مانويل جوزيه طاووس برتغالي صنعه الأهلي وعشقته الجماهير

السبت 2015/11/14
مانويل جوزيه مدرب براغماتي يبيع العواطف ويشتري الصراعات

القاهرة- هناك نصيحة برتغالية شهيرة تقول أن “من يغير نفسه يتغير حظه)، لهذا فكر البرتغالي مانويل جوزيه في تغيير حياته التدريبية تماما هربا من سوء الطالع، فقبل العرض المقدم له من النادي الأهلي المصري في العام 2001، رغم أنه كان وقتها يستعد لاستقبال عامة الخامس والخمسين، ولم يكن قد غادر بلاده للعمل خارجها من قبل حتى في الدول الأوروبية القريبة منه.

القرار الذي بدا عصيا على الفهم لكثيرين من أصدقاء المدرب العنيد، بالتحول إلى أدغال أفريقيا، كما يتصور كثيرون، بحثا عن تحد جديد، كان السبب في صناعة اسم مانويل جوزيه، وتحوله من مدرب متوسط المستوى يدور في فلك أندية الوسط البرتغالية إلى أيقونة تدريبية في تاريخ نادي القرن الأفريقي.

الحظ كان حليفا لجوزيه، منذ أن وطأت قدماه مطار القاهرة، رغم صعوبة ضربة البداية مع فريق النادي الأهلي، حيث وجد المدرب البرتغالي نفسه وجها لوجه أمام أحد أكبر الأندية الأوروبية، هو ريال مدريد الإسباني، والمفعم آنذاك بنجوم الكرة، مثل الإسباني راؤول جونزاليس والفرنسي زين الدين زيدان، والإنكليزي ديفيد بيكهام، والبرتغالي لويس فيجو.

بداية ملكية

في عالم كرة القدم، دائما ما تكمن صعوبة ضربات البداية في اللقاءات الرسمية، لكن هناك لقاءات ودية أكثر أهمية من مثيلاتها الرسمية، فقد واجه الأهلي فريق ريال مدريد الملقب بـ “الملكي”، على هامش احتفالات الناديين بتتويجهما ناديي القرن في أفريقيا وأوروبا، واتخذ جوزيه مكانه على مقعد المدير الفني، وكتب فوز الأهلي بهدف في المباراة التي أرخت شهادة اعتماد المدرب الجديد لدى الجماهير.

البداية الملكية لجوزيه جعلت الجماهير تكف عن البحث في سيرة المدرب الذاتية المتواضعة، وإنجازاته الضعيفة في مجال التدريب، واكتفت أنه قاد الأهلي لقهر ريال مدريد، ومن هنا بدأت قصة العشق بين المدرب والجماهير.

هذه الشهادة شفعت لجوزيه في العديد من المواقف التي شهدتها السنوات التالية، ففي مجتمع تحكمه العواطف فقط، نال البرتغالي رضا جماهير الأهلي، وساهمت عدة عوامل في تحقيق أسطورة هذا الرجل، التي لم تتحقق سوى على أرض المحروسة.

يأتي ذكاء جوزيه على رأس تلك العوامل، ما ساعده على التقرب للشخصية المصرية، واكتساب خبرة التعامل مع الجماهير قبل اللاعبين، فضلا عن شخصيته القوية والعنيدة، ودعم مجلس إدارة النادي له وهي خلطة جعلت لاعبي الأهلي مثل عقارب الساعة، في الالتزام الذي فتح الطريق لتحقيق البطولات.

علاقة الصداقة القوية التي ربطته بمحمد أبوتريكة لم تكن تعبيرا عن مشاعر حقيقية من المدرب "البراغماتي" تجاه لاعبه الملتزم والمميز بقدر ما كانت محاولة ذكية لاستغلال مكانته الكبيرة في قلوب الجماهير

ساحر السعادة

صار جوزيه أيقونة السعادة لجماهير الأهلي، وصاروا له السند، رغم أنه اشتهر بالعصبية، وكان دائم التلويح بيديه اعتراضا على قرارات الحكام، لكن في مصر لا يمكن هزيمة رجل يحمي ظهره جيش من الجماهير، ويملك في يديه سلاح الشعبية التي فاقت شعبية الساسة ونجوم السينما، لهذا كانت كل ذنوبه مغفورة جماهيريا حتى بعدما رفع حذاءه في الملعب اعتراضا على ما وصفه بالظلم التحكيمي.

نال جوزيه لقب “الساحر”، بعد أن نجح في الوصول لقلوب جماهير الأهلي بردود أفعال ومواقف آسرة، أبرزها عندما رصدت كاميرات الفضائيات الرجل صاحب الملامح الصارمة وهو غير قادر على حبس دموعه حزنا على رحيل محمد عبد الوهاب، لاعب الفريق الذي غيبه الموت في ريعان شبابه، قبل أن يكمل عامه الخامس والعشرين، ووقف جوزيه متقمصا شخصية مصرية خالصة، يتلقى التعازي وكأنه أحد أفراد عائلة اللاعب.

ذكاء جوزيه وتعمده السير عكس التيار وانحيازه للطرف الأضعف، لفت إليه الأنظار وحاز إعجاب الجماهير، وفي الوقت الذي شهدت الملاعب المصرية هجوما حادا على رابطة الألتراس، نجح جوزيه في كسب ثقة وتأييد شبابها الفائر، ولم ينس شباب الألتراس الذي اعتاد الهجوم على كل من يخالفه الرأي، يوم أن ألقى الأمن المصري القبض على أحد زملائهم، عقب مباراة للأهلي بالقاهرة، أن جوزيه ذهب إلى سيارة الشرطة وتوسط للعفو عن الشاب، الذي عاد واحتفل مع الجماهير.

من يومها بات اسم البرتغالي هو الهتاف الذي يهز أرجاء الملعب متقدما على أسماء كبار النجوم، لكن الرجل المخضرم فهم جيدا كيف يرد الجميل لصانعيه، فعندما زادت حدة هجوم الإعلاميين على الألتراس، فاجأ جوزيه الجميع قبل إحدى مباريات فريقه، بالتوجه إلى مدرجهم الذي يطلق عليه “الثالثة شمال”، وفي يده علم يحمل شعار الرابطة، رفعه لأعلى تعبيرا عن تضامنه معهم، ما كان له بالغ الأثر في رفع روحهم المعنوية وزيادة شعبيته.

هذه العلاقة الإنسانية بين المدرب وجماهير النادي تعززت بسلسلة من الانتصارات رفعت جوزيه إلى عنان السماء، وصار أيقونة السعادة عند جماهير الأهلي التي تتطلع دائما لحصد البطولة.

مدرب عادي

البطولات المتعددة التي حققها جوزيه مع الأهلي يمكن اعتبارها تركيبة خاصة، لم ينجح في تكرار مزجها مع أي فريق آخر، فالرجل الذي حقق 21 بطولة مع الأهلي، لم يفلح في أي مكان أو مع أي فريق غير الأهلي وخارج مصر، حيث أقيل من تدريب نادي اتحاد جدة قبل أن يكتمل الدور الأول لبطولة الدوري السعودي، عقب سلسلة من التعادلات لم تتحقق من قبل للفريق الذي كان في ذروة مستواه في ذلك الوقت.

كما أخفق مجددا مع منتخب أنجولا رغم وجود معشوقه الأول في الملاعب المهاجم فلافيو أمادو ضمن صفوفه، حيث فشل المنتخب في تحقيق نتائج لافتة في كأس الأمم الأفريقية التي استضافتها أنجولا عام 2010 وخرج من دور الثمانية الذي تأهل إليه بشق الأنفس على يد منتخب غانا عقب خسارته بهدف نظيف.

جوزيه تمكن من الانتقال بالأهلي من فريق منهار نفسيا إلى فريق يحقق سيطرة كاملة على كل البطولات المحلية

الحقيقة أن حب الجماهير له أعماها عن رؤية الكثير من الحقائق، وجعلها تختصر انتصارات الأهلي في قدراته التي لا تزيد في حقيقتها عن أي مدرب عادي أو متوسط المستوى، بدليل أن نفس المدرب فشل في الفوز مع نفس الفريق بأي بطولة محلية في فترته الأولى معه موسم 2001/ 2002 ولم يحقق سوى لقب دوري الأبطال على حساب فريق صنداونز الجنوب أفريقي، بينما خسر الدوري لصالح فريق الإسماعيلي المجتهد بعدما أخفق في الفوز عليه في ملعب استاد القاهرة وتعادل بأربعة أهداف لمثلهم.

وعندما عاد جوزيه في بداية موسم 2004 تسلم فريقا منهارا نفسيا بعدما ابتعد عن لقب الدوري لمدة 4 مواسم، فاز الإسماعيلي بلقب والزمالك بثلاثة، فدعم الفريق بعدد هائل من اللاعبين على رأسهم محمد أبوتريكة ومحمد بركات وعماد النحاس وغيرهم، وكان يتعمد اختيار نجوم الفرق المنافسة له لإضعافهم وتقوية صفوفه، فكانت النتيجة سيطرة الأهلي على كل البطولات المحلية، نتيجة هشاشة الفرق المنافسة وضعف قدراتها المالية التي تعوقها حتى عن الاحتفاظ بنجومها المميزين، دون الحديث عن شراء نجوم جدد.

وبحسب إحصاءات غير رسمية بلغ عدد اللاعبين الذين اشتراهم الأهلي في العصر الذهبي لجوزيه (2004/ 2008) 68 لاعبا بالتمام والكمال وهو رقم لم يكن أي فريق آخر غير الأهلي يستطيع شراءه، أغلبهم من فريق الإسماعيلي الذي تعرض لعملية تفريغ منتظمة لنجومه، وبعضهم من الزمالك الذي كان يعيش في سلسلة من الأزمات الإدارية المتواصلة.

أطرف التعليقات على سياسة جوزيه في إضعاف منافسيه جاءت على لسان مصطفى يونس نجم الأهلي في السبعينات والمدرب والإعلامي في الوقت الحالي، حينما قال تعليقا على مطالبة جماهير النادي بعودة البرتغالي لتدريب الفريق في بداية الموسم الحالي بدلا من مواطنه بيسيرو، أنه سيكون قرارا خاطئا من إدارة النادي لأن فريق الإسماعيلي لم يعد لديه لاعبين مميزين يخطفهم جوزيه.

المثير أنه من بين اللاعبين الـ 68 لم يستفد الأهلي فعليا سوى من 15 تقريبا، بينما فشل الباقون سريعا إما لأنهم لم يحصلوا على فرصة للعب باعتبار أن هدف جوزيه، كما قال البعض، لم يكن الاستفادة منهم فعليا وإنما فقط حرمان المنافسين من جهودهم، أو لأن المدرب كان أسيرا لفكرة الحب والكراهية في اختياراته للاعبين الذي يشاركون في المباريات، حيث صبر على المهاجم الأنغولي فلافيو أمادو موسما كاملا، بينما لم يعط نصف تلك المدة للظهير الأيسر أحمد شديد قناوي الذي استغنى عنه ثم طلب استعادته مجددا، بعد أن تألق اللاعب مع فريق المصري البورسعيدي.

خلافات مع النجوم

قضي جوزيه أياما مع الأهلي قال عنها، إنها لا تنسى، لكنها لا تخلو من المنغصات، حيث واجه المدرب البرتغالي اتهامات بالتعاقد مع لاعبين غير أكفاء، وذلك لتسهيل الربح لنجله (وكيل اللاعبين) دون النظر إلى مصلحة النادي الذي صنع شهرته.

كذلك دخل جوزيه في خلافات عنيفة ومستمرة مع عدد من النجوم وكان سببا في رحيلهم عن النادي وحرمان الفريق من جهودهم، فقد شب خلاف بينه وبين حسام غالي قائد الفريق، وطالب جوزيه ببيع اللاعب، لولا أن القدر كتب رحيل المدرب وبقاء اللاعب.

لكن خلافه الأشهر كان مع الحارس الدولي عصام الحضري الذي اختير كأحسن حارس في كأس أمم أفريقيا عام 2008، لكنه في الأهلي تعرض لكل أنواع التنكيل من البرتغالي الذي حرمه من شارة قيادة الفريق بسبب خطأ بسيط.

