مالديني يدهش العالم برفضه إدارة ميلان

الأحد 2016/10/16
سليل عائلة نصبت الجماهير أبناءها "فلاسفة" لكرة القدم

برلين - وسائل الإعلام في كافة أنحاء العالم، لا تتوقف عن الحديث هذه الأيام عن قرار النجم الإيطالي الأسطوري باولو مالديني رفض عرض نادي ميلان بتعيينه مسؤولاً فنياً له. يتهم مالديني مشروع “الروسونيري” الجديد بالفشل لانعدام القيم فيه، وغياب المبادئ الرياضية التي تخول النادي من العودة إلى القمة. ويشرح مبررات قراره ذاك بأن هناك اختلافات في وجهات النظر بينه وبين إدارة النادي. بالإضافة إلى عدم معرفته بمالك النادي الجديد، الذي لم يتم الكشف عن اسمه بعد.

لم تثبت الدراسات العلمية بعد أن الجينات الوراثية يمكن أن تنقل ما هو أكثر من الأمراض الوراثية أو صفات التشابه. إلا أن لغز عائلة مالديني الكروية قد يجعل العلماء يبحثون عمّا هو أبعد من ذلك. فارتباط تشيزاري مالديني وابنه باولو بالنجومية وحجز مكانة ترقى لمستوى الأساطير دليل على أن الموهبة يمكن أن تنتقل بالوراثة. نعم يمكن القول إنه وبفضل الاثنين، سطع نجم اسم عائلة مالديني في مدينة الموضة والجمال ميلان وأصبح علامة مسجلة في تاريخ الروسونيري العريق.

تشيزاري النبيل الإيطالي

في الخامس من فبراير عام 1935 ولد أسطورة كرة القدم الإيطالية ونادي ميلان تشيزاري مالديني الذي سطر الحروف الأولى لعائلة مالديني في عالم الكرة المستديرة. لعب تشيزاري بمركز الدفاع منذ بداية ممارسته لكرة القدم في نادي تريستينا بين عامي 1952 و1954. شارك خلالها في 32 مباراةً، انتقل بعدها إلى نادي الروسونيري (الميلان) ليحجز لنفسه مكانة مرموقة، بعد أن لعب معه 12 سنة حقق فيها إنجازات يحسب معظمها لتشيزاري. فكان الصخرة والسد المنيع لدفاعات الروسونيري.

عام 1963 ظفر الميلان بلقب البطولة الأغلى أوروبياً كأس أبطال الأندية الأوروبية والمعروفة حالياً بدوري أبطال أوروبا، بعد أن تغلب في النهائي على نادي بنفيكا البرتغالي، وكان تشيزاري أحد نجوم مسرح النهائي عندما كان قائداً لميلان ورفع الكأس الأوروبية كأول نادِ إيطالي ينال تلك البطولة.

مالديني يتهم مشروع (الروسونيري) الجديد بالفشل لانعدام القيم فيه، وغياب المبادئ الرياضية التي تخول النادي من العودة إلى القمة. ويشرح مبررات قراره ذاك بأن هناك اختلافات في وجهات النظر بينه وبين إدارة النادي. بالإضافة إلى عدم معرفته بمالك النادي الجديد، الذي لم يتم الكشف عن اسمه بعد

الروسونيري يدين لصخرة دفاعه بالكثير ففي تلك الحقبة أصبح الوصول إلى الأخشاب الثلاث أمراً غايةً في الصعوبة على أعرق وأشرس المهاجمين، فتشيزاري كان يعرف جيداً أين يجب أن يقف وكيف يحجز لنفسه المكان المناسب ويسد كل الثغرات.

لقد كان حارس المرمى محظوظاً بهكذا مدافع، وكذلك كان الميلان الذي نال أربع مرات بطولة الدوري الإيطالي مع تشيزاري وعاش مرحلة ذهبية قبل أن ينتقل مالديني إلى نادي تورينو، ويختتم مسيرته الكروية كلاعب هناك في ملاعب تورينو بعد أن سجل حضوره بقميص الميلان بأكثر من 400 مشاركة بينما ختم آخر مواسمه مع تورينو بـ39 مشاركة. أما مع منتخب الآزوري فشارك بأربع عشرة مباراةً من ضمنها كأس العالم عام 1962 في تشيلي.

بعد اعتزاله اللعب انتقل تشيزاري إلى التدريب، عندما عيّن مساعداً للمدرب في نادي الميلان. ثم أصبح المدرب الأول، وحقق كأس الأندية الأوروبية وكأس إيطاليا. ليعيّن مرة أخرى كمدرب في العام 2001. وشهدت الفترة التي شغل فيها مالديني منصب المدرب المساعد لمدرب المنتخب الإيطالي الأول إنزو برزوت، ظفر الآزوري بلقبه العالمي عام 1982 في أسبانيا.

