"ماكس المجنون: طريق الغضب" كلهم مجانين ما عدا ماكس

مرة أخرى نحن أمام أحد ابتكارات هوليوود القديمة التي تراهن دائما على بقائها أو إبقائها حية في عقول مشاهدي الأفلام لعقود، كما تظل تزايد على نفسها برصد مزيد من ملايين الدولارات، فقط من أجل الإبهار وتطوير التقنية والعثور على مداخل أخرى لرواية القصة وتسويقها لجمهور السينما من الشباب بوجه خاص. المقصود هنا تحديدا فيلم “ماكس المجنون: طريق الغضب” الذي بلغت كلفة إنتاجه أكثر من 150 مليون دولار، استخدمت في معظمها، من أجل إسباغ المصداقية على مشاهده الغرائبية وأزيائه وديكوراته وتصميماته الخاصة ومؤثراته البصرية.
الجمعة 2015/07/31
صراع بشري ضار على الماء والنفط

فيلم “ماكس المجنون: طريق الغضب” هو الرابع في سلسلة الأفلام الشهيرة التي بدأها المخرج جورج ميللر عام 1979، وعرض ثالثها قبل ثلاثين عاما، وكانت جميعها من بطولة ميل غيبسون الذي ارتبط اسمه لفترة طويلة بهذه النوعية من الأفلام.

الفيلم الجديد يدور في المستقبل القريب، بعد وقوع حرب نووية تدمر الكوكب الأرضي وتحوّله إلى صحراء قاحلة جافة، حيث يعاني من بقوا على قيد الحياة من الجنس البشري من ندرة الماء والنفط، وأصبح الصراع الضاري يدور حول هذين العنصرين.

وكما تحولت المدن إلى صحارى شاسعة ممتدة، نشأت كائنات أخرى متحولة من بعد الدمار الأرضي، من هذه الكائنات ما يطلق عليها “أولاد الحرب”، ومنها كائنات أخرى شيطانية في سحنتها وسلوكياتها تستخدم آلات عتيقة في القتل، وتتمتع بقدرات أكروباتية عالية.

كائن غريب

من بين البشر الذين بقوا لدينا أولا فوريوزا سائقة شاحنة نقل الوقود العملاقة، وقد فقدت ذراعها وأصبحت مطاردة من قوى الشر بعد أن اصطحبت معها الزوجات الخمس لزعيم قوى الشر الذي يطلق عليه في الفيلم ايمورتان جو، وكان يرغب في أن ينجبن له أبناء حفاظا على النوع من الانقراض، وإحدى هذه الزوجات حامل بالفعل. أما جو فهو كائن غريب مرعب، يتنفس عبر أنبوب خاص فوق وجهه، ويتغذى مساعدوه على الدماء، يقيم داخل قلعة مشيدة في الجبال، يحجب الماء عن الرعية ممن بقوا على قيد الحياة من بشر هم أقرب إلى الحيوانات في أسمالهم البالية وبعيونهم الشيطانية.

ومع ذلك هناك ماكس (توم هاردي) بطلنا الذي يفتتح الفيلم بصوته، وهو يقول لنا إنه “أنا ماكس.. عالمي مكون من النار والدم.. كنت شرطيا في الماضي، ولكن بعد دمار العالم، أصبح من الصعب معرفة من الأكثر جنونا.. أنا أم الآخرين جميعا؟”.

ماكس كان معتقلا لدى الطاغية جو داخل القلعة، يتخذونه مخزنا للدم، لكن أثناء نقله وهو مكمم الوجه بقناع من الصلب، ومربوط على مقدمة سيارة ضخمة، يتمكن من الهرب، ويدخل في عراك شرس مع فوريوزا سائقة الشاحنة الجبارة للاستيلاء على الشاحنة، وبعد أن يتمكن من التفوق عليها بقوته العضلية الهائلة، يقود الشاحنة، لكنها تتعطل بسبب توقف قطعة الكترونية معينة ومبرمجة، عن العمل بمجرّد تغيّر السائق.. أو شيء من هذا القبيل. ففي أفلام من هذا النوع ليس مهما التدقيق كثيرا في تلك التفاصيل الصغيرة، وما إذا كانت مقنعة، فالمهم دائما ماذا سيحدث ويستمر في الحدوث لمدة ساعتين هي زمن الفيلم، دون تطور يذكر في الحبكة.

الإحساس ينتابنا بأن المخرج فقد براءته الأولى التي تميزت بها أفلامه القديمة من السلسلة، وأصبح عبدا للتقنية

ويمكنك بالطبع أن تتخيل ماذا سيحدث، فماكس ينضم أخيرا إلى فوريوزا ويوافق على الرحيل معها والزوجات الخمس، بحثا على المدينة الزرقاء التي تقول له إنها تأمل أن تعثر فيها على “الخلاص”، أما رفيقاتها الخمس فدافعهن هو “الأمل”!

