مانويل راباتيه فرنسي يشارك في صناعة اللحظة التاريخية للعاصمة الإماراتية

الخميس 2017/11/16

أبوظبي - حين تم الإعلان عن اختيار مانويل راباتيه لإدارة متحف اللوفر في أبوظبي، في سبتمبر من العام الماضي، لم يكن ذلك مستغرباً، فالرجل بقي ست سنوات يعمل على إنضاج هذا المشروع الفريد من نوعه، والذي يمنح العاصمة الإماراتية بعداً جديداً آخر يضاف إلى أبعادها التنموية والسياسية في المنطقة العربية، إنه بعد الإشعاع الحضاري. ذلك الدور الذي أخذت تلعبه سواء علي صعيد التنوير أو محاربة الإرهاب وأنماط التفكير الغريزية التي انتشرت من حولها.

علّقت وزيرة الثقافة والاتصال الفرنسية أودري أزولاي على هذا القرار حينها بأنه يمثّل “علامة فارقة جديدة في مسيرة متحف اللوفر أبوظبي، ويعكس متانة التعاون بين فرنسا والإمارات، ومدى الالتزام بترسيخ الطابع العالمي للثقافة”.

درس راباتيه في معهد الدراسات السياسية ومدرسة الدراسات العليا التجارية في باريس، وتولّى مناصب عدة منها نائب مدير مسرح متحف اللوفر في باريس، ونائب مدير التطوير الثقافي في متحف كي برانلي في العاصمة الفرنسية، ويقول عنه الإعلام الفرنسي إنه قاد منذ ذلك التاريخ حملة لإطلاق معارض دولية تنبثق عن اللوفر.

وفي العام 2013 عُيّن رئيسا تنفيذيا لوكالة “متاحف فرنسا”، فكان من المتحمسين لمشروع متحف اللوفر في أبوظبي. وقد كان صاحب اقتراح تعيين راباتيه في موقعه الجديد، رئيس وكالة فرنسا للموسيقيين مارك لادريت دي لاشاريير، وبالفعل، كان الشخص المناسب، فمنذ توليه مهامه، تمكّن راباتيه من توحيد فرق العمل على الفور وصولاً إلى لحظة افتتاح المشروع قبل أيام.

قصة لوفر أبوظبي

في العام 2007 وقّعت باريس وأبوظبي اتفاقا يمتد لثلاثين عاما يقضي بإنشاء متحف “لوفر” على الأراضي الإماراتية، على أن يضم قاعات عرض مساحتها 9200 متر مربع. وبلغت قيمة الاتفاق مليار يورو، تضاف إليها 500 مليون يورو تذهب كتكاليف لبناء المتحف الذي صممه المهندس المعماري المبدع جان نوفيل والذي صمم مركز فال نوتردام الطبي، ومعهد العالم العربي في باريس، والمسرح البلدي في بلفور ومجمع لوزار في نوازيال. ويوصف بأنه مبدع غير عادي بسبب أسلوبه المتميز وإبداعه الخلاق في تصميم منشآت سبقت عصر الحداثة بأشواط كثيرة، ابتدأها بتصميم فرع لمجمع غاليري لافييت التجاري في برلين، وقد استخدم فيها زجاجا وضع عليه عدسات لاصقة لخلق تأثيرات بصرية مذهلة، بالإضافة إلى تصميمه لبرج دنتسو في طوكيو وقصر لوسرن للثقافة في سويسرا. وهكذا انطلقت ورش بناء لوفر أبوظبي في العام 2009.

إدارة وطنية مشتركة

يقع المبنى الذي صمّمه نوفيل على جزيرة السعديات، وهي شبه جزيرة من صنع الإنسان، تبدو كجزيرة فنية أيضا لأنها تضم متحف غوغنهايم المصمم من قبل فرانك جيهري ومتحف زايد الوطني الذي لا يزال قيد الإنشاء.

قال راباتيه في حديث لصحيفة ذا ناشيونال أثناء المراحل التحضيرية لافتتاح متحف لوفر أبوظبي إنه “عندما يتعلق الأمر بالافتتاح، فهناك طريق تقني وطريق سياسي”. وأضاف “على الطريق التقني نحن بحاجة إلى أن يكون المبنى الذي هو الكمال من حيث الجودة والتي كانت دائما التزاما لأننا سوف نضع روائع العالم في هذا المتحف”.

وتشارك الإماراتية حصة الظاهري راباتيه، إدارة المتحف باعتبارها نائبة له. وكانت قد تخصّصت في الدراسات الدولية من جامعة زايد في أبوظبي، وحصلت على الماجستير في منطقة الخليج من جامعة إكستر في بريطانيا.

بعدها انضمت الظاهري إلى مشروع اللوفر أبوظبي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، حيث عملت على تنمية رأس المال البشري للمتاحف في المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات بأبوظبي. من خلال العديد من برنامج المنح الدراسية، بهدف تطوير اهتمام الشعب الإماراتي بقطاع المتاحف.

تتسلح الظاهري بخبرة طويلة وغنية، وتدير التعاون الثقافي مع الجانب الفرنسي لمشروع اللوفر بعد أن أصبحت الممثّلة الرئيسة لهذا المتحف محلّياً، وتحدّثت ممثّلةً إياه في عدد كبير من المناسبات العالميّة والمحلّية من ضمنها مؤتمر المفكّرين والفاعلين بباريس 2015 بمعهد العالم العربي، والتقت مع أبرز الشخصيّات في هذا المجال أمثال جيف نوكس والمعمارية العراقية الراحلة زها حديد.

[ الإماراتية حصة الظاهري التي تشارك راباتيه إدارة المتحف، بعد اكتسابها خبرة هائلة، تقول لمجلة فوغ الشهيرة “أعتقد أن للثقافة والفنون تأثيرا على المجتمع، فهما اللتان تشكّلانه”.

وتقول الظاهري لمجلة فوغ الشهيرة “أعتقد أن للثقافة والفنون تأثيراً على المجتمع، فهما اللتان تشكّلانه”، مضيفة “أردتُ أن أكون من ضمن من يجعلون هذا المتحف وثيق الصلة بالناس في المنطقة، وآمل ألاّ يشعر الأكاديميون بالإهانة من قولي هذا”.

المتحف المدينة

افتتح لوفر أبوظبي أبوابه للجمهور للمرة الأولى، صباح السبت الماضي، مستقبلاً الآلاف من الزوار تاركاً انطباعاً من خلال تصميمه المعماري، بأنه “متحف مدينة”. إذ يُعدّ مظهره العام حصيلة التصميم العمراني العربي المتميّز والهندسة المعاصرة المدعومة بالتقنيات المبتكرة. فالمساحات الشاسعة والمتنزهات والممرات المطلة على مياه الخليج العربي تجعل من المكان أكثر من مجرد متحف. وصولاً إلى القبة العملاقة المؤلفة من 7 آلاف و850 شكلا هندسيا على هيئة نجوم، وعندما تتساقط أشعة الشمس على القبة تخلق تأثيرا ملهما يُعرف باسم “شعاع النور”، بما يعيد الأذهان إلى سعف النخيل المتداخل في واحات الإمارات.

ويضم لوفر أبوظبي 600 عمل فني، من بينها 300 عمل معروض من قبل 13 متحفا فرنسيا للسنة الأولى، وهو أول متحف عالمي في العالم العربي.

ومن بين الأعمال التي تقدم على سبيل الإعارة إلى أبوظبي أول لوحة لليوناردو دافينشي تعرض في الشرق الأوسط وتحمل عنوان “حداد جميل”، إضافة إلى لوحة فنسنت فان كوخ “صورة ذاتية” وغيرها من الأعمال الثمينة.

يتساءل كثيرون لماذا أبوظبي؟ لكن راباتيه يجيب وكالة فرانس برس على الفور “نعم، إنها استثنائية، نعم، هذه هي المرة الأولى التي ينطلق فيها مشروع من هذا القبيل في الشرق الأوسط لكن هذا ما يميز هذا المشروع”.

أما الفرنسي جان هوبيرت مارتن البالغ من العمر 70 عاما الذي لعب دوراً هاما في جلب متحف اللوفر إلى أبوظبي، وكان جزءا من لجنة استشارية لوكالة المتاحف الفرنسية، وهي الهيئة المسؤولة عن تسليم متحف اللوفر أبوظبي، وكان أيضا عضوا رئيسيا في الطