مالك فتيل: الربيع العربي نقلنا إلى سطوة سياسية جديدة

الأربعاء 2014/06/04
فتيل: بعض كتاباتي تزعجني شخصيا وأتردد كثيرا في نشرها

الخبر (السعودية) - عن “مطبوعات أدبي” الشرقية في السعودية صدر للشاعر السعودي مالك فتيل ديوانه الشعري الأول “مونولوج في 61 دقيقة” في محاولة لصناعة الشعر عبر فضاء الزمن. فمع كل قصيدة يأتي رقم تصاعدي، ومع كل صفحة تشعر بتلك “التكّة” الرقمية التي تقرّبك من موعدك دقيقة جديدة. “العرب” التقت فتيل لتتحدث إليه عن مولوده الإبداعي وعن المشهد الثقافي السعودي وعن عديد القضايا الأدبية الأخرى، فكان هذا الحوار.

كأن الزمن الشعري في “مونولوج في 61 دقيقة” يحرق لحظات القصيدة واحدة تلو الآخرى في غرفة انتظار وجداني/مونولوجي شبيهة إلى حدّ كبير بطوابير الانتظار في المطارات، وفي البنوك، وفي الدوائر الحكومية التي تفترض نسبية الزمن بين الروتيني والمرتبك والآمل والقلِق.


61 مونولوجا رقميا


من خلال واحد وستين رقما مونولوجيا يقترح فتيل واحدا وستين نصا شعريا قصيرا للقراءة التي لربما تقع زمنيا في ساعة ودقيقة -كما يقترح المونولوج ضمنيا- وربما سيحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك بكثير، خصوصا عندما يتاح للمتأمل الشعري أن يأخذ مكانه الصحيح بين مقاعد النصوص الرقمية ليهيّئ لنفسه الفرجة المناسبة بين نص وآخر. عن هذا الشأن يعلّق فتيل: “بطبيعة الحال، فإن الدقيقة هنا لا تعني تلك الوحدة الزمنية، بل هي تمثل أمرا آخر: نصا، وقفة، منصة، موقعا…، للمتلقي أن يعيرها دلالته الخاصة، أتوقع أن القارئ سيتعمّد الإفلات من الزمن المقرر -ضمنيا- وسيخلق زمنه الخاص، وهذا جوهر العمل ككل، الانفلات من القيد (الزمن هنا)، فالزمنُ وهمٌ، كما كان يكرر أينشتاين “ليس ثمة زمن”، هذا التقسيم ما هو إلا تقسيم وضعي، ولا دليل على حقيقته، والوهم ينسحب على مجمل السياجات المفاهيمية المقيدة والحاجزة لحرية الإنسان”.

عجنتُ بعض النصوص بحالة إنسانية ترغب في القفز على السياسي لتنحاز إلى الإنسان الثائر


توتر نصي


رغم أن نصوص المونولوج لها اشتغالها النثري الواضح إلا أنها في بعض المناطق تستسلم للغنائية تاركة الكائن الشعري على طاولة أخرى، الأمر الذي أوقع القارئ في التباسات نسبية في ما يخص الصورة الشعرية وتكوّنها في فضاءات القصيدة مرتبكة الهوية عن ذلك يحدثنا مالك فتيل قائلا: “أتصور أنه علينا الاشتغال على تقديم صوتنا الخاص للقارئ، الصوت الذي يتكون من المعجم والأسلوب والإيقاع ويغايرهم في الوقت نفسه، وعادة يختار الشاعر بين النثرية والغنائية (الإيقاعية العروضية)، الخلط بينهما مزعج، ولا أعلم لمن سيكون مزعجا أكثر؟ للنثري أم للعروضي! الإزعاج بحد ذاته أمر جيد، لكنه ليس هدفي هنا، هدفي في هذه التجربة والتي كتبت قبل عامين أن أقدم نثرا مموسقا مستساغا بقدر الإمكان يبتعد عن الصوت المسطح ذي البعدين، وهي دعوة قديمة نوعا ما للأخذ بيد النثر للاقتراب خطوة من الذاكرة الشعرية، أو أن أقدم غنائية منثورة تبتعد عن سطوة ذاكرة القارئ التي تزيح الصورة عن مكانها وتسيّجها بإطار تقليدي”.

