ماكماستر بيضة قبان الجمهوريين في البيت الأبيض

الأحد 2017/02/26
عقل عسكري استراتيجي يواجه سياسات ترامب

واشنطن - فوجئ الرئيس ترامب برفض الأدميرال هاروارد لتعيينه مستشاراً للأمن القومي، خلفاً لمايكل فلين. ولكن حيرته لم تطل فقد عثر على من سيقبل بهذا المنصب. إنه الجنرال هربرت ريموند ماكماستر.

وقد نقلت صحيفة النيويورك تايمز عن مستشار الأمن القومي الجديد أنه، وعلى النقيض من مستشار الأمن القومي السابق المستقيل فلين، فإن مستشار الأمن القومي الجديد الجنرال ماكماستر ليس إيديولوجياً، ولا تربطه أيّ علاقات سابقة مع الرئيس ترامب قبل تعيينه مستشارا له.

ماكماستر رجل استراتيجي كما يقول الإعلام الأميركي، ساهم بتحويل مسار الحرب في العراق لصالح واشنطن ذات يوم حين قاد وحدة عسكرية اشتبكت مع الحرس الجمهوري العراقي في واحدة من أكبر معارك الدبابات في العام 1990، وحصل بفضل قيادته تلك على وسام النجمة الفضية.

وخلال حرب العراق الثانية في العام 2005 قاد فوج سلاح الفرسان المدرع الثالث بهدف استعادة السيطرة على مدينة تلعفر العراقية. ولذلك فإن مكانته كبيرة لدى الجميع. فقد خاض حربين كبيرتين في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط من قبل. صاحب وعي خلاق ومبتكر وغير تقليدي. إضافة إلى كونه مستقل الإرادة كما يشاع عنه.

حظي ماكماستر بدعم الجمهوريين للوصول إلى هذا المنصب الحساس، وكان من بين داعميه الكبار السيناتور توم كوتون من أركنساس والسيناتور الشهير جون ماكين. ماكماستر يشبه ماكين بنقده اللاذع، لكنه لم يكن موافقاً على خيار الحرب على العراق أيام جورج بوش الابن. درس وتخرج من “ويست بوينت” العسكرية وحصل على الدكتوراه في التاريخ العسكري من جامعة نورث كارولينا.

المهمة الصعبة

لقد كانت مهمة ملء الفراغ الذي أحدثه غياب الجنرال فلين صاحب الخبرة الطويلة في مجال الاستخبارات العسكرية صعبة على الرئيس ترامب. ففلين الذي كان يملك سيرة أكاديمية ومهنية قوية، إذ تخرج في جامعة رود آيلاند، بدرجة البكالوريوس في علوم الإدارة وذلك عام 1981، كما كان من الخريجين المتميزين بفيلق التدريب الاحتياطي العسكري للضباط، وأيضا حصل على الماجستير في إدارة الأعمال في مجال الاتصالات من جامعة جولدن جيت، ودرجة الماجستير في الفنون والعلوم العسكرية من قيادة الجيش الأميركي وكلية الأركان العامة، ويحمل كذلك درجة الماجستير في الأمن القومي.

التحديات التي ستواجه ماكماستر ستبدأ من الملف السوري والحرب على الإرهاب. وهو الذي نشر مقالا في مجلة "ميليتاري ريفيو" حذر فيه من أن التركيز على القوة مثلما فعل ترامب في تهديداته بالقضاء على تنظيم داعش قد يؤتي نتائج عكسية

اختيار فلين مستشاراً للأمن القومي الأميركي ثم دفعه للاستقالة يوم الثلاثاء الـ14 من فبراير، زاد من الانطباع السائد حول سلوك الرئيس دونالد ترامب الذي شغل المواطن الأميركي منذ ترشحه للرئاسة كما شغل العالم أيضاً. ويقال إن مستشار الحملة الانتخابية وكبير الاستراتيجيين للرئيس ستيف بانون، رأى في فلين منافساً على أذن ترامب، فقرر الضغط للتخلص منه.

ويشعر المتابع لأخبار الرئيس بالعجز أحياناً عن فهم دلالات كلّ ما حدث ويحدث، نتيجةً لخياراته في توزيع مناصب الدرجة الأولى على شخصيات مثيرة في عقيدتها الفكرية وفي تاريخها الحافل بمولدات للتساؤل والشك.

