ماكرون يحاول كسر شوكة النقابات على طريقة مارغريت تاتشر

العمال يحذرون الحكومة من عواقب التعنت و خبراء يؤكدون أن الإصلاحات ستدفع فرنسا إلى الازدهار.
الأربعاء 2018/04/04
معركة كسر عظام

باريس – يخوض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مغامرة غير محسوبة العواقب من أجل تمرير إصلاحات هيكلية في القطاع العام، اصطدمت برفض النقابات العمالية ذات البأس الشديد، في سيناريو أشبه بالحرب التي خاضتها رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر في حربها ضد النقابات والتي تمكنت في نهاية المطاف من كسر شوكتها.

وتهدف الإصلاحات التي يعتزم الرئيس الفرنسي إقرارها إلى “تليين” نظام الموظفين عبر السماح باللجوء بشكل أكبر إلى المتعاقدين مع خطة جماعية للرحيل الطوعي الذي كان محظورا في هذا القطاع.

وصعّد اتحاد نقابات العمال الفرنسي من تحركاته الاحتجاجية الثلاثاء، بالدخول في إضراب عام طويل الأمد بدأ الثلاثاء، بوتيرة يومين كل خمسة أيام حتى نهاية يونيو القادم، في أكبر تحدّ يواجهه الرئيس الفرنسي منذ وصوله إلى السلطة في مايو العام الماضي.

وحذر لوران بيرجيه، مدير الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل “من التغيرات الجذرية المقررة على عجل ومن دون أي حوار حقيقي”، مشيرا إلى أن “أسلوب ماكرون يختصر بأنتم تتناقشون وأنا أتخذ القرار”.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الإصلاحات التي يعتزم الرئيس الفرنسي المضي فيها ضرورية، مؤكدين أنها ستدفع البلاد نحو المزيد من الازدهار والرفاه المجتمعي، فيما ترفض المعارضة والنقابات العمالية هذه الإصلاحات التي “تمس من السلم الاجتماعي في البلاد”.

 

دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تحد كبير قد يعصف بمستقبله السياسي بإعلانه المضي قدما في إصلاح القطاع العام متحديا بذلك النقابات العمالية، التي نجحت طوال العشرين سنة الماضية في إفشال مخططات المس من القطاع الحكومي التي أقدم عليها أكثر من رئيس، في بلد معروف برفضه للتغييرات

وقالت سيسيل كورنوديه، كاتبة المقالات في صحيفة “لي زيكو” الاقتصادية “ستكون المرحلة صعبة لكن في النهاية عندما سيحين وقت الانتخابات ستكون النتائج حاضرة”.وأضافت كورنوديه أن “ألمانيا أصبحت اليوم في الطليعة بعد أن شهدت أوضاعا صعبة في مطلع الألفية، وهذا بفضل الإصلاحات التي أجراها الاشتراكي الديمقراطي غيرهارد شرودر”.

ويعتبر المحلل السياسي فيليب برو أن لدى الرئيس الفرنسي “بعدا تكتيكيا يسمح له بتحقيق نجاحات، فهو بفتح ورشات جديدة باستمرار يسكت الاحتجاجات على الجبهة الأولى ويكون قد فتح جبهة ثانية”.

وقال برو إن فرنسا جاهزة للتغيير “لأن المناخ كان مناسبا وحصلت محاولات إصلاح عديدة منذ عشرين عاما باءت جميعها بالفشل”، مشيرا إلى أن أسلوب ماكرون هو المضي بوتيرة سريعة على كافة الجبهات.

وأضاف أن ماكرون “لأنه يعرف كيف يتخذ القرارات فهو يتمتع بفرص كبيرة في إنجاح الإصلاحات الجديدة”، مشيرا إلى أن سلفه الاشتراكي فرنسوا هولاند “عرف كيف يفتح الورشات اللازمة لكنه كان يلتزم بما تقرر مع الشركاء الاشتراكيين الذين كانت لديهم مصلحة في إبقاء الأمور على ما هي عليه”.

وقالت المؤرخة إيزابيل كلافيل إنه “من الصعب تحليل شخصية إيمانويل ماكرون”، مشيرة إلى أنه “شخص غامض سياسيا”، وأن “فقدان البوصلة” يصب في مصلحته خصوصا وأنه “يتبنى موقفا يوصف بالوسطي وإن لم يقر بذلك”.

