مانديلا السوري

الثلاثاء 2013/12/10

«فقد العالم في رحيل نيلسون مانديلا مناضلا رائدا لكفاح البشرية بأسمى المعاني من أجل الحرية والعدالة والمساواة وملهما لقيم المحبة والأخوة الإنسانية وسيبقى يلهم الأجيال على مدى السنين كما ستستمر الأمهات بولادة المناضلين الصلبين والصابرين». وأضاف البيان.. «لقد كان المناضل نيلسون مانديلا برمزيته حركة تحرر كاملة تعلمت منه الأجيال والشعوب والبلدان سبل الكفاح من أجل الحرية والعدالة، إذ ضرب طوال حياته الأمثال بصموده وصبره وزرع القناعة المهمة بأن الحق لا يموت مادام وراءه مطالبون ومناضلون من أجله». وتابع البيان «وبهذا أصبح مانديلا مشعلا للمقاومة والتحرر من العنصرية والكراهية والاحتلال والقمع وأصبح تاريخه النضالي ملهما لكل الشعوب المستضعفة في العالم، وبانتظار أن يتعلم الظالمون والمعتدون الدرس بأنهم في النهاية هم الخاسرون مهما عظمت إمكاناتهم وتعددت وسائل عدوانهم، ومهما تجبروا وطغوا وعاثوا في الأرض فسادا». «في حياته وبعد مماته سيكون نيلسون مانديلا أنموذجا للمناضلين الأحرار المدافعين عن قضايا الشعوب العادلة وسيبقى دائما لأهله ولشعب جنوب أفريقيا ولكل المناضلين في العالم رمزا للصبر والصمود والتحرر».

صدق أو لا تصدق، أن هذا البيان المعظِّم لشأن الرجل وما يمثله، لم يصدر عن قيادة الثورة السورية، ولا عن أي جهة تمثل انتفاضة الشعب السوري الباسلة، ولكنه بيان أصدرته غرفة عمليات الموت في قصر المهاجرين، بأمر مباشر من سفاح دمشق.

تتدفق في سطور الرسالة مفردات: الحرية والعدالة والمساواة والمحبة والنضال والأخوة والتحرر والكفاح والحق والشعوب والصبر والصمود والقناعة والمقاومة. في مواجهة: القمع والتجبر والعدوان والفساد والكراهة والاحتلال والطغيان.

حسنا فعل لص الأرواح، المتعطش للدماء، بإصداره هذا البيان، حسنا فعل نظام الموت والإبادة الجماعية بإذاعة هذه الكلمات التي أعمل بمعانيها تمزيقا وتنكيلا وسحقا على مدار سنوات الانتفاضة الشعبية العارمة، على مرأى من العالم كله. فليس ثمة جنون ولا عته ولا فجور أكثر من أن يتكلم سفاح بلغة الضحية، بينما هو يعمل فيها سلخا وتقطيعا، ويمعن في توزيع أشلائها على أربع جهات الأرض. هنيئا للعالم بهذا البيان الوقح، وبالاستخفاف الفاجر بأرواح البشر، وبالإهانات التي لا تنتهي للكرامة الإنسانية، يوجهها، اليوم، إلى العالم، إرهابي دولي متعطش للدماء لم يترك اسما لمدينة أو بلدة أو قرية في سوريا، إلا وجعله اسما لمذبحة جماعية مروعة، ولم تنته فظائعه عند حدود الإبادة بالغاز في ريف دمشق، ولكنها تتواصل إلى اليوم بكل آلات الموت.

كان يمكن لمثل هذه الفعلة المرعبة، المتمثلة في بيان يصدر عن قصر المهاجرين ويلوث اسم مانديلا العظيم، أن تثير غضب العالم أجمع، واشمئزازه ونفوره من هذا العدوان الوقح على الرجل والحقيقة.

لكن عالماً يسمح لمصّاص دماء بارتكاب الفظاعات بحق البشر، وينقل له جرائمه المروعة على الهواء، مباشرة، إلى جميع الأمم، مشفوعة بتعليقات المعلقين، من دون أن يسمح بظهور قوة أممية رادعة تستند إلى شرعة الأمم، تتحرك لإنقاذ البشر المهددين بالفناء، في بلاد باتت عصفا مأكولا، ولا حتى ببارقة أمل في وقف أعمال الإبادة وإنقاذ ما تبقى من سوريا البشر والاجتماع والعمران، عالم متخاذل يسمح بكل هذه البربرية ضد الإنسان وحضارته، يستحق أن يسمع من سفاح قصر المهاجرين أكثر مما سمع اليوم من عدوان على الحقيقة.

إن انحناء العالم بأسره، اليوم، أمام قامة مانديلا الشاهقة لهو ضرب من النفاق والكذب والزيف والخداع، ما لم يقترن باحترام القيم التي مثلها نيلسون مانديلا وكرس حياته لأجلها، وأولها احترام حق البشر بالحياة، وبالكفاح لأجل استعادة ما فقدوه من حرياتهم وكراماتهم وأرواحهم بفعل الطغيان، وحقهم في الاختيار، وهو ما منع منه السوريون بشكل صارخ، وبشيء كثير من التواطؤ الدولي. وعلى رغم تضحياتهم الأسطورية لأجل الحرية، فإن العالم بأسره خانهم خيانة موصوفة.

إن أي قراءة لرسالة قصر الموت في المهاجرين الموجهة إلى قامة أيقونة الحرية في العالم، والشخصية الأكثر تسامحا التي عرفتها العصور الحديثة، لا يمكنها إلا أن تستهول ذلك الفصام المرعب بين الكلمات وقائلها. فمن سرق من الآخر كلمات الحرية والعدالة والحق والمقاومة؟ نظام الطاغية، أم الثورة التي قامت لتخليص سوريا من نصف قرن من العبودية وَوُوجهت بكل آلات الموت؟

إن سؤالا كهذا يعيدنا إلى نصف قرن من العدوان مورس على قاموس الحرية، التي طالما ضحى لأجلها السوريون، من قبل نظام عسكري أمني طائفي قروسطي اختطف البلد القلب في إقليم الشام، ومعه شعارات ومفاهيم العروبة، والحرية والعدالة والاستقلال والنضال الوطني لأجل فلسطين، وأحاله من جمهورية واعدة بدولة ديمقراطية، إلى ثكنة عسكرية مطوقة بمستعمرات أمنيّة انتشرت في جسد سوريا كالسرطان، وجعلت من ساكنته عبيدا لحزب وقائد وعائلة، وضحية يومية لمنظومة من العصابات الشرهة المفسدة في الأرض والبشر، وكلها تعود إلى عائلة القائد الذي جعل من نفسه ربا أبديا للسوريين. وها هو وريث السفاح الأب يتبارى مع خيال أبيه، ويحيل سوريا بأسرها إلى خراب.

ولم يكن ما سلف هو كل السرقات التي ارتكبها نظام دمشق الوريث الدموي، بل إن أخطرها، هو قيامه بالتخطيط والتنفيذ لسرقة مدنية الثورة السورية وسلميتها، وتحويلها من انتفاضة سلمية عارمة لأجل الحرية والكرامة، إلى حرب طائفية ضروس تأكل البشر والحجر والأخضر واليابس، وتنذر بمستقبل من الهلاك ليس في سوريا وحدها وإنما في كامل الإقليم. وبذلك ينتقم هذا النظام الفريد في طغيانه من السوريين وحضارتهم ومستقبلهم، عن طريق سرقة الامتياز الإنساني والأخلاقي الرفيع الذي مثلته ثورتهم في شهورها الأولى، بعدما عجز عن فهم لغتهم وقرر إخضاعهم بالرصاص، وينتقم أيضا من كل من تعاطف مع الثورة السورية في الإقليم.وهذا إنما يكشف عن ذلك الفارق الحضاري المرعب بين ذهنية الطاغية المتخلف وذهنية الشعب السوري الثائر بمكوناته الروحية والسيكولوجية المتحضرة.

لقد أمكن لمثل هذا النظام اللاأخلاقي المرعب أن يخيم على حياة السوريين ويسود لنصف قرن من الزمن برخصة دولية لم يعد أمرها خافيا على أحد، وأخضعهم عن طريق القمع الدموي والإرهاب اليومي والتمييز العنصري على أساس طائفي تحت شعارات ويافطات شتى التصَّها من قاموس الحرية والعروبة والتحرر والعدالة، والاشتراكية وفلسطين.. إلخ. إنها مفردات القاموس نفسه الذي سرقت منه، هذه المرة أيضا، كلمات الطاغية في هجاء الطغاة، وامتداح الحرية.

أخيرا، فإن الفارق بين الخصم العنصري العرقي لمانديلا، الذي لم يستعمل الطائرات والمدافع والبراميل والكيماوي ضد الأكثرية السوداء، يجعل من آبارتهايد جوهانسبرغ حمامة سلام إزاء الخصم العنصري الطائفي للسوريين الذي جعل من جنّة سوريا جهنم الأرض. إن هذا الفارق الفادح ليجعل من أصغر طفل شهيد في درعا ودمشق والنبك وحمص وحلب، مانديلا سوري بقامة لا تقصر عن قامة مانديلا.

بقي أن نتساءل، بينما نحن نودّع الأيقونة الكونية: مانديلا، ترى هل ستشرق شمس يوم علينا نحن العرب ونجد بيننا من يستلهم الدرس العظيم الذي لقنه ماديبا للعنصرية، بينما هو يقوّض بإنسانيته الشاسعة منظومتها الغاربة.

حري بثورة السوريين لأجل الحرية والكرامة أن تكون الرحم الذي يولد من صلبه الدامي رجال ونساء يمثلون تلك القيم التي دفع لأجلها ربع مليون شخص حياتهم، وشرد من أجلها نصف الشعب السوري في أربع جهات الأرض.


شاعر سوري

8