ومن جهة ثانية، في قراراته التنفيذية المتسرعة والتي تتعارض مع الدستور والقوانين الفيدرالية أحياناً. ثم في فهم دلالات تراجعه عن مواقف كان أعلنها أثناء حملته الانتخابية مثل نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس وموقفه السلبي من بناء المستوطنات، ومثل الامتناع عن رفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا بعدما وعد بتخفيفها، والاستمرار في دعم حق أوكرانيا في الوحدة والاستقلال، وغير ذلك.

المسؤولون الكبار الذين أحاطوا بالرئيس وهو يوقّع قراره التنفيذي بمنع رعايا سبع دول من دخول الأراضي الأميركية وكذلك وقف قبول اللاجئين مؤقتاً، صفقوا له طويلاً وهو يستعرض أمامهم وأمام الكاميرا إنجازه الذي وعد به. هؤلاء أنفسهم وجدوا أنفسهم مضطرين للتصفيق ثانية عندما تراجع عن قراره تحت وطأة الدستور، وإن تم ذلك خلف الكاميرا.

مرة أخرى يجد ترامب نفسه قد أخطأ في اختيار فلين مستشاراً للأمن القومي فيدفعه إلى أن يستقيل بعدما كان قد أشاد به أمام الصحافة، وأعرب عن ثقته به قبل أسبوع واحد. وفي اللغط الدائر هذه الأيام حول تصرّف فلين بين من يجد أنه لم يخالف القانون، وبين من رأى في اتصالاته الهاتفية مع السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك قبل تسلم ترامب مهامه الرئاسية مخالفة صارخة للقانون.

ماكماستر يحظى بدعم صقور الجمهوريين للوصول إلى هذا المنصب الحساس، وكان من بين داعميه الكبار في البيت الأبيض السيناتور توم كوتون من أركنساس والسيناتور الشهير جون ماكين

صحيفة النيويورك تايمز كشفت أن مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي أي” استجوب مستشار الأمن القومي المستقيل فلين بشأن محادثاته الهاتفية مع السفير الروسي في واشنطن. وقالت الصحيفة “إن الاستجواب حصل بعيد تسلمه منصبه رسمياً، وتم في الأسبوع الأول من عهد ترامب الذي استلم مفاتيح البيت الأبيض في 20 يناير 2017”. وأضافت الصحيفة “إن المحققين خرجوا من جلستهم مع الجنرال المتقاعد، وقد تكونت لديهم قناعة بأن فلين لم يكن صريحاً كلياً.

وبعد الاستجواب بعثت وزيرة العدل بالوكالة سالي ييتس رسالة إلى البيت الأبيض بتاريخ الـ26 من يناير تحذّره فيها من خطر أن يتعرض فلين للابتزاز من قبل روسيا بسبب الاختلاف بين ما صرح به علانيةً حول محادثاته مع سفيرها في واشنطن وبين ما دار حقيقة في تلك المكالمات”.

ومن المثير للتساؤل والشك أن الجنرال فلين نفسه أقرَّ بأنه خَدَع دون قصد نائب الرئيس مايك بنس بتزويده بمعلومات غير كاملة حول اتصالاته الهاتفية مع السفير الروسي. فيما أعلنت أجهزة مكافحة التجسس الأميركية عن عدم عثورها على دليل يثبت انتهاك فلين للقانون خلال اتصالاته بالسفير الروسي في واشنطن.

قناة “سي بي إس” الأميركية لفتت النظر إلى أن المحققين حاولوا الكشف عمّا إذا كان فريق ترامب قد نسّق خطواته مع ممثلي روسيا قبل الانتخابات وبعدها، إلا أنهم لم يصلوا إلى أيّ نتائج.

إهمال الواجب

كتاب “إهمال الواجب” كتاب صدر لمستشار الأمن القومي الجنرال ماكماستر، وقد تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا على موقع “أمازون”، بعد تعيين مؤلفه في منصبه الجديد. وقد طلبت دار نشر بيرنيال هيربر بطبع 25 ألف نسخة إضافية من الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في العام 1997 بسبب تزايد الإقبال عليه، وفق وكالة أسوشييتد برس.

يتناول كتاب ماكماستر تحليلا لحرب فيتنام استنادا إلى تسجيلات رسمية لأصحاب القرار في ذلك الوقت. ويحلل السياسات التي وضعت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون وتأثيرها على مجرى الحرب في البلد الآسيوي.

وذكرت قناة الحرة الأميركية أن استنتاجات “إهمال الواجب” تختلف عن الروايات التاريخية الأخرى المعروفة بخصوص الحرب، إذ يرى ماكماستر أن الخسائر التي تكبدها الجيش الأميركي في فيتنام تعود إلى “خداع الإدارة الأميركية” لهيئة الأركان المشتركة والكونغرس والأميركيين.

