ماكرون يعلن دعمه للرئيس الجزائري "الشجاع"

حزب جزائري معارض يرفض تدخل الرئيس الفرنسي في شؤون الجزائر.
الأحد 2020/11/22
الماضي الاستعماري لا يفارق ذاكرة الجزائريين

الجزائر - ألمح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قلق متزايد لدى بلاده من تغلغل قوى منافسة لها في مراكز نفوذها التاريخي في القارة الأفريقية وخاصة الجزائر.

وأعلن ماكرون، الجمعة، عن وضع باريس دعمها في خدمة السلطة الجزائرية ومن خلالها عموم القارة للجْم التمدد الصيني والروسي والتركي، في خطوة لاقت انتقادات من قبل أحزاب جزائرية أدانت تدخل باريس في شؤون الجزائر الداخلية.

ووجه رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي المعارض محسن بلعباس، انتقادات شديدة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أعقاب التصريح الذي أدلى به لمجلة “جون أفريك”، والذي ضمنه دعما صريحا من طرف قصر الإليزيه للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، رغم عدم الإجماع الذي يحظى به داخل بلاده.

واعتبر محسن بلعباس، الذي جُرّد من حصانته البرلمانية تحسبا للشروع في متابعته قضائيا من طرف عدالة بلاده، تصريح الرئيس الفرنسي “دروسا في الديمقراطية وإدارة الحكم”، في إشارة إلى تأكيده على دعمه للرئيس عبدالمجيد تبون خلال ما أسماها بـ”المرحلة الانتقالية في الجزائر”.

وذكر المتحدث في تدوينة نشرها على حسابه الخاص في فيسبوك، أن “ماكرون سمح لنفسه بتوزيع شهادات الشرعية على قادة شعوب ‘الأنديجان’ (الأصليون) التي نمثلها، في تدخل سافر في الخارطة السياسية للجزائر”.

ويعتبر تصريح رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض للسلطة، أول رد فعل من الطبقة السياسية في الجزائر حول مضمون التصريح الذي أدلى به ماكرون، في رسالة منه إلى “المستعمرة القديمة” وإلى عموم القارة الأفريقية، التي تعد القاعدة التاريخية لنفوذ فرنسا خارج حدودها.

وقال في تدوينته إن “التدخلات المتكررة لفرنسا الرسمية في الخيارات السيادية للبلدان الأفريقية هي تحديدا التي تطرح مشكلة، إن فرنسا ما بعد الاستعمار هي جزء من مشكلتنا إلى جانب كونها جزءا من الماضي المؤلم للجزائر وأفريقيا.. إن الجزائر وأفريقيا لا يمكنهما البقاء إلى الأبد في وضع التبعية في خدمة المصالح الاستعمارية الجديدة”.

ماكرون يريد قطع الطريق أمام القوى الدولية التي باتت تزعج النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية، على غرار الصين وروسيا وتركيا

ودعا محسن بلعباس القادة الأفارقة إلى “إلغاء مشاركتهم في قمة فرنسا – أفريقيا التي تمت دعوتهم إليها، لأن الأفارقة قادرون على صنع المستقبل الذي يتطلعون إليه بأنفسهم”.

ووجّه الرئيس الفرنسي رسائل قوية من خلال التعبير عن دعم قصر الإليزيه للرئيس الجزائري، ومن خلاله للقارة الأفريقية، أراد من خلالها قطع الطريق أمام القوى الدولية التي باتت تزعج النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية على غرار الصين وروسيا وتركيا.

كما أراد عبر وصف الرئيس تبون بـ”الشجاع” توجيه رسائل أخرى إلى الأطراف الداخلية غير المقتنعة بوجوده بقصر المرادية، وهي أطراف عديدة داخل أروقة السلطة وخارجها، على غرار ضباط في المؤسسة العسكرية، وحتى المعارضة السياسية والحراك الشعبي.

ورغم أن الرجل أجهر بـ”عدم تقديم بلاده للاعتذار المطلوب للجزائريين بسبب الحقبة الاستعمارية”، إلا أن الطبقة السياسية لا زالت تلتزم الصمت، بما فيها حزب جبهة التحرير الوطني، الذي ورث جبهة التحرير التاريخية، والمنظمة الوطنية للمجاهدين (قدماء المحاربين).

وباستثناء زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ومعه قوى البديل الديمقراطي المعارض، فإن الصدمة كانت قوية على التيار القومي المحافظ، الذي دعم خيارات السلطة والرئيس تبون في الانتخابات الرئاسية المنتظمة في الـ12 ديسمبر الماضي، على اعتبار أن الخطاب المناهض لفرنسا كان متداولا بقوة لديها.

وكان الرئيس ماكرون قد ذكر في تصريحه “سأفعل ما بوسعي من أجل مساعدة الرئيس تبون في هذه المرحلة الانتقالية.. إنه شجاع، ولا يمكن أن نغيّر بلدا ومؤسسات وهياكل السلطة في بضعة أشهر، وإنني سأعينه من أجل إنجاح العملية الانتقالية”.

وأضاف “ثمة حراك ثوري لا يزال قائما بشكل آخر، وثمة أيضا رغبة في الاستقرار خاصة في أكثر المناطق ذات الطابع الريفي في الجزائر.. يجب القيام بكل شيء من أجل إنجاح العملية الانتقالية، وإن هناك أيضا أشياء لا تدخل ضمن معاييرنا ونرغب في أن نراها تتغير”.

ويعتبر تصريح ماكرون تحولا لافتا بشأن موقف الإليزيه من السلطة الجديدة في الجزائر، على اعتبار أن الرجل نفسه ذكر خلال انتخاب تبون رئيسا للجزائر في ديسمبر الماضي “لقد أخذت علما بذلك”، وفي نفس المنحى ذهب وزير خارجيته آنذاك جون إيف لودريان لما صرح “نحن أمام أمر واقع جديد في الجزائر، سنتعامل معه وفق الضرورة”، وهو ما يدفع إلى إمكانية ميلاد حلف جديد بين الإليزيه والسلطة السياسية الجديدة في الجزائر، أسوة بالحلف الذي أبرم بين رؤساء فرنسيين سابقين وبين الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة، خاصة بعد العام 2014، وما عرف حينها بـ”اتفاقية فال دو غراس السرية”.

2