ماكماستر مستشارا للأمن القومي.. عودة للخيارات الأميركية التقليدية

حسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره واختار الجنرال هربرت رايموند ماكماستر مستشارا للأمن القومي، خلفا للفريق المتقاعد مايكل فلين الذي استقال على خلفية اتهامه بـ”تضليل” الإدارة الأميركية بشأن إجرائه اتصالات مع روسيا قبل تسلّمه منصبه. ورأى المتابعون في تسمية ماكماستر، خبير شؤون مكافحة التمرد خصوصا في العراق، والذي يحظى بالاحترام في الدوائر السياسية الأميركية، محاولة لتصحيح المسار، خاصة أن الجنرال “المتمرد” وعلى النقيض من سلفه مايكل فلين، لا يثق بروسيا ولطالما عبر عن توجسه من خطط موسكو وتعارضها مع مصالح الولايات المتحدة.
الأربعاء 2017/02/22
زمن حكم العسكر!

واشنطن - ينظر المراقبون الأميركيون بقلق إلى الكيفية التي تدار بها سياسة الولايات المتحدة منذ تولي دونالد ترامب رئاسة البلاد. فقد دخل الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض في 20 من الشهر الماضي دون اكتمال أركان إدارته، ليس فقط بسبب تأخر الكونغرس في الموافقة على خيارات ترامب لتبوء سدة الإدارات الرئيسية للبلاد، بل أيضا لأن الرئيس نفسه لم ينته من اختيار أعضاء فريقه الحاكم.

يعتري القلق المراقبين أيضا من حالة التوتر التي تتسم بها قرارات ترامب ومراسيمه التنفيذية التي تستدرج حبرا كثيرا وضجيجا إعلاميا دون أن يكون لها أي أثر على مسائل البلاد الحقيقية. ما قاد المحللين إلى استنتاج حاجة الرئيس الجديد إلى الإثارة والإبهار بغض النظر عن أمن الدولة واستمرار ثوابتها أيا كانت إدارة البيت الأبيض والطاقم الحاكم.

ولئن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيينه هربرت ريموند ماكماستر مستشارا للأمن القومي، بعد قرابة أسبوع من استقالة مستشاره السابق الفريق المتقاعد مايكل فلين، على خلفية اتهامه بـ”تضليل” الإدارة الأميركية بشأن إجرائه اتصالات مع روسيا قبل تسلّمه منصبه، فإن تسليطا للمجهر على تفاصيل فضيحة فلين ثم الصعوبة في إيجاد البديل يكشفان جسارة أزمة الحكم التي تعتري حركة ترامب ومناوراته.

قضية فلين مستمرة

مساء الإثنين، أعلن ترامب تعيينه ماكماستر خلفا للمستشار المستقيل، أثناء استقباله عدد من الجنرالات الأميركيين في مقر إقامته الشتوي، مارا لاغو، بولاية فلوريدا، وذلك في تسجيل فيديو بثه عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”.

وربما مثّلت فضيحة مستشار الأمن القومي السابق الجنرال مايك فلين حلقة جديدة من مسلسل التسطيح الذي يقارب به ترامب شؤون الدولة، لا سيما في ما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة الخارجية، وخصوصا في ما يتعلق منها بالعلاقة مع روسيا.

ولا تقتصر فضيحة فلين على سلوك الجنرال المستقيل (أو المقال)، بل إنها تمثّل جانبا من سلوك الرئيس الأميركي واستخفافه بمسألة التعاطي مع روسيا المعتبرة، منذ عهود الاتحاد السوفييتي وحتى الآن، باعتباره خصما دوليا يتراوح التعامل معه بين حدود الحذر الدنيا وحدود العداوة القصوى.

وقضية الجنرال مايك فلين قد لا تنتهي باستقالته، فأمر تواصله مع السفير الروسي في واشنطن وتلميحه بأن إدارة ترامب قد ترفع العقوبات على روسيا فيما إدارة أوباما تفرض المزيد من العقوبات، ليس خطأ بروتوكوليا، بل قد يمس حدودا تعتبر مساسا بأمن الولايات المتحدة الاستراتيجي بما يعتبر سلوكا جنائيا تجوز ملاحقته قانونيا.

