مالي تنسج الحضارة الإنسانية على السجاد والملابس

تأتي حرفة النسيج في المرتبة الثانية بعد الزراعة من حيث الأهمية الاقتصادية في القارة الأفريقية منذ القدم، غير أن النساجين لم يكتفوا بحياكة الأقمشة والبطانيات لاستعمالها أو بيعها، بل حاولوا جاهدين أن يرسموا المرحلة التي كانوا يعيشونها من خلال رسومات ورموز لم يعرفوا أنها ستكون شاهدة عليهم وعلى حضارتهم
الخميس 2015/08/20
عشرات من المنسوجات التي يضمها المتحف الوطني بباماكو

باماكو - “هنا، بإمكانكم العثور على ملابس قديمة مطرزة عليها آيات قرآنية، يعود تاريخها إلى العصور الوسطى”.. بهذه الكلمات الممزوجة بنبرة فخر ظاهرة، استهل نائب مدير المتحف الوطني في مالي، ساليا مالي، حديثه، مستعرضا جملة المنسوجات التي تعدّ من أعرق ما يوجد في المتاحف الأفريقية، وتقف شاهدة على عمق الحضارات الإنسانية فيها.

منسوجات عابرة للزمان، تحوّلت اليوم إلى شاهد على التنوّع الحضاري للقارة الأفريقية، وأضحت من الموروثات التي يفتخر بها الأفارقة عموما وسكان مالي على وجه الخصوص، وينسجون حولها آلاف القصص، منها ما هو مستوحى من الأدب المحكي المتوارث، ومنها ما ينحدر من حقائق تاريخية ثابتة.

المسؤول عن المتحف، أوضح، أنّ “هذه المنسوجات تعتبر مصدر فخر لمالي، وقد وقع اكتشافها، بين عامي 1960 و1964، في كهوف سانغا ببلاد دوغون الواقعة شمال غربي البلاد على مستوى جرف باندياغارا، قبل أن تنقل، منذ 2002، إلى المعرض الوطني بالعاصمة باماكو”، مشيرا إلى أنّ “بعض تلك المنسوجات يعود إلى القرن الحادي عشر ميلادي، وأنّ أحدثها يعود إلى القرن الثامن عشر ميلادي”.

ويقول ساليا مالي “إنها أقمشة عادية بالنسبة للحقبة الزمنية التي وجدت فيها”، ويتابع وهو يجوب أروقة المتحف، “ومعظمها باللونين الأبيض والأسود والأصفر، ونحن نعلم جيّدا أنّ شعب الدوغون يلبس موتاه الثياب قبل دفنهم، ثمّ إنّ العيّنات التي ترونها معروضة هنا، تعتبر الأزياء التقليدية التي استخدمها القدماء أو الأسلاف لدفن موتاهم”.

الآيات القرآنية المدونة باهتمام على المنسوجات يعتبرها الماليون القدامى كتابات كشف عنها الإله، ما يعني أنها –حسب المخيلة الشعبية القديمة- مصدر للقوة الخارقة، ولذلك، قاموا بتطريزها ورسمها على القماش

العشرات من المنسوجات يضمها المتحف الوطني بباماكو.. أزياء متنوّعة، وقد تورث الزائر إحساسا بالغربة وهو يتجوّل بين تلك الأروقة والملابس الغريبة التي تروي تاريخ الشعوب وخصوصية عاداتها وتقاليدها على مرّ السنين، كما تكشف عن الجانب الديني في حياة الأفارقة عموما.

وبخصوص الآيات القرآنية المدوّنة باهتمام على المنسوجات، أوضح ساليا مالي، مشيرا بإصبعه إلى الأقمشة المقدّسة المعروضة أمامه، أنّ “الأسلاف كان يعتبرونها كتابات كشف عنها الإله، ما يعني أنها –حسب المخيّلة الشعبية القديمة- مصدر للقوة الخارقة، ولذلك، قاموا بتطريزها أو رسمها على أزيائهم وملابسهم”. ومن بين أشهر المنسوجات والأقمشة، وأكثرها رواجا لدى سكان مالي، يوجد الـ”البوغولان”، والذي يعدّ مفخرة لجميع السكان بمختلف انتماءاتهم، كما أن الحرفيين غالبا ما يقومون ببيعه للسياح.

ويفسر المسؤول عن المتحف أن “البوغولان”، “هو مصطلح بلغة بامبارا المحلّية، وينقسم إلى كلمتين: بوغو، وتعني الأرض، ولان، تعني التقنية، والأخيرة تعتمد على استخدام الطين الذي يحتوي على أكسيد الحديد، والذي لا يمكن تثبيته على القماش الأبيض إلا إثر مزجه مع سائل مغلّى من شجرة تسمى “النغالاما”، وهذا يعني أنّ “قماش البوغولان مصنوع من منتجات لا تحتوي على أي مواد كميائية أو صناعية، بعكس المنسوجات والأقمشة المتداولة اليوم، ما يشهد بأنّها أصلية”. وإلى جانب البوغولان، تنساب أقمشة من أنواع مختلفة على رفوف المتحف في خيلاء تليق بوهجها الذي لم يخفته الزمن، بينها قماش التيلبي المطرّز والقادم من تمبكتو ودجيني (شمال).

المتحف الوطني بباماكو، والذي أنشئ في 1953، قبل أن يقع تجديده في 1981، يعدّ ثاني أكبر المتاحف الأفريقية بعد المتحف الوطني بجنوب أفريقيا، ويضمّ على مساحة تقدّر بألف و700 متر مربع، مجموعات إثنوغرافية وتحفا من الفنّ المالي. أما القاعة التي تحتضن المنسوجات، فتمسح حوالي 600 متر مربّع.

20