب البلاء الذي يشهده لبنان، ومن ثمّ يتعين عليهم الضغط على الطبقة السياسية عن طريق رفض حزب الله. غير أن ذلك لم يحدث حتى الآن. حتى الآن، يلوم لبنان الجميع، ولا يرغب في التخلص من عدوه في الداخل”.

لن نتخلى عن لبنان

جاك لانغ: نريد مساعدة الشعب اللبناني دون أن نعطي انطباعا بإنشاء مستعمرة
جاك لانغ: نريد مساعدة الشعب اللبناني دون أن نعطي انطباعا بإنشاء مستعمرة

بدا تقرير وكالة أشيوتيد برس أكثر تطرفا في قراءة زيارة ماكرون إلى بيروت، واعتبرت أنه أشبه بنابليون بونابرت، يدور في طرقات بيروت.

وبدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متناسيا لحقيقة استقلال لبنان من الانتداب الفرنسي. فخلال زيارته لبيروت التي شهدت انفجارا هائلا هذا الأسبوع، لاقى الزعيم الفرنسي الحشود التي لم تتجاوز هول الحادثة التي دمّرت مرفأ بيروت، ووعد بالمساعدة في إعادة بناء المدينة. وتحدّث مشيرا إلى أن فرنسا لن تتخلى أبدا عن لبنان وأنه “عندما يُضرب قلب لبنان يُضرب قلب فرنسا”.

وندد منتقدو مبادراته حيث اعتبروها “غزوة استعمارية جديدة” أطلقها زعيم أوروبي يسعى لاستعادة السيطرة على أرض مضطربة في الشرق الأوسط وصرف الانتباه عن المشاكل المتزايدة داخل بلاده. وأطلقت عليه إحدى التعليقات المتداولة على الإنترنت اسم ماكرون بونابرت، نابليون القرن الحادي والعشرين.

لكن المدافعين عن ماكرون، بمن فيهم سكان بيروت اليائسون الذين وصفوه بأنه “أملهم الوحيد”، أشادوا بزيارته للأحياء المدمرة التي يخشى القادة اللبنانيون أن يدخلوها، وبإلقائه اللوم على السياسيين اللبنانيين لفسادهم وسوء إدارتهم اللذان تسببا في انفجار يوم الثلاثاء الذي أودى بحياة المئات.

وقال جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي والوزير السابق في الحكومة الفرنسية “نحن نسير على حافة الهاوية، علينا مساعدة الشعب اللبناني ودعمه وتشجيعه، دون أن نعطي انطباعا بأننا نريد إنشاء مستعمرة جديدة، فهذا سيكون غبيا تماما. يجب أن نجد حلولا ذكية لمساعدة اللبنانيين”.

وتعود علاقات فرنسا مع لبنان إلى القرن السادس عشر على الأقل، عندما تفاوضت مملكة فرنسا مع الحكام العثمانيين لحماية المسيحيين وتأمين النفوذ في المنطقة. وبحلول الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان (الاستعمار الفرنسي 1920-1946)، كان لبنان يحتضن شبكة من المدارس الفرنسية التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا. وكان هذا إلى جانب علاقات فرنسا مع أصحاب السلطة في لبنان، بما في ذلك المتهمين بتأجيج أزمته السياسية والاقتصادية.

عودة الاحتلال

استعراض للنفوذ الفرنسي
استعراض للنفوذ الفرنسي

وخلال الأسبوع الحالي، ظهرت عريضة مفاجئة على الإنترنت تطالب بعودة الاحتلال الفرنسي للبنان بالتزامن مع زيارة ماكرون، مشيرة إلى أن قادة لبنان أظهروا “عجزا تاما عن تأمين البلاد وإدارتها”.

واعتبر البعض هذه الحملة سخيفة، وأخبر ماكرون نفسه سكان بيروت يوم الأربعاء بأنهم المسؤولون عن كتابة تاريخهم. لكن 60 ألف شخص وقعوا عليها، بمن فيهم أفراد من الشتات اللبناني في فرنسا البالغ عددهم 250 ألفا.

وشدد البعض على أنها تبقى طريقة للتعبير عن يأسهم وعدم ثقتهم في النخبة السياسية التي تدير شؤون بلادهم اليوم.

ومع حاجة مؤسساتهم إلى الدعم الدولي، اعتبر الكثيرون في لبنان زيارة ماكرون وسيلة لتأمين المساعدة المالية لبلد مثقل بالديون. فقد نجح الزعيم الفرنسي في جمع الطبقة السياسية المنقسمة، ولو مؤقتا. وفي مشهد نادر، ظهر قادة الفصائل السياسية اللبنانية الذين لا يزال بعضهم أعداء منذ الحرب الأهلية (1975-1990) معا في قصر الصنوبر، وهو مقر السفارة الفرنسية في بيروت.

سامر فرنجية: ماكرون وبخ السياسيين اللبنانيين على فشلهم وكأنهم تلاميذ مدرسة
سامر فرنجية: ماكرون وبخ السياسيين اللبنانيين على فشلهم وكأنهم تلاميذ مدرسة

لكن الكثيرين رأوا الزيارة متعالية. وانتقد البعض العريضة ومن احتفلوا بقدوم “فرنسا، الأم الحنون”.

وقال الكاتب سامر فرنجية إن ماكرون جمع السياسيين وكأنهم “تلاميذ مدرسة”، عندما وبخهم على فشلهم في أداء واجباتهم.

وكانت هناك انتقادات وضربات أخرى ضد استعراض النفوذ الفرنسي. فبينما كان ماكرون يتجول في الأحياء التي مزقها الانفجار، قرر حمد حسن وزير الصحة في الحكومة المدعومة من حزب الله تنظيم جولة في المستشفيات الميدانية التي تبرعت بها إيران وروسيا، اللاعبان الرئيسيان في المنطقة.

وقالت ليا وهي طالبة هندسة في بيروت، لم ترغب في البوح باسمها الكامل خوفا من تداعيات ذلك “أتفهّم الأشخاص الذين يريدون الانتداب الفرنسي. فهم يائسون”. لكنها ضد الفكرة وضد من يرون ماكرون “منقذ لبنان”.

وشددت على أن هذا يخاطر بمفاقمة الانقسامات في لبنان، حيث يحتضن المسيحيون الموارنة وبعض المسلمين ماكرون بينما يميل الآخرون نحو أطراف أخرى.

وأضافت “هو لم يحلّ مشاكله مع بلده وشعبه. فكيف سيساعدنا؟”.

وفي باريس، حذّر خصوم ماكرون السياسيون المحليون الذين تمتد انتماءاتهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين الزعيم الوسطي من النزعة الاستعمارية الجديدة وافتكاك تنازلات سياسية من لبنان مقابل المساعدة.

وقال رئيس حزب الخضر، جوليان بايو، في تغريدة نشرها على حسابه الرسمي إن “التضامن مع لبنان يجب أن يكون غير مشروط”.

وكان ماكرون نفسه رافضا لفكرة إحياء الانتداب الفرنسي. وأكّد بأنه لن يعوّض قادة لبنان، فـ”لا يوجد حل فرنسي”.

لكنه أشار إلى أنه يخطط للعودة إلى لبنان للتحقق من تنفيذ الإصلاحات الموعودة في الأول من سبتمبر، وهو تاريخ بارز حيث شهد العالم في نفس اليوم سنة 1920 إعلان الجنرال هنري غورو دولة لبنان الكبير بعد إعادة ترسيم الحدود بين البلاد التي كانت خاضعة للحكم العثماني معلنا بيروت عاصمة لها.

7