وذكرت وكالة رويترز أن ماكماستر ليس مجرّد جنرال، بل هو مفكر عسكري “كان للخبرة والممارسة العملية والتفكير دور في تشكيل أفكاره أكثر ممّا للمشاعر والانفعالات والسياسة، وربما يجد نفسه في ساحة سياسية غريبة عنه وربما معادية له مثلما كانت رمال أفغانستان والعراق ومدنهما معادية له، غير أنه لن يكون وحيداً في مهمته، فمن حلفائه البارزين في الإدارة الأميركية وزير الدفاع جيمس ماتيس ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السيناتور جون ماكين، إضافة إلى الكثيرين من رجال الجيش الذين خدموا معه”.

وقد نقلت عن الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر قوله إن ترامب أبلغ ماكماستر أن “لديه الصلاحيات الكاملة في تكوين فريق الأمن القومي”، إلا أن ترامب سبق أن خطا خطوة غير معتادة بضم ستيف بانون مستشاره للشؤون الإستراتيجية المعروف بأفكاره اليمينية إلى مجلس الأمن القومي.

المسؤولون الكبار الذين أحاطوا بالرئيس وهو يوقع قراره التنفيذي بمنع رعايا سبع دول من دخول الأراضي الأميركية وكذلك وقف قبول اللاجئين مؤقتا، صفقوا له طويلا وهو يستعرض أمامهم وأمام الكاميرا إنجازه الذي وعد به. هؤلاء أنفسهم وجدوا أنفسهم مضطرين للتصفيق ثانية عندما تراجع عن قراره تحت وطأة الدستور، وإن تم ذلك خلف الكاميرات

روسيا تنهي النظام العالمي

التحديات التي ستواجه ماكماستر ستبدأ من الملف السوري والحرب على الإرهاب. ماكماستر نشر مقالاً في مجلة “ميليتاري ريفيو” حذّر فيه من أن التركيز على القوة مثلما فعل ترامب في تهديداته بالقضاء على تنظيم داعش، قد يؤتي نتائج عكسية. وأضاف “في العراق أدّى عدم الفهم الكافي للعوامل المحركة للصراع من عشائرية وعرقية ودينية، إلى تنفيذ عمليات عسكرية مثل عمليات مداهمة شبكات يشتبه بأنها معادية، كان من شأنها أن تسببت في تفاقم المخاوف أو أساءت لإحساس السكان بالشرف بأشكال دعمت التمرد”.

سيكون هناك الملف الروسي أيضاً، والعلاقات المتوقعة لترامب مع بوتين. ترامب قال إن روسيا شريك، بينما اعتبر ماكماستر الكرملين خصما تاريخيا، وقد أكد مؤخراً في حديث له أنّ ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها المتمردين في شرق أوكرانيا باعتبار ذلك دليلاً على مسعى أشمل “لهدم النظام الأمني والاقتصادي والسياسي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وبالتأكيد بعد الحرب الباردة وإحلال نظام أكثر تفهّماً للمصالح الروسية محلّه”. وقد يتصادم الرجلان أخيراً حول حجم الجيش الأميركي وشكله كما نقلت رويترز.

أما صحيفة التايمز فقالت إن ماكماستر معارض لروسيا بنسبة 100 بالمئة، وإن اختياره كان محل إشادة وترحيب من أشد منتقدي ترامب ومؤسسة الحزب الجمهوري. وأضافت التايمز إن تعيين ماكماستر أعطى إشارات إلى احتمال قيام البيت الأبيض بمراجعة سياساته تجاه موسكو.

لكن ماكماستر يعرف ما يقول، فهو يرى أن المؤرخين في الغالب سيعتبرون غزو روسيا لأوكرانيا في العام 2014 الحادثة التي أنهت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وقال أيضاً أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي العام الماضي “إن روسيا تهدد النظام العالمي وإنها استغلت انشغال أميركا بالعمليات العسكرية في أفغانستان والعراق لتطوير قواتها وتحديث معداتها”.

ولذلك فقد قال المعارض القوي لترامب السناتور ليندسي غراهام إن ماكماستر يدرك التهديدات والتحديات التي تواجهها واشنطن. وأشارت التايمز إلى أن موسكو لم تعلق على اختيار ماكماستر، غير أن العضو البارز بلجنة الدفاع بالبرلمان الروسي فرانز كلنتسيفتش وصف ماكماستر بأنه “مهدد لروسيا بنسبة 1000 بالمئة”.

7