وأكدت المؤرخة أن الرئيس ماكرون “البارع في التواصل ينتقي عباراته، فالإصلاح يعني التحديث وهذا الخطاب الذي يتحدث عن التحديث يؤثر كثيرا على قسم من الناخبين”، فيما خاض ماكرون حملته الانتخابية مؤكدا أنه “ليس من اليسار ولا من اليمين وليس وسطيا و”هدفه هو إلغاء هذه التصنيفات لتجسيد الحداثة”.

وتحتج نقابات الشركة الوطنية للسكك الحديدية (أس أن سي أف)، الشركة العامة المشرفة على القطارات في فرنسا، على إلغاء الوضع الخاص لعمال القطاع، وكيفيات فتح القطاع على المنافسة وتحويل الشركة إلى شركة مساهمة، ما يمهد بنظرهم لعملية خصخصة، رغم نفي الحكومة. وقالت وزيرة النقل الفرنسية إليزابيث بورن “لا يستطيع أحد أن يفهم عندما أعلنت إجراء مفاوضات تستغرق شهرين والتي قطعنا فيها نصف المدة، كيف لا تستطيع النقابات العمالية تحقيق تقدم في هذه المفاوضات”.

إليزابيث بورن: نستغرب عدم تحقيق  أي تقدم بشأن المفاوضات رغم أننا قضينا نصف المدة
إليزابيث بورن: نستغرب عدم تحقيق  أي تقدم بشأن المفاوضات رغم أننا قضينا نصف المدة

ويصر الرئيس الفرنسي على المضي قدما في الإصلاحات رغم قوة النقابات العمالية في تحد أشبه بالصراع الذي خاضته رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر التي تمكنت من كسر شوكة النقابات العمالية في بلدها، ما سمح لبريطانيا بإحراز ازدهار اقتصادي. واتجهت تاتشر نحو عدة مسارات قانونية ومهنية في حربها ضد النقابات، منها التقليل من سطوة الاحتكارات الكبيرة وإضعاف اتحادات العمال عن طريق سن القوانين الضرورية وتكثيف برامج التدريب والتأهيل وتقديم المساعدات الضرورية لتشجيع العمال على التشغيل الذاتي.

وكانت مقتنعة بأن زعماء النقابات ينفذون أجندة شخصية خاصة عن طريق دغدغة عواطف العمال ومطالبهم الإنسانية المشروعة وكانت تصف الاتحادات بـ”أعداء الداخل”. ونجحت تاتشر في إصدار قانون ينتزع حق إعلان الإضراب والاعتصام من زعماء النقابات إلى العمال أنفسهم شريطة موافقة 85 في المئة منهم على الإضراب أو الاعتصام ومنع النقابات من تعويض العمال إذا لم يكن الإضراب حائزا على النسبة القانونية المطلوبة.

وإضافة إلى ذلك أصبحت نقابات العمال ملزمة قانونا بدفع غرامات باهظة إذا ما دعت إلى إضرابات أو اعتصامات غير قانونية كتعويض عن الأضرار الكبيرة التي تلحق بالمصالح العليا للدولة، ما أدى إلى نشوء أزمة كبيرة بين العمال الذين يساهمون بجزء من رواتبهم لدعم ميزانية اتحاداتهم وبين قياداتها.

ومن جهة أخرى بدأت تاتشر باتباع سياسات تستهدف تعويض العمال المنتجين والملتزمين من خلال قوانين تربط العلاوات طرديا مع أداء الشركات وإنتاجية الموظفين، أكثر من اعتمادها على الأجور الثابتة.

وساهمت تلك الخطوة في عدم اكتراث العمال لدعوات الإضراب والاعتصام، وفي قيام أعداد متزايدة من الشركات والمصانع بتجاهل تهديدات النقابات، الأمر الذي دفع النقابات إلى عقلنة مطالبها المتعلقة بالزيادات العشوائية أو تقليل ساعات العمل أو الاحتجاج عندما يتم التخلص من العمال غير المنتجين والطلب من العمال التركيز على زيادة الإنتاجية كوسيلة لزيادة أجورهم الحقيقية.

5