ماكرون يعترف بتعذيب وقتل مناضل جزائري على أيدي الجيش الفرنسي خلال الحرب

علي بومنجل مناضل جزائري ادعت باريس منذ 63 عاما انتحاره باستخدام زجاج نظارته.
الأربعاء 2021/03/03
عائلة بومنجل تعمل منذ عقود للحصول على اعتراف من باريس

باريس – اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "باسم فرنسا" بأنّ المناضل الجزائري علي بومنجل "تعرّض للتعذيب والقتل" على أيدي الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر في 1957، ولم ينتحر كما حاولت باريس تصوير الجريمة آنذاك.

وقال قصر الإليزيه إنّ ماكرون أدلى بنفسه بهذا الاعتراف “باسم فرنسا” وأمام أحفاد بومنجل الذين استقبلهم الثلاثاء، في إطار مبادرات أوصى بها المؤرّخ بنجامان ستورا في تقريره حول ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر، التي وضعت أوزارها في 1962 وما زالت حلقة مؤلمة للغاية في ذاكرة عائلات الملايين من الفرنسيين والجزائريين.

وكان علي بومنجل ناشطا سياسيا ومحاميا مشهورا وعضوا في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أسسه عام 1946 فرحات عباس (أول رئيس للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية)، وبذلك أصبح مدافعا عن المناضلين الجزائريين متّبعا خطى شقيقه الأكبر، أحمد، المحامي هو أيضا.                        

ومنذ أكثر من 63 عاما، ادعت فرنسا أن بومنجل انتحر، إلا أن عائلته أصرت على أنه تعرض للاغتيال واتهمت باريس بالكذب، وطالبت، مدعومة بناشطين فرنسيين، بإعادة الاعتبار له والكشف عن الحقيقة.

وروت ابنة شقيق الزعيم الجزائري فضيلة بومنجل شيتور، وهي أستاذة في الطب وناشطة في مجال حقوق الإنسان، يناير الماضي  ذكرى عمّها الذي "رسم" موته فترة مسار مراهقتها.

وندّدت فضيلة، التي تعدت السبعين من العمر، بـ"كذب دولة (فرنسا) الهدّام" وهي تروي قصة اغتياله للوكالة بالكثير من الغضب، فقد تُوفّيت أرملته وأحد أبنائه ووالداه وإخوته دون الكشف عن الحقيقة رسميا.

وكانت السلطات الفرنسية في الجزائر اعتقلت بومنجل خلال "معركة الجزائر" العاصمة بين يناير وأكتوبر 1957، بعد تدخل القوات الخاصة للجيش الاستعماري لوقف هجمات جبهة التحرير الوطني.

وروت فضيلة بومنجل قائلة "عندما علمنا باعتقاله في 9 فبراير 1957، كان والدي آنذاك محاميا في باريس. أتذكر كيف أن مجرد إعلان اعتقاله شكّل صدمة كالصعقة الكهربائية لوالدي.

كان يدرك أنه بالنظر إلى القمع المروع في ذلك الوقت، فإن الخطر يُحدق بأخيه الأصغر. لم يتوقف عن تنبيه السلطات المدنية والدينية في فرنسا عن طريق إرسال برقيات تندد باعتقاله التعسفي وغياب المعلومات. وكتب حتى للرئيس الفرنسي حينذاك، روني كوتي".

وفي نهاية فبراير عام 1957، عرفت العائلة أنه نُقل إلى مستشفى مايو العسكري (في باب الواد بالجزائر العاصمة)، وعن هذه اللحظة تقول فضيلة "علم والدي أنه حاول الانتحار بزجاج نظارته. كان ذلك مروعا".

جرائم الحرب تدمي ذاكرة الجزائريين
جرائم الحرب تدمي ذاكرة الجزائريين

وتتابع "ما زلت أتذكر إلى اليوم، تاريخ الأحد 23 مارس، عندما سمعت صوت جدي. صوت فارغ، صوت متغيّر عن ذلك الذي ألفته. هو الذي كان حنونا جدا قال لي ببساطة: من فضلك هاتفي والدك ودعيني أحدثه. أتذكر رد فعل والدي الذي صدم بالخبر، إذ كان الأكبر سنا وشعر بالمسؤولية.

وتم استدعاء طبيبين من الأسرة للتعرّف على الجثة، وتأسف جدّاي لأنهما لم يتمكنا من توديعه، إذ تم تشميع نعشه". وما أزعج الأسرة هو أنه حتى الجنرال بول أوساريس اعتراف بأن موت علي بومنجل كان انتحارا.

وكان أوساريس أعلن في مذكراته ''أجهزة خاصة: الجزائر 1955 ـ 1957" عن عمليات التعذيب التي كانت تقوم بها القوات الخاصة الفرنسية، وقال إنه أمر أحد الجنود باغتيال علي بومنجل.

وتقول فضيلة "لقد أوهمونا بأنه ألقى بنفسه من مبنى في حي الأبيار، آمل أن يكون قد مات بالفعل قبل السقوط. كان عمره 38 سنة".

وفي يناير الماضي، سلّم المؤرخ بنيامين ستورا للرئيس الفرنسي تقريرا حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954 ـ 1962)، تضمن مقترحات لإخراج العلاقة بين البلدين من حالة الشلل التي تسببت فيها قضايا ذاكرة الاستعمار العالقة بينهما.

وقالت الرئاسة الفرنسية إثر تسلمها التقرير إنها تعتزم القيام بـ”خطوات رمزية” لمعالجة الملف، لكنها لن تقدم “اعتذارات”، في خطوة حذّر متابعون من أنها قد تزيد من توتر العلاقات بين باريس والجزائر.

وأوصى ستورا في تقريره المكون من 150 صحيفة بأن “يتمكن الجزائريون الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا (الحركي) خلال حرب الاستقلال الجزائرية من التنقل بسهولة بين البلدين”.

كما أوصى بتشكيل لجنة تسمى “الذاكرة والحقيقة” وتوثيق شهادات الناجين من حرب الاستقلال، وضرورة زيادة التعاون بين فرنسا والجزائر.

واقترح التقرير إنشاء أرشيف مشترك بين البلدين، مشددا على ضرورة تقديم منح دراسية للطلاب الجزائريين لإجراء دراسات في الأرشيف الفرنسي، على أن يتم الشيء نفسه أيضا لنظرائهم الفرنسيين.

وأوصى كذلك بتنظيم أنشطة تذكارية بشأن حرب الاستقلال الجزائرية، وأن يتم إعلان 25 سبتمبر يوما لإحياء ذكرى "الحركي" و17 أكتوبر لذكرى "مذبحة باريس 1961" و19 مارس لإحياء ذكرى نهاية الحرب.

ودام الاستعمار الفرنسي للجزائر بين 1830 و1962، حيث تقول السلطات الجزائرية ومؤرخون إن هذه الفترة شهدت جرائم قتل بحق قرابة 5 ملايين شخص، إلى جانب حملات تهجير ونهب الثروات‎.

ويردد المسؤولون الفرنسيون في عدة مناسبات ضرورة طي الجزائر صفحة الماضي الاستعماري وفتح صفحة جديدة، لكن الجزائر طالبت فرنسا مرارا باعتراف رسمي بجرائم الاستعمار وحل ملفات مرتبطة باستعادة الأرشيف وتعويض الضحايا.