خيار ترامب لماكماستر قد يكون استسلاما لرؤى الإدارة العسكرية في البلاد وليس بالضرورة تعيينا لمقرب من ترامب ومن رؤاه في شؤون الأمن الاستراتيجي والسياسة الخارجية

لكن الأدهى من ذلك أن ملف فلين سيضاف إلى ملفات أخرى أجمعت عليها أجهزة الأمن الأميركي كافة، والتي اتهمت روسيا بالقيام بهجمات إلكترونية عملت على تشويه صورة المنافسة الديمقراطية هيلاري كلينتون لصالح المرشح الجمهوري دونالد ترامب.

وإذا ما وضعت هذه الملفات في سياق تصريحات ترامب المرشح بإعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبعزمه كرئيس فتح صفحة من التعاون مع روسيا، فإن تلك الملفات قد تفتح من جديد لضبط سلوك ترامب والضغط عليه لعدم تجاوز الحدود التي تضعها مؤسسات الأمن القومي في أبجديات العلاقة مع روسيا.

وتتحدث تقارير أولية عن أن خليفة فلين الجنرال مكماستر البالغ من العمر 54 عاما، خريج جامعة ويست بوينت العسكرية العريقة، وحائز على شهادة الدكتوراه في التاريخ، ومؤلف أحد أهم الكتب النقدية لحرب فيتنام “إهمال الواجب: رئيس هيئة الأركان مكنمارا جونسون والأكاذيب التي أدت إلى حرب فيتنام”.

ويلفت المراقبون إلى أن مستشار الأمن القومي الأميركي يأتي من تجربة ميدانية مكثفة في الشرق الأوسط بما يمنحه خبرة في تناول ملفات المنطقة، ليس فقط في عنوانها الكبير المعلن منذ عهد باراك أوباما، أي محاربة تنظيم داعش، بل في مسائل تتعلق بمعرفة تعقيدات المنطقة وتعدد أطرافها واختلاف مشاربها، خصوصا وأن الخبراء الأميركيين يعكفون على دراسة “خيارات ما بعد داعش”.

وبحسب شبكة فوكس الإخبارية، فقد انضم ماكماستر إلى الجيش الأميركي عام 1984، وذاع صيته بعد أن نُسبت إليه قيادة كتيبة مدرعات في معركة أطلق عليها اسم “شرق 73”، ضد قوات الحرس الجمهوري العراقي في 26 فبراير 1991 أثناء عمليات تحرير الكويت، متسببا في تدمير أكثر من 80 عربة حربية عراقية.

ولمع اسم ماكماستر مرة أخرى، بعد أن قاد عملية استعادة مدينة تلعفر العراقية شمال البلاد من سيطرة تنظيم القاعدة عام 2005، إبان ولاية الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش.

ويرى خبراء في شؤون الإدارة الأميركية أن خيار ترامب لماكماستر قد يكون استسلاما لرؤى الإدارة العسكرية في البلاد وليس بالضرورة تعيينا لمقرب من ترامب ومن رؤاه في شؤون الأمن الاستراتيجي والسياسة الخارجية، وأن احتمال تعارض رؤيتي الرجلين قد يكون امتحانا لمدى قدرة الرئيس الأميركي على الصدام مع “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة.

وبحسب الصحافية تمارا كيث، في إذاعة “إن بي آر”، فإن ماكماستر “لا ينظر إليه على أنه من النوع الذي ينسحب عند مواجهته لتحد من قبل أي شخص في البيت الأبيض”، مشيرة إلى أنه شخصية مستقلة “وسيخبرك بما يفكر به بالضبط”، في إشارة إلى صراحته وجرأته.

لكن المفارقة الكبرى في تعيين ماكماستر تكمن في كونه، وعلى النقيض من سلفه مايك فلين، لا يثق بروسيا ولطالما عبر عن توجسه من خطط موسكو وتعارضها مع مصالح الولايات المتحدة.

ورأى المراقبون أن تعيين ماكماستر قد لا يقتصر فقط على تغيير في شخص المستشار الأمني الجديد، إنما قد يمثّل تموضعا مستجدا لترامب وإدارته حيال روسيا لجهة الانتقال من خطاب الود والتعاون إلى خطاب آخر أكثر اتساقا مع الموقف التقليدي الأميركي في هذا الشأن.

ورأت أوساط متابعة أن ترامب الذي تحاصره الملفات المتعلقة بعلاقاته مع روسيا، قد يكون قد ارتأى بتعيين ماكماستر العمل على إغلاق هذه الملفات وتجنب تداعياتها على مستقبله داخل البيت الأبيض. وطبقا لصحيفة ديفينس وان الأميركية العسكرية، فقد حذّر ماكماستر، في كلمة ألقاها بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، من التفوق العسكري الروسي خاصة بعد الأزمة الأوكرانية.

ولفت إلى أن روسيا تمتلك تفوقا مدفعيا ولديها مركبات أفضل، وإذا ما وجد الجيش الأميركي نفسه في مواجهة مع القوات الروسية وأدرك التأثير التكتيكي للاستخدام المتطور للطائرات المسيرة، فسيجد نفسه في مواجهة شرسة وصعبة جدا.

خطط تطوير الجيش

لكن معلقين أميركيين يرون أن تعيين ماكماستر يتناسب مع خطط ترامب لتطوير قدرات الجيش الأميركي، وأن جهود ماكماستر في هذا الإطار ترفد رؤية ترامب الذي ما برح يردد أن تراجعا أصاب القوة العسكرية الأميركية بسبب الاقتطاعات في الميزانية المخصصة للدفاع إبان عهد أوباما، وأن على الإدارة الجديدة الدفع باتجاه ضخ الاستثمارات لرفع كفاءة الجيش الأميركي وتحديث وسائل الردع للتصدي للتحديات الجديدة، لا سيما تلك التي تستخدم أحدث مستويات التكنولوجيا.

تميز الشهر الأول لولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بعدد من الأحداث المثيرة للجدل، على غرار حظر دخول مواطني سبعة بلدان معظم سكانها من المسلمين، وقرار بناء جدار على الحدود مع المكسيك والعلاقات المتوترة مع الإعلام واستقالة مايكل فلين مستشار الأمن القومي، ثم تعيين الجنرال هربرت رايموند ماكماستر خلفا له.

وقبيل أن يتسلم الضابط الأميركي رفيع المستوى منصبه مستشارا للأمن القومي، عمل على تقييم قدرة جيش بلاده على مواجهة التحديات المستقبلية المختلفة.

وفي مقال له على صحيفة “فورين بوليسي”، كتب توماس ريكس، الحائز على جائزة “بوليتزر” والمختص بتغطية أخبار الأمن والدفاع، أن مكماستر سيكون عليه اختيار طاقمه في منصبه الجديد كمستشار للأمن القومي.

وقال ريكس إن معظم طاقم ماكماستر، في وظيفته الأخيرة، أعرب للصحافي الأميركي عن استعداده للانتقال مع قائده في منصبه الجديد إذا ما طلب منه ذلك.

كما لفت إلى أن الجنرال الأميركي يتمتع بعلاقة طيبة مع أعضاء مجلس الأمن القومي للبيت الأبيض، بمن فيهم الجنرال المتقاعد وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي يشترك معه في الثقافة العالية وشغفه بالقراءة، ويرى في ماكماستر شخصية مثقفة ومطلعة.

ويتولى مستشار الأمن القومي أيضا مهمة التنسيق بين الدوائر والمؤسسات الأمنية لنصح الرئيس في قضايا السياسة الخارجية والعمليات العسكرية، على أن مراجع دبلوماسية غربية في بروكسل لاحظت أن إدارة ترامب تسعى لرسم معالم واضحة لسياسة واشنطن دون أن تكون هذه السياسة متناقضة مع تقاليد قديمة اعتمدتها الإدارة السابقة.

ورأت هذه المراجع أن الجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع، زار كوريا الجنوبية لتأكيد دعم واشنطن، فيما أكد الرئيس الأميركي أثناء استقباله رئيس وزراء اليابان وقوف واشنطن الكامل مع طوكيو لرد أي تهديد توحي به تجارب كوريا الشمالية الصاروخية الأخيرة، بينما أعلن مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، أثناء مشاركته في مؤتمر الأمن العالمي في ميونيخ، عن تمسك بلاده بحلف شمال الأطلسي.

وتعتقد هذه المراجع أن تعيين ماكماستر قد يمثل تصويبا إضافيا لأداء إدارة ترامب بما يخفف من سلوكيات “الفرجة” العزيزة على قلب الرئيس ويرفع من مستوى الرصانة المطلوبة في أداء الدول الكبرى.

7