ماكرون يسحق كل مقاومة في طريقه نحو إصلاحات مؤلمة

خطة فرنسية لإلغاء 120 ألف وظيفة في القطاع العام من أجل خفض العجز في الميزانية، والنقابات العمالية تحشد الأنصار استعدادا للتصعيد.
الاثنين 2018/03/26
معركة كسر عظام

باريس - يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اتخاذ حزمة من الإصلاحات الهيكلية خاصة في القطاع الحكومي، كان الاتحاد الأوروبي قد طالب بها من أجل تقليص عجز الموازنة، ليدخل في مواجهة حاسمة مع النقابات العمالية التي بدأت تحركات احتجاجية، والتي نجحت خلال العشرين عاما الماضية في إفشال هذه الإصلاحات التي أقدم عليها أكثر من رئيس.

وحذر لوران بيرجيه، مدير الكونفيدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل “من التغيرات الجذرية المقررة على عجل وبدون أي حوار حقيقي”، مشيرا إلى أن “أسلوب ماكرون يختصر بأنتم تتناقشون وأنا أتخذ القرار”، فيما تستعد النقابات العمالية للتصعيد ضد خطط الرئيس.

وقال الباحث جان ماري بيرنو، الأخصائي في العمل النقابي لصحيفة “لا كروا” الكاثوليكية إن “النقابيين والبرلمانيين أو معارضيه السياسيين أخذوا على حين غرة”.

وفيما تنتقد المعارضة الفرنسية والنقابات العمالية الإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس خاصة في القطاع الحكومي، ينادي خبراء اقتصاديون بضرورتها مؤكدين أنها ستدفع البلاد نحو المزيد من الازدهار والرفاه المجتمعي.

وقالت سيسيل كورنوديه، كاتبة المقالات في صحيفة “لي زيكو” الاقتصادية “ستكون المرحلة صعبة لكن في النهاية عندما سيحين وقت الانتخابات ستكون النتائج حاضرة”.

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمضي بوتيرة سريعة في تنفيذ حزمة إصلاحات يراها جوهرية داخل فرنسا متحديا بذلك النقابات العمالية التي ترى في هذه الإصلاحات تقويضا للسلم الاجتماعي داخل بلد معروف برفضه للتغييرات. وعلى الرغم من التحركات النقابية الرافضة لإدخال أي تغييرات تمس من قانون العمل، يواصل الرئيس الفرنسي كسر أي مقاومة

وأضافت كورنوديه أن “ألمانيا أصبحت اليوم في الطليعة بعد أن شهدت أوضاعا صعبة في مطلع الألفية، وهذا بفضل الإصلاحات التي أجراها الاشتراكي الديمقراطي غيرهارد شرودر”.

ويعتبر المحلل السياسي فيليب برو أن لدى الرئيس الفرنسي” بعدا تكتيكيا يسمح له بتحقيق نجاحات، فهو بفتح ورشات جديدة باستمرار، يسكت الاحتجاجات على الجبهة الأولى ويكون قد فتح جبهة ثانية”.

وقال برو إن فرنسا جاهزة للتغيير “لأن المناخ كان مناسبا وحصلت محاولات إصلاح عديدة منذ عشرين عاما باءت جميعها بالفشل”، مشيرا إلى أن أسلوب ماكرون هو المضي بوتيرة سريعة على كافة الجبهات.

وأضاف أن ماكرون ” لأنه يعرف كيف يتخذ القرارات فهو يتمتع بفرص كبيرة لإنجاح الإصلاحات الجديدة”، مشيرا إلى أن سلفه الاشتراكي فرنسوا هولاند “عرف كيف يفتح الورشات اللازمة لكنه كان يلتزم بما تقرر مع الشركاء الاشتراكيين الذين كانت لديهم مصلحة في إبقاء الأمور على ما هي عليه”.

وتابع “في الواقع تراجعت شعبية ماكرون إلى حد كبير، لكن وحده الأداء على الأمد البعيد هو المهم؛ هل سنبقى في ركود وثبات أم أننا سنتمكن من تقليص الفارق في القدرة التنافسية قليلا؟”.

