ماكرون يعد بإنهاء نفوذ "الانفصالية الإسلامية" في فرنسا

الرئيس الفرنسي يعلن وقف الاعتماد على أئمة ودعاة من دول خارجية لمخاطبة الجالية.
الخميس 2020/02/20
مواجهة بناء غيتوات مغلقة لإنتاج التشدد

باريس - هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما أسماه الانفصالية الإسلامية، في إشارة إلى مساع تقوم بها مجموعات وهيئات متطرفة لعزل المسلمين عن المجتمع الفرنسي وبناء غيتوات مغلقة لإنتاج التشدد، في الوقت الذي سعى فيه إلى تبرئة الجالية المسلمة متعهدا بوقف استيراد “الأئمة المبتعثين”، وهي التجربة التي فشلت في مواجهة موجة التطرف.

وفي خطابه الثلاثاء سعى ماكرون إلى عرض هدفين؛ الأول مكافحة ما أطلق عليه اسم “الانفصالية الإسلامية”، والثاني تخليص مسلمي فرنسا من هذه التهمة.

ولطالما كان أمر مقاربة “معضلة” الإسلام في البلاد أمرا حساسا، بسبب عدد المسلمين الذين يمثلون الديانة الثانية في البلاد، وبسبب علاقة فرنسا مع دول المنشأ للجالية المسلمة، لاسيما في شمال أفريقيا، وخصوصا الجزائر والمغرب وتونس، وبسبب علاقة المصالح التي تربط فرنسا بالدول العربية والإسلامية.

وجاءت إثارة الرئيس الفرنسي لهذا الملف الحساس أثناء زيارة له إلى مدينة ميلوز متحدثا إلى المسؤولين المحليين في أحد أحيائها “الحساسة”.

وقال ماكرون “إن الانفصالية الإسلامية تتعارض مع الحرية والمساواة، وتتعارض مع مبدأ عدم تجزئة الجمهورية والوحدة اللازمة للأمة”. وحتى لا يفهم كلامه خطأ، سارع إلى توضيح أنه ليس بصدد “وضع خطة ضد الإسلام”، لأن ذلك “سيكون خطأ كبيرا”.

وتحدث الرئيس الفرنسي مع مسؤولي الحي طويلا قبل أن يعيد التأكيد على أن كلامه لا يهدف إلى توجيه اتهام إلى أيّ دين، ما فهم أنها محاولة لإبعاد خطاب زعيم البلاد عما يمكن أن تستغله التيارات الشعبية وأحزاب اليمين المتطرف المعادية للإسلام والمسلمين وسياسات الهجرة في فرنسا.

وبرز في السنوات الأخيرة خطاب تبنته التيارات التي تستغل الـ”إسلاموفوبيا” لتحقيق مكاسب سياسية، خصوصا أن خطاب هذه التيارات ازدهر بسبب انتعاش الشعبوية في أوروبا، وبسبب استنادها على ظاهرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورواج الترامبية المعادية للعولمة والهجرة والتي تتبادل الأفكار والخدمات مع شعبويي الاتحاد الأوروبي.

ورغم سعيه لعقلنة ما يرمي إليه، إلا أن كلام ماكرون جاء حادا واضحا حاسما في التعبير عمّا لا يتوافق مع قواعد العيش في الجمهورية.

وقال الرئيس الفرنسي إنه “في الجمهورية، لا يمكننا أن نقبل رفض مصافحة المرأة لأنها امرأة، ولا يمكن أن نقبل أن يرفض شخص أن يعالج أو يتم تدريسه من قِبل شخص ما، ولا يمكن أن يقبل أحد الالتحاق بالتعليم المدرسي”.

وأضاف “في الجمهورية، لا يمكن طلب شهادات البكارة قبل الزواج، (وأنه) من غير المقبول أبدا أن تكون قوانين الدين أعلى من قوانين الجمهورية”.

إيمانويل ماكرون: لا يمكن أن نقبل رفض مصافحة المرأة لأنها امرأة
إيمانويل ماكرون: لا يمكن أن نقبل رفض مصافحة المرأة لأنها امرأة

وعرفت فرنسا خلال العقود الأخيرة جدلا كبيرا حول دور الإسلام في البلاد، خصوصا أنها تعرضت لأكثر الهجمات دموية خلال السنوات الماضية.

ورغم تعرض العاصمة باريس ومدن فرنسية أخرى، لاسيما مدينة نيس جنوب البلاد، لهجمات مؤلمة طالت مدنيين، إلا أن فرنسا ظلّت تحافظ على توازنها ولم تسمح باندلاع توترات دينية داخلية وبقي خطابها متهما الإرهاب والإرهابيين مبرئا المسلمين في فرنسا من آثام يرتكبها قلة منهم.

وفاجأ إيمانويل ماكرون جمهوره بتدابير شديدة اتخذتها الحكومة الفرنسية قبل أشهر. وقال إن بلاده ستتوقف عن الترحيب “بالأئمة المنفصلين” المرسلين من دول أخرى، مثل تركيا والجزائر، دون تحديد متى سيتم تطبيق هذا التدبير.

وقال أيضًا إن استقبال حوالي 300 من الدعاة الذين يتوافدون على فرنسا بمناسبة شهر رمضان كل عام سينتهي أيضًا.

ودارت ورش كثيرة خلال العقود الأخيرة في محاولة لخلق “إسلام فرنسي”. وقد عقدت مؤتمرات عديدة في هذا الصدد وجرى التواصل بين الحكومة الفرنسية والهيئات التمثيلية للمسلمين في فرنسا. بيد أن هذه المحاولة بقيت أقل من المطلوب، خصوصا أن المسألة تتعلق بلوبيات تمتلكها دول المنشأ داخل فرنسا من خلال رعاياها في البلد.

ولتلبية احتياجات أئمة المساجد، ترحب فرنسا بـ”الأئمة المبتعثين” من دول أخرى وتموّلهم من خلال الاتفاقيات الثنائية. ويوجد حوالي 300 إمام دائم، 150 منهم من تركيا و120 من الجزائر وحوالي 30 من المغرب، وهي بلدان المنشأ الرئيسية للمسلمين في فرنسا الذين يتراوح عددهم ما بين 4 و5 ملايين نسمة.

ويشكل هؤلاء الأئمة جزءا صغيرا من عدد الأئمة في فرنسا – وغالبًا ما يكونون متطوعين، وحتى متجولين – يتولّون إدارة 2500 مكان إسلامي للعبادة.

ويعتبر خبراء في الشؤون السياسية في فرنسا أن البلد يحتاج فعلا إلى سياسة جديدة وخلاقة تتعامل مع قضية الإسلام على نحو ناجع وحديث، لكنهم يشتبهون بمآرب سياسية تقف دائما خلف كل خطاب يتعلق بمسار ومصير الإسلام والمسلمين في فرنسا.

ويعتقد هؤلاء أن ماكرون يحاول غزو مساحات لطالما احتكرتها أحزاب وتيارات اليمين المتطرف، ويحذّرون من هذا المنحى اليميني الذي يذهب إليه ماكرون وحزب “فرنسا إلى الأمام” الذي أسسه قبل عام من انتخابه رئيسا، خصوصا أن كلام الرئيس الفرنسي يأتي مدغدغا لمشاعر كتلة انتخابية يمينية عشية انتخابات محلية ستجرى في فرنسا في الـ22 من مارس المقبل.

Thumbnail
1