ماكس لا يتحدث سوى نادرا، وباستثناء المدخل الصوتي الذي يقودنا إلى تلك المغامرة، لن يمكننا أن نسمع منه سوى بعض الهمهمات ونادرا التساؤلات، ثم سيأتي تعليقه المضحك “الأمل خطأ”.. الذي ليس من الممكن تناوله على محمل الجد، بل يبدو وقد كتب خصيصا ليصبح من ضمن “الأقوال المأثورة” لأبطال الأفلام التي يحفظها الشباب.

لا يبدو ماكس مجنونا كما يشير العنوان، بل هو أقرب إلى الهدوء والترقب والتريث في الحديث، أما الجنون فموجود لدى كل من يتحرك من حوله، من تلك الكائنات الشيطانية التي تعربد في الفوضى والخراب وتنشر الرعب والقتل والدماء.

وبالطبع لا بدّ أن نمر بأكثر مشاهد العراك عنفا إلى درجة “الكارتونية”، ولا بدّ أن تثبت فوريوزا أنها الأقوى والأقدر والأكثر حكمة أيضا، بل وهي التي ستنقذ رأس صاحبنا ماكس من الموت، فالفيلم يريد أن يبشر بعصر قادم تكون فيه القوة للمرأة، فما تتحمله النساء في الفيلم يفوق كل تصور، بل وهن يلتقين أيضا بمجموعة من النساء العجائز اللاتي تسلحن ببعض الأسلحة الخفيفة للدفاع عن بقائهن، ينضم بعضهن إلى الموكب ويتمكنّ من المساعدة في أكثر المواقف حرجا.

معارك طريفة

ستستمر مشاهد المعارك الطريفة التي سنرى ضمن ما نرى فيها، كائنا شيطانيا مجنونا يقبض على آلة قيثارة هائلة الحجم يدق على أوتارها فيخرج نارا حارقة، كما سنرى تصميمات عجائبية للعربات والمحركات والآلات القاتلة والروافع التي ترفع المرء إلى مسافات عالية، تتلوى ثم تهبط بشكل مفاجئ.

ومع ذلك فهذه المشاهد التي ربما تبدو مثيرة للاهتمام بسبب غرائبيتها في البداية ستصبح مع ذلك التكرار وتكرار التكرار، حرثا في الهواء، ومدعاة للشعور بالملل أيضا، خاصة عندما يقرر كل من ماكس الذي يؤدي دوره توم هاردي بتكاسل وبلادة، وفيوروزا التي تقوم تشارليز ثيرون بدورها بإقناع كبير، العودة مجددا إلى القلعة بعد قتل جو المجنون والقضاء على عدد من مساعديه.

ورغم المطاردة الشرسة سيتمكن “فريق الخير” من الوصول إلى القلعة وعرض جثة الدكتاتور أمام أبناء شعبه الجائع، ويستقبلون فيوروزا استقبال الأبطال، ويضعون الأمور في يدها، فتقوم بفتح محابس المياه لتنساب في لقطة رمزية قبل النهاية مباشرة.

لا شك في الحرفية العالية التي يتمتع بها المخرج جورج ميللر (70 سنة) في تنفيذ الكثير من المشاهد التي تعيد إلى ذاكرتنا مقاطع من أفلام تيري غيليام، ولكن دون سحر ما نراه مثلا في “البارون مونكهاوزن”، ولكن الإحساس ينتابنا بأن ميللر فقد براءته الأولى التي تميزت بها أفلامه القديمة من سلسلة “ماكس المجنون”، وأصبح عبدا للتقنية، للمؤثرات الخاصة التي يؤكد أنها “مؤثرات فعلية” أي استخدم فيها عشرات الممثلين البدائل والمتخصصين في أداء المشاهد الخطرة، وليست البرامج التي تولد صورا مصطنعة عبر الكومبيوتر.

الدكتاتور البشع الذي يريد السيطرة على الماء والنفط والدم والبشر، يبني قلعة يتصور أنها ستحميه إلى الأبد، يمنع وصول “الأمل” إلى مستحقيه، يجعل ماكس الذي لا يؤمن سوى بالقوة، قادرا على إقناع المرأة القوية، بالاستيلاء على السلطة كحل ربما يكفل بناء مجتمع جديد. ويظل السؤال الأهم: ما الذي سيحدث بعد عودتهما؟ هذا غالبا ما ترك الباب مفتوحا لكي نشاهد الجزء الخامس الذي بدأ جورج ميللر بالفعل في الإعداد له.

16