وقالت المؤرخة إيزابيل كلافيل “من الصعب تحليل شخصية إيمانويل ماكرون”، مشيرة إلى أنه “شخص غامض سياسيا”، وأن “فقدان البوصلة” يصب في مصلحته خصوصا وأنه “يتبنى موقفا يوصف بالوسطي وإن لم يقر بذلك”.

وأضافت كلافيل أن ماكرون يتقدم خصوصا وسط مشهد سياسي جديد بعد “انهيار الأحزاب التقليدية”، مشيرة إلى أن “هذه الأحزاب لم تعد قادرة على تعبئة ناشطيها ولا حتى ناخبيها” خصوصا في المعسكر اليساري.

وتابعت أن “الناخبين اليساريين الذين باتوا مشتتين جدا ما عادوا يشعرون بأن أي حزب يمثلهم وأصبحوا في حالة ضياع”.

وأكدت المؤرخة أن الرئيس ماكرون “البارع في التواصل ينتقي عباراته، فالإصلاح يعني التحديث وهذا الخطاب الذي يتحدث عن التحديث يؤثر كثيرا على قسم من الناخبين”، فيما خاض ماكرون حملته الانتخابية مؤكدا أنه ليس من اليسار ولا من اليمين وليس وسطيا وهدفه هو “إلغاء هذه التصنيفات لتجسيد الحداثة”.

وأمام شعب فرنسي منقسم “بين نوع من الرضوخ” و”القناعة الذاتية بوجوب المضيّ قدما”، لا يتردد الرئيس في إغضاب البعض متقاعدين وموظفين في القطاع العام وفي قطاع السكك الحديدية.

فيليب مارتينيز: هناك سخط على الإصلاحات التي يعتزم الرئيس اتخاذها وحان وقت التصعيد
فيليب مارتينيز: هناك سخط على الإصلاحات التي يعتزم الرئيس اتخاذها وحان وقت التصعيد

ويتساءل مراقبون ما إذا كان أسلوب ماكرون سيأتي بنتائج مع عمال السكك الحديدية العازمين على التحرك لوقف إصلاح مؤسستهم، أحد آخر معاقل الحركة النقابية.

وقال رئيس الاتحاد العام للعمال في فرنسا فيليب مارتينيز” هناك سخط عام على الإصلاحات التي يعتزم الرئيس اتخاذها وحان وقت التصعيد”.

والخميس، عاشت فرنسا تعبئة واسعة ضد إصلاحات الرئيس ماكرون، الذي يعتزم تليين نظام الموظفين عبر السماح باللجوء بشكل أكبر إلى المتعاقدين مع خطة جماعية للرحيل الطوعي الذي كان محرما في هذا القطاع، حيث شهدت البلاد أكثر من 140 تظاهرة وتباطؤ رحلات القطارات والطائرات وقطارات الأنفاق والخدمات العامة.

وشملت الدعوة إلى الإضراب التي أطلقتها غالبية نقابات القطاع العام المدارس التي أغلق بعضها أبوابه ودور الحضانة والمكتبات العامة وشبكات الإذاعة والتلفزيون.

وفي الشركة المشغلة للقطارات في فرنسا “أس أن سي أف”، لم تعمل سوى 40 بالمئة من القطارات السريعة و25 بالمئة من الرحلات بين المدن و50 بالمئة من القطارات بين المحافظات، فيما ألغيت أربع من رحلات يوروستار.

وشارك عمال القطارات في الإضراب وفي التظاهرات مع الموظفين الذين اتخذوا مبادرة التحرك من أجل الاحتجاج على تعديل لقطاع السكك الحديدية يلغي النظام الذي يضمن وظائف مدى الحياة، للجدد منهم.

وعلى صعيد الطيران، ألغيت 30 بالمئة من الرحلات التي تصل إلى أو تقلع من مطارات رواسي وأورلي وبوفيه الذي يبعد حوالي ساعة عن باريس بعد دعوة إلى الإضراب وجهها المراقبون الجويون.

ويهدف مشروع ماكرون إلى إلغاء 120 ألف وظيفة من أصل 5.64 مليون وظيفة في فرنسا من أجل خفض العجز في الميزانية الفرنسية إلى أقل من 3 بالمئة من إجمالي الناتج الداخلي وهي نسبة حددها الاتحاد الأوروبي.

5