ماكرون يريد تغيير عقيدة الغرب الدفاعية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدعو إلى بناء أوروبا قوية ومستقلة قادرة على تولي دفاعها والتغلب على أزماتها وفي طليعتها الهجرة.
الثلاثاء 2018/08/28
الرئيس الفرنسي يدعو أوروبا إلى مراجعة شاملة لأمنها

باريس – وسط تصاعد الحركات القومية ومع تراجع الالتزام الأميركي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بناء أوروبا قوية ومستقلة قادرة على تولي دفاعها والتغلب على أزماتها وفي طليعتها الهجرة، لتطرح نفسها في العالم على قدم المساواة مع واشنطن وبكين.

وأعلن الرئيس الفرنسي أنه سيقدم اقتراحات جديدة للاتحاد الأوروبي بهدف تعزيز الأمن في القارة والتوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة حصرا في هذا الشأن، في تصور طموح يرى مراقبون أنه يسعى إلى التقليل من خطورة التهديد الشرقي الذي يأتي حصرا من روسيا إلى خلق عقيدة أمنية تقوم على مقاومة التطرف والنزعات القومية، لكن هل سيستطيع الرئيس الفرنسي إقناع شركائه الأوروبيين وحتى الأميركيين؟

قال ماكرون، في خطاب أمام سفراء فرنسا لإعادة إطلاق برنامج عمله الدبلوماسي، إنه “لم يعد بإمكان أوروبا الاعتماد على الولايات المتحدة حصرا في أمنها. ضمان أمن أوروبا مسؤوليتنا”.

وأضاف الرئيس الفرنسي أمام 250 دبلوماسيا ونائبا وخبيرا في العلاقات الدولية أنه سيكشف عن مقترحاته “خلال الأشهر المقبلة” قائلا “أريد أن نطلق مراجعة شاملة لأمننا، تتضمن روسيا، مع جميع الشركاء الأوروبيين”.

ويضع ماكرون أوروبا في صلب عمله الدبلوماسي، قبل تسعة أشهر من انتخابات أوروبية يأمل أن تتصدى لموجة قومية تجتاح العالم.

وأوضح أن الاستقلالية الذاتية الإستراتيجية ستسمح "لفرنسا وأوروبا بلعب دور تاريخي في إعادة تشكيل النظام العالمي".

وتبدو إعادة ترتيب هذا النظام العالمي ضرورية أكثر من أي وقت مضى أمام موجة التقوقع الوطني والقومي الذي يتصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد هدد بالطعن في تحالفات تعود إلى العام 1945 وشن حروبا تجارية في كل الاتجاهات.

وعرض ماكرون أن تباشر مجموعة السبع التي تتولى فرنسا رئاستها عام 2019 حوارا مع الصين والهند وإفريقيا لتخطي فشل القمة الأخيرة التي نسفها ترامب.

كذلك دعا الرئيس الفرنسي إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية من خلال محادثات بين أوروبا واليابان والولايات المتحدة والصين، ودعا ممثلي هذه البلدان إلى عقد اجتماع أول حول الموضوع على هامش منتدى السلام الذي تنظمه باريس في 11 نوفمبر.

ماكرون يرى أن الاستقلالية الذاتية الاستراتيجية ستسمح لفرنسا وأوروبا بلعب دور تاريخي في إعادة تشكيل النظام العالمي أمام موجة التقوقع الوطني والقومي الذي يتصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب

وقال الرئيس الفرنسي في خطابه أمام نحو 250 دبلوماسيا ونائبا وخبيرا في العلاقات الدولية “علينا القيام بمبادرات جديدة وبناء تحالفات جديدة”. وأضاف “تريد فرنسا أوروبا قادرة على الحماية حتى في وقت بات فيه التطرف أقوى وعادت القومية للظهور”.

وبعدما استُقبل الرئيس الفرنسي استقبال المنقذ في الاتحاد الأوروبي العام الماضي، تبددت طموحاته أمام جمود تكتل من البلدان ذات المصالح المتباينة في معظم الأحيان. واصطدمت مشاريع ماكرون بحكومات شعبوية وقومية في العديد من البلدان من أوروبا الشرقية إلى إيطاليا، ورفض دول الشمال الغنية دفع الفاتورة عن غيرها،  والخوف حيال تدفق اللاجئين، فضلا عن مفاوضات بريكست.

وما ساهم في عرقلة مشاريع ماكرون أن حليفته التقليدية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باتت في موقع ضعيف جراء انتكاساتها الانتخابية في بلادها. ويسعى ماكرون لإيجاد حلفاء، فيقوم بجولة أوروبية صغيرة إلى الدنمارك وفنلندا تبدأ الثلاثاء وتستمر ثلاثة أيام، ليكون بذلك زار أكثر من نصف القادة الأوروبيين خلال عام.

ويقر مستشارو قصر الإليزيه بأنه منذ العام الماضي “حصلت تغييرات كثيرة في العالم مع صعود القوميات وأزمة النهج التعددي. يجب أن نكون أكثر ديناميكية للتكيف مع هذه التطورات”.

فعلى الرغم من حفاوة اللقاء وتبادل المعانقات، قوض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجموعة السبع وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني وباشر حربا تجارية عالمية وهو يطالب الأوروبيين بمساهمات مالية مكثفة للحفاظ على الحلف الأطلسي.

غير أن التهديد لا يأتي من الخارج فقط بل من داخل أوروبا حيث تعتمد بولندا وإيطاليا الآن سياسة مشككة في أوروبا ومعادية للهجرة، ترغم باريس على السعي لإقامة “هلال تقدمي” للتصدي لها. ولفتت كلير دوميسماي، من المعهد الألماني للسياسة الخارجية، إلى أن “الملف الأوروبي فقد الكثير من الديناميكية” منذ عام، في حين تساءل رئيس المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية فرنسوا هايسبور في لندن إن كان ماكرون “سينجح في تحريك أوروبا”
قبل إتمام التسويات الكبرى بحلول نهاية 2019.

وأضاف “إنه الزعيم الوحيد في أوروبا اليوم” لكن “ماكرون لا يمكن أن يكون زعيما لوحده” بل ينبغي أن “تسير فرنسا وألمانيا معا”، في حين أن ميركل لا تزال في موقع ضعف نتيجة انتكاستها في الانتخابات التشريعية العام الماضي.

وشدد مانويل لافون رابنوي، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، على أنه بالنسبة لموضوعي المهاجرين وأوروبا الحماية “إيمانويل ماكرون بحاجة إلى نتائج وليس مجرد طموحات، حتى يقبل مسلحا على الانتخابات الأوروبية”.

6