ويضيف فتيل في ذات الشأن: “بعض النصوص تزعجني شخصيا، وتردّدت كثيرا في نشرها، ولكن، تبقى التجربة تجربة، لا أجد نفسي ممن يمسحون آثار أقدامهم، وبطبيعتي لست ممن يحوّلون الأثر إلى مقام”.


قصيدة النثر


رغم أن مالك فتيل عرف في المشهد الشعري على أنه شاعر “شعبي” له قاموسه الخاص، أجاد لعبة اللّهجة الخليجية المحليّة، ولعب في فضاءاتها بشكل مقنع، وكوّن من خلال ذلك كله جمهوره الذي ينتظر قصيدته المحكية، إلا أنه اختار أن يقدّم نفسه كشاعر من شعراء قصيدة النثر. يقول فتيل: “إن الكتابة المحكية الخليجية هي مشروع يهدف إلى التصدّي، ومواجهة التغوّل الشعري للهجتي العراق ونجد في المنطقة، مشروع يهدف لإعادة الثقة إلى اللهجة المحلية كونها حاملة لثقافة الإنسان المتنوعة وحضارته المتجذرة. إنها محاولة لشعرنة المحكي البسيط (البسيط العصري وليس المعجم الشعبي القديم)، وإثبات أنه الأجمل والأكثر أناقة من بين المحكيات، هو في جوهره تأكيد و تمييز هوية إنسان هذه المنطقة، أما بالنسبة لصدور النثري قبل الشعبي فالأمر برمته لم يكن مخططا له بهذه الطريقة أو بتلك، ولم يتبادر إلى ذهني هذا التساؤل، إذا كان القارئ يجدني كاتبا “شعبيا” فلا أظن أن نتاجا نثريا سيؤثر على هذا الانطباع، و سينطبق الأمر نفسه على الحالة إن عُكست”.

المجموعة لم تخلُ من تأثيرات الربيع العربي

وحول إذا ما كان الكتاب “المطبوع" يقدّم هوية الشاعر بشكل رسمي إلى جمهوره بصفة ما علّق فتيل متسائلا: “المثير -هنا- هو لفظ “رسمي” وكأن اللّفظ يوحي بأن المطبوع يرسم ويقرر وجه الشاعر للمتلقي، وهذا أمر في حاجة إلى تأمل، فالمطبوع له منافس جديد، فالشبكات الاجتماعية أصبحت تضفي الرسمية على نتاج المبدع بشكل فعّال وآني، بل هي أكثر من ذلك، فهي منصة للاختبار والترسيم في آن واحد، تختبر إلى أيّ مدى ستتدحرج كرتك البيضاء، أي فعل ستفعله على الطاولة، وعندما تسقط إحدى الكرات الملونة في حفرة ما تحسب لك بالتأكيد”.

الربيع العربي

لم تخل مجموعة “مونولوج” من تأثيرات الربيع العربي، فقد عجنت بعض النصوص بحالة إنسانية ترغب في القفز على السياسي لتنحاز إلى الإنسان الثائر بمعزل عن هويته وطينته وانحداره القبلي أو الطائفي أو العروبي أو الأيديولوجي. وهذا ما يؤكده شاعرنا بقوله: “بالتجربة، يثبت السياسي أنه ذو جيب مثقوبة، لا يمكنه حمل مضامين إنسانية حتى آخر الطريق، فهو مستعد بطبيعة القناعات السياسية العامة أن ينزع جلده إذا سنحت له فرصة سياسية ما، لذا لا يمكن التعويل عليه، كل ما كان في الأمر أن الربيع العربي نقلنا من حالة إلى أخرى، نقلنا إلى سطوة سياسية جديدة، وضعنا على سكة أخرى للتراجع، فقط، كنا قد تنفسنا الأمل، انتعشت صدورنا ثم عدنا إلى المناخ الخانق. يبقى الإنسان وحده -وحده دون توصيفات أخرى- بهمومه اليومية البسيطة، بآماله وآلامه، بتطلعاته وإحباطاته، بيقينه وحيرته، الوحيد الذي يستحق الكتابة”.

15