إنجازات ملديني

الطليان يحفظون لمالديني الفضل في بناء جيل كرويّ في الفترة التي تولّى فيها تدريب المنتخب الشاب لعشرة أعوام حصد خلالها ثلاثة بطولات أوروبية، فتوتي وديل بييرو ولوكا توني وبيرلو وباولو مالديني جميعهم يدينون لتشيزاري بالكثير كما الجماهير الإيطالية التي رأت كأس العالم وهي تعود إلى خزائن الكرة الإيطالية في مونديال ألمانيا 2006 بفضل الجيل الذي صنعه تشيزاري.

كان قد أشرف على المنتخب الإيطالي الأول في مونديال فرنسا 1998 وخرج على يد أصحاب الأرض بركلات الترجيح، وقاد البارغواي في مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، كما درب أندية بارما وفوجيا في فترة السبعينات من القرن الماضي.

ربما لم تكن إنجازات تشيزاري عظيمة كلاعب. ولم تكن مدهشة كمدرب. لكنّه بالنسبة إلى الجماهير الإيطالية أسطورة وفيلسوف، ساهم ببناء الكرة الإيطالية لخمسة عقود كاملة. لذلك كان يوم الثالث من أبريل 2016 يوماً كارثياً على الكرة الإيطالية وعشاقها تزامنا مع مرور أيام قليلة على رحيل كرويف مبتكر الكرة الشاملة التي استطاع الإيطاليون إبطال مفعولها في الكثير من المناسبات بفضل مدرسة تشيزاري العظيمة. حتى المنافس التقليدي للميلان وشريكه في ملعب جوزيبي مياتزا نادي الإنتر عبّر من خلال موقعه الإلكتروني عن حزنه العميق لرحيل الأسطورة “منافس عظيم رحل عنا هذا الصباح، لسنوات عديدة في ميلان كان مالديني البطل الرئيسي للديربي”.

الاسم الذي يحمله باولو يشكل عبئاً عليه. فالجميع كان ينظر إليه على أنه خليفة والده تشيزاري، لكن باولو كان ينظر إلى صناعة تاريخ خاص به بعيدا عن علاقة والده بالروسونيري وكرة القدم.

باولو الأسطورة الحية

خمسة وعشرون عاماً كانت كفيلة بأن تجعل اسم باولو علامة كروية خالصة للروسونيري. ليكمل ارتباط عائلة مالديني بهذا النادي منذ خمسينات القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

باولو الذي ولد في السادس والعشرين من شهر يونيو عام 1968، نشأ وترعرع مع كرة القدم منذ أن بدأ يسير خطواته الأولى. يذكر أبناء حيّه جيداَ أنه كان يحمل الكرة التي تكاد تكبره حجماً، وكان يبحث في الشوارع والحدائق عن شريك يركل معه الكرة، يعتقد باولو أن عشقه لكرة القدم منذ الطفولة كان أمراً مرتبطاً بالجينات، وعندما بلغ العاشرة من عمره انضم إلى أكاديمية ميلان.

كان الاسم الذي يحمله باولو عبئاً عليه فالجميع كان ينظر إليه على أنه خليفة والده تشيزاري لكن باولو كان ينظر إلى صناعة تاريخ خاص به بعيداً عن علاقة والده بالروسونيري وكرة القدم، أراد أن يثبت للجميع أيضاً أن باولو لم يقتحم أسوار الميلان في ظل أبيه.

في العشرين من يناير لعام 1985 شاهدت جماهير الميلان باولو ابن السادسة عشرة لأول مرة في مركز الدفاع على أرض أودينيزي في المباراة التي انتهت بهدف لمثله ضمن مباريات الدوري الإيطالي. وبعد أربعة أعوام كان على موعد مع أول ألقابه الأوروبية مع الروسونيري أمام بوخارست الروماني في النهائي الذي أقيم على أرض الكامب نو عام 1989. حينها فاز الميلان بأربعة أهداف نظيفة. ظهر باولو الشاب إلى جانب عمالقة كرة القدم، كالثلاثي الهولندي فان باستن وغوليت وريكارد إلى جانب دونادوني وكوستاكورتا.

وتمكن في العام ذاته من حصد أقوى البطولات “الكالتشو وكأس إيطاليا وكأس السوبر الإيطالية وكأس الأنتر كونتيننتال وكأس السوبر الأوروبية”.

باولو يملك طريقة خاصة في اللعب. فتشتيت الكرات ليس من أسلوبه بسبب التزامه بوصية والده تشيزاري الذي نصحه إن مارس كرة القدم وأصبح مدافعاً أن يحافظ على استمرار اللعب، لا ينظر إلى خطواته، فدائماً ما تراه ينظر إلى الأمام، يمتاز بدقة تمريراته، محتفظاً بدوره الكبير في نقل نسق اللعب من الدفاع إلى الهجوم، ونادراً ما يعمد إلى تهدئة اللعب.

صحيح أنه يشغل الجهة اليسرى معظم الأحيان، إلى أنه لا يملّ من الانتقال من مكان إلى آخر، إذا ما دعت الحاجة لذلك. لم يعتد المدربون طوال 25 عاماً أن يوجّهوا لباولو ماذا يفعل. لأنه كان يعلم جيداً ما يفعله بقراءته للمباراة والمنافس كما لو كان مدرباً. وكانت قرارته وتوجيهاته لزملائه تحظى دوما بالرضى التام والتسليم لما يراه باولو سليماً.

موسم 1993-1994 كرر باولو الإنجاز الأوروبي بنفس النتيجة أمام نادي برشلونة الإسباني، وكان محظوظاً أيضاً أن يحمل بيديه اللقب الأوروبي للمرة الثالثة في تاريخه أمام اليوفي موسم 2002-2003. وفي عام 2007 عاد مالديني ليحمل الكأس الأوروبية مرة أخرى أمام ليفربول، بعد عامين من الخسارة التاريخية التي عرفت بمعجزة إسطنبول. حينما كان الجميع ينتظر تتويج الروسونيري باللقب قبل أن يقلب ليفربول النتيجة.

الأفضل في تاريخ الميلان

كان النهائي الثامن في تاريخ باولو. ويذكر جيداً أنه خاض المباراة تحت تأثير المسكّنات التي جعلته يغيب عن الواقع في كثير من الأحيان حتى إنه بعد يومين من تلك المباراة استيقظ عشرين مرة بعد عمليته الجراحية التي خضع لها في ركبته ليسأل نفسه هل فزنا أم خسرنا.

باولو يملك طريقة خاصة في اللعب. فتشتيت الكرات ليس من أسلوبه بسبب التزامه بوصية والده تشيزاري الذي نصحه إن مارس كرة القدم وأصبح مدافعا أن يحافظ على استمرار اللعب، لا ينظر إلى خطواته، فدائما ما تراه ينظر إلى الأمام، يمتاز بدقة تمريراته، محتفظا بدوره الكبير في نقل نسق اللعب من الدفاع إلى الهجوم

حطم باولو كل الأرقام القياسية مع الميلان سبعة ألقاب في الدوري الإيطالي ولقب كأس إيطاليا، وخمسة ألقاب في بطولة دوري أبطال أوروبا ومثلها في كأس السوبر الأوروبي وكأس السوبر الإيطالي وكأس الأنتر الكونتيننتال مرتين وكأس العالم للأندية مرة واحدة، وحطم الرقم التاريخي المسجل باسم أسطورة الميلان فرانكو باريزي الذي لعب 512 مباراة مع الميلان. وتجاوز ذلك الرقم بكثير حينما خاض في السادس عشر من شهر فبراير عام 2008 مباراته الرقم 1000 بقميص الروسونيري.

ولازال رقمه القياسي الذي سجله في نهائي إسطنبول كأسرع هدف بتاريخ نهائي دوري أبطال أوروبا صامداً حتى اليوم. ارتدى شارة القائد مع المنتخب الإيطالي أكثر من 64 مرة في 126 مباراة خاضها بقميص الأزرق، وخاض 174 مباراة في المسابقات الأوروبية، وما ينقص السجل التاريخي لباولو، هو بطولة قارية أو مونديالية مع المنتخب الإيطالي رغم مسيرته الطويلة.

كان باولو مثالاً للاعب الخلوق وقريباً من قلوب الجميع وأجبر منافسيه على احترامه، “من لا يعرف باولو لا يعرف كرة القدم” هكذا قال عنه مارادونا الأسطورة الأرجنتينية. أما زيدان فأجاب عندما سألوه عن الميلان “عندما يكون مالديني أمامي، أتمنى أن ألعب في الجهة المقابلة للجهة التي كان يلعب بها”.

رأى فيه الظاهرة البرازيلية رونالدو أفضل مدافع في التاريخ وأعظم من واجه. أما ديل بييرو نجم السيدة العجوز والمنتخب الإيطالي فقال عن باولو “هناك لاعب جيد ثم نجم عظيم وبعده أسطورة، لكن فوق كل هؤلاء يأتي باولو مالديني، إنه أفضل مثال للاعب كرة قدم. وكلنا نحتذي به ونعتبره نموذجا مشرّفا”.

لكن جماهير الميلان اختصرت كل عبارات الإطراء بعد أن أطلقت على باولو لقب “الرجل النبيل”، ولازالت تنتظر النجم القادم لعائلة مالديني كريستيان حفيد تشيزاري ونجل باولو من زوجته الفنزويلية أدريانا فوسا. وإلى ذلك الحين سيبقى قرار نادي الميلان بحذف الرقم 3 من تشكيلة الفريق ساري المفعول حتى يثبت كريستيان أحقيته بهذا الرقم. ويبقى مالديني الفيلسوف والنجم، الذي حتى حين يرفض عرضاً للعمل، فإنه يرفضه بطريقته الخاصة. ولمبادئه النبيلة ذاتها.

9