ماكينة لصنع الشائعات.. ومفرخة للتطرف والإرهاب

الثلاثاء 2017/02/28
الخطأ في التسليم بكل ما ينشر

لا يكاد يمر يوم واحد، إلا ويقرأ المواطنون، خبرا عنوانه “لا صحة لما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي”، حول واقعة أو حدث بعينه، حتى بات تكذيب المواقع واقعا فعليا لا يقتصر على حكومة بعينها، بل شمل الكل، وبدا الأمر كأن ثمّة حربا كلامية يومية بين المواقع والمؤسسات الحكومية المختلفة.

ولا يمكن حصر أزمات مواقع التواصل مع صناعة الخبر، في أن روادها أنفسهم من يصنعونها، بقدر ما تكمن المشكلة في أن المسؤولية متشعبة ويشترك فيها صانع الخبر وناقله، وتتعاظم المشكلة عندما يكون الناقل وسيلة إعلامية، سواء كانت صحيفة أو موقعا إخباريا، وهنا يزيد التأثير السلبي للخبر، ولا سيما إذا كان مشكوكا في صحته، وجرى نقله حرفيا دون عناء البحث عن مصداقيته وأهدافه.

مشكلة الخبر الذي يكون مصدره مواقع التواصل، أنه من صنع هواة ومواطنين عاديين، قد تكون لديهم توجهات سياسية أو فكرية أو دينية أو اجتماعية معينة، ويحاولون من خلال أخبارهم تحقيق هدف ما أو توصيل رسائل بعينها تحقق أغراضهم، وهو ما يكفي للطعن في شرعية الخبر.

ولأن البعض من هواة بث الأخبار على مواقع التواصل يدركون أن الصورة ومقطع الفيديو يجذبان انتباه المتابعين، فإنهم في الكثير من الأحيان يلجأون إلى حيل أكثر خطورة لتوثيق ما يبثونه، فيعتمدون على صور ومقاطع فيديوهات قديمة، أو يستخدمون التكنولوجيا لصناعة صور مركبة (فوتو شوب) ما يعطي المتلقي بعضا من الطمأنينة، بينما تلك الأدلة الوهمية غير صحيحة، ومطعون في صحتها.

الاعتماد على المواقع الاجتماعية، كمصادر للأخبار، مغامرة محفوفة بالمخاطر، ومع غياب ثقافة التحري والتوثيق، تتعاظم صناعة الشائعات والتضخيم والتحشيد

ولهذا، يظل الاعتماد على المواقع الاجتماعية، كمصادر للأخبار، مغامرة محفوفة بالمخاطر، لأن التكذيب في الغالب سوف يكون مصيرها، إما للخبر كله وإما لجزء منه، ومع غياب ثقافة التحري والتوثيق، تتعاظم صناعة الشائعات والتضخيم والتحشيد، بما يخدم تيارات وأصحاب توجهات بعينها، وفي الكثير من الأحيان يكون هؤلاء من أصحاب العداوات مع الدولة، بما يخدم تنظيمات متطرفة تسعى لاستخدام الشائعة كسلاح لتغييب العقول.

ومن أشكال الخطر، أن الناس العاديين المتتبعين لأخبار المواقع، لا يكلفون أنفسهم عناء تتبع تاريخ نشر الخبر، وهل هو جديد أم قديم، إذ يمكن نشر خبر صحيح لكنه يعود لسنوات ماضية، وبالتالي لا يكون صحيحا في وقت نشره، ما يؤدي إلى تفشي التشويش والارتباك، كما أن هناك من مستخدمي مواقع التواصل من يشاركون أخبارا دوّنت عليها أسماء وصحف شهيرة، مع تبديل اللينك أو الموقع الأصلي.

أحد جوانب المشكلة أيضا، أن الكثيرين من صناع الخبر على مواقع التواصل، يعتمدون على مدى ثقة الناس في ما يقولونه، فيتخذون من ذلك وسيلة لبث معلومات يُفترض أنها مسلم بها عند متابعيهم، بينما يكون الهدف الحقيقي لما ينشرونه موجها، إما بدافع شخصي، وإما لخدمة أهداف أخرى (سياسية) تصب في صالح مؤيدين أو معارضين للحكومات.

يُضاف إلى ذلك، أن هناك من يتعمد أن يصنع خبرا على مواقع التواصل لهدف ظاهر وهو بث السعادة بين الناس، لكن يكون لديه هدف باطن بأن تخرج الجهات الرسمية لنفيه، ما يضاعف من الإحباط ويزيد البُغض على مؤسسات الدولة، وهذا سلاح معروف في حرب المعلومات، قد يكون أكثر وقعا من بث معلومة خاطئة.

ولا يمكن -في إطار الحديث عن الاستخدام السيء لمواقع التواصل- تجاهل أنها إحدى أدوات التنظيمات المتطرفة لمحاربة الدول، ببث صور ومقاطع غير واقعية، لترسيخ فكرة الانتصار والهيمنة، والمثال على ذلك، أن تنظيم ولاية سيناء التابع لداعش الإرهابي في مصر، بث صورا، تظهر عناصره يتجولون وسط الشوارع وبين الناس بشكل عادي في سيناء (شمال شرق مصر)، ويتم استقبالهم بترحاب شديد وبالأحضان، ما يعني قبول سكان سيناء لوجودهم، ومساندتهم ضد قوات الجيش والشرطة، وهو أمر غير صحيح.

خبراء في تكنولوجيا الاتصالات قالوا، لـ“العرب”، إن الطريقة المثلى للتعامل مع الأخبار التي تكون مواقع التواصل مصدرا لها، أن لا يتم تجاهلها بشكل كامل، وكأنها غير موجودة، ويمكن الاستفادة منها في أن تكون بداية للخبر، ونقطة انطلاق، إما لتأكيد المعلومة أو نفيها. والأهم من ذلك، أن يتم التحري عن حقيقة الشائعة، من خلال تتبع مصدرها وهويته وتوجهاته، وكشف ذلك للجمهور، لترسيخ النفي، لأنه في كل الأحوال تفنيد شائعة سهل، بينما تتمثل الصعوبة في البحث عمن هم وراءها.

12