ونتيجة تزايد الضغوط عليه هرب الحارس للاحتراف بصفوف فريق سيون السويسري عقب نهاية أمم أفريقيا 2008، ورغم مطالبة الجماهير المتكررة بالعفو عن الحارس الذي أبدى ندمه على خطوته المتهورة، خصوصا في ظل معاناة الأهلي المستمرة من ضعف خلفائه في حراسة المرمى، إلا أن جوزيه أو الطاووس البرتغالي رفض كل الوساطات وقال في تصريحات صحفية “اشعلوا الشموع على الحضري”، مثلما يفعل الأوروبيون مع الموتى في إشارة إلى أن اللاعب ميت بالنسبة له، ولم يستطع الحضري دخول النادي الأهلي حتى اليوم رغم رحيل جوزيه.

البطولات المتعددة المجسلة لجوزيه مع الأهلي يمكن اعتبارها تركيبة خاصة لم ينجح في تكرار مزجها ولم يفلح في أي مكان أو مع أي فريق غير الأهلي وخارج مصر

أيضا، كان جوزيه سببا في رحيل الجزائري أمير سعيود عن صفوف الأهلي، بعد أن هاجم اللاعب مدربه واتهمه بالظلم وعدم إشراكه في المباريات، ما أثر سلبا على مستواه، ووصل اللاعب إلى قمة البؤس حينما تصدى لركلة جزاء احتسبت لصالح الأهلي في إحدى مباريات الفريق بالدوري، فاصطدمت قدمه بالكرة، ووقع على الأرض في مشهد يثير الضحك، لينهال المدرب بالنقد عليه ويقرر الاستغناء عنه دون ان يلاحظ “دروايشه” في المدرجات أن الأنغولي فلافيو مر بنفس التجربة تقريبا في بداياته مع الأهلي وأضاع ركلة جزاء بشكل كوميدي دون أن يؤثر ذلك في ثقة البرتغالي فيه، مثلما لم يسألوا أيضا عن سر شراء جوزيه لسعيود طالما أن رأيه فيه سلبي.

حتى محمد أبوتريكة الذي امتلك النصيب الأكبر من إشادة وحب المدرب البرتغالي، فضلا عن علاقة الصداقة القوية التي ربطت الاثنين، فسرها البعض بأنها لم تكن تعبيرا عن مشاعر حقيقية من المدرب “البراغماتي” تجاه لاعبه الملتزم والمميز، بقدر ما كانت محاولة ذكية لاستغلال مكانة اللاعب الكبيرة في قلوب الجماهير، فكان أبوتريكة أو كما يطلق عليه البعض في مصر “أمير القلوب” حصان طروادة جوزيه لامتلاك قلوب جماهير النادي.

ويدلل هؤلاء على براغماتية جوزيه بأن علاقته مع أبوتريكة منقطعة تقريبا منذ بدء الحديث عن تورط اللاعب مع جماعة الإخوان، وتأثر شعبيته نسبيا بما يتردد في هذا السياق، حتى أن المدرب لم يعد حريصا على الالتقاء بنجمه المفضل في زياراته المتكررة إلى القاهرة مثلما كان يفعل من قبل.

عندما عاد اسم جوزيه يتردد مؤخرا كمدرب للنادي الأهلي، رفض محمود الطاهر رئيس النادي، بذريعة كبر سنه، وضرب عرض الحائط برغبة جماهير الأهلي في عودة صائد البطولات، كما كان يطلقون عليه، ولم يكن من المدرب المخضرم للرد على تهمة كبر سنه، سوى أن يخرج مع الإعلامية إسعاد يونس في برنامجها الذي تقدمه على فضائية سي بي سي، واضعا ذقنا بيضاء طويلة اصطناعية، للتهكم من كلام طاهر بأن جوزيه أصبح رجلا عجوزا.

هذه الواقعة، رغم فكاهتها، إلا أنها قللت من مكانة جوزيه لدى البعض، لأنه تحول من مدرب صارم إلى ممثل كوميدي من الدرجة الثالثة، وكانت، كما يقولون، القشة التي قصمت ظهر البرتغالي عند كثير من محبيه.

15