مالارميه وبونفوا يحملان المفتاح السحري للخزانة القديمة

الجمعة 2014/12/05
خيبة مالارميه حسب بونفوا تتبدّى من خلال قصيدتة "السمفونيّة الأدبيّة"

في المقدمة التي خصّصها لمجمل أشعار ستيفان مالارميه الصّادرة عن دار “غاليمار”، كتب الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا يقول: «فهْم مالارميه كان دائما عسيرا ومستعصيا. غير أنني أرى أنه كلّما تعلّق ألأمر به، هو أحد مؤسسي حداثتنا الشعريّة، فإنه علينا ألاّ نتردّد في الرجوع إلى ما يمكن أن يبدو كما لو أنه بعيد عنه: البنى الكبيرة للفكر القديم».

يشير بونفوا إلى أنّ مالارميه أحسّ في بداية حياته بخيبة شديدة إزاء التحولات التي أحدثتها الثورات العلميّة والعقليّة، انطلاقا من نهاية القرون الوسطى في مجال العلاقة بين الإنسان والأشياء منهية بذلك تلك الدهشة التي لازمت القدماء عند وقوفهم أمام أسرار الطبيعة وألغازها.

وتتبدّى خيبة مالارميه حسب بونفوا من خلال قصيدتة “السمفونيّة الأدبيّة” التي كتبها عام 1864 معبّرا من خلالها عن تحسّره على موت الفكر القروسطي القديم.


قصيدة ساذجة


حول قصيدة “السمفونيّة الأدبيّة” التي اعتبرها “مفرطة في المبالغة وساذجة، غير أنها مسكونة إلى حدّ الارتجاف بشهوانيّة متقدة”، كتب بونفوا يقول: «في كلّ أبيات “السمفونية الأدبيّة” ثمّة روح تريد أن تستيقظ في جنّة ربّما لا تمثّل غير تلك الرغبة في الحضور داخل النور الربّاني لتلك الأشياء -الكائنات- التي لا ترتقي إلى صفائها دون فقدان مظاهرها الأشدّ حَسّاويّة، والأكثر حسّية».

ويضيف بونفوا بأن هذا التأثر بالفكر القديم لم يكن عابرا، وإنما هو استمرّ حتى في مرحلة النضج. وهناك عديد القصائد في المرحلة الأخيرة التي تؤكد بما لا يدع للشكّ بأن الفكر القديم لم يكن مجرّد حلم أو حنين مشوب بنوع من العاطفة الدينيّة، وإنما هو عنصر أساسيّ في عالم مالارميه الشعريّ.

وبالرغم من أن العلم كان قد كشف بأن الأشياء لا يمكن أن تدرك إلّا من الخارج، فإن مالارميه ظلّ مصرّا على مواصلة ما كان شائعا عند الزّهاد المسيحيين القدماء، أي معرفة الأشياء من داخلها.

هناك قصائد في المرحلة الأخيرة تؤكد على أن الفكر القديم لم يكن مجرد حلم أو حنين مشوب بنوع من العاطفة الدينية


الحفر في الكلمات


لعل مالارميه وجد في تجربة كلّ من “بودلير” و”إدغار آلان بو” بعد أن نقل إلى لغته الأم قصيدة هذا الأخير الشهيرة “الغراب”، ما ساعده على أن يكتشف أن الشعر الذي يجمع بين الأصوات والمعاني، وبين الموسيقى والأفكار هو وحده القادر على تجاوز المفارقة بين الواقع والاختيار المعرفي.

ومنتشيا بهذا الاكتشاف الرائع، كتب مالارميه معرّفا بالشاعر الحديث: «إن الشاعر الحديث يسير ملكا عبر فتنة جنّة العصر الذهبيّ، ممجدا إلى ما لانهاية نبل الأشعّة، وحمرة الورود، والحمائم، وطيور التمّ، وأيضا البياض الساطع للزنبقة الصغيرة والأرض السعيدة”.

بعد هذا الاكتشاف، بدأ مالارميه ما سمّاه بـ”الحفر في الكلمات”. وهذا “الحفر” الذي أرّق وعذّب الشاعر طويلا حتى أنه كان يسقط على الأرض من فرط الإعياء كان الهدف منه بلوغ أقصى ما تستطيع أن تعبّر عنه الكلمــات.

مالارميه وجد في تجربة بودلير وآلان بو ما ساعده على أن يكتشف أن الشعر قادر على تجاوز الواقع والاختيار المعرفي

غير أن هذا “الحفر” المجهد سرعان ما يرتدّ بالشاعر إلى الفشل الذريع فإذا به يقف من جديد وهو واهن القوى أمام هاوية العدم، لكن ذات فجر ساطع الألوان، يستيقظ الشاعر من جديد، ويتأمل مبهورا صفاء السماء، وألق النجوم وهي تنطفئ الواحدة بعد الأخرى، فيعاوده الحنين إلى الحفر في الكلمات بحثا عمّا يمكن أن يعيد إليه سحر الشعر، وفتنة المجهول. وتطول الليالي، ويطول البحث.


انطفاء الحلم


لكن دون جدوى. ومرة أخرى ينطفئ الحلم، وتخمد الكلمات، وتنفتح هاوية الفراغ والعدم. ولتفسير هذا الأمر، يقول بونفوا: «لقد تأكد مالارميه من أن الجملة التي ننطقها ليست فقط تصورا بسيطا، بل اتصال مباشر بالواقع الذي تسائله، وتصوره، ولكنها مكان يعرض فيه الكائن البشريّ نفسه لخطر السقوط في الفراغ».

بعد إحباط يتواصل عدة أشهر، يعود مالارميه إلى الورقة البيضاء، ويكتب إلى أحد أصدقائه بتاريخ 16 يوليو 1866 يقول: «بالنسبة إليّ، يمكنني أن أقول بأنني عملت خلال هذا الصيف أكثر من كلّ فترات حياتي. وباستطاعتي أن أقول أيضا إن ما قمت به كاف لحياتي برمتها.

لقد وضعت أسسا لعمل رائع. لكلّ إنسان سرّ في داخله. والعديد من الناس يموتون دون أن يعثروا على ذلك (…) أما أنا فقد متّ ثمّ بعثت من جديد بمفتاح ذهبيّ، هو مفتاح آخر خزائني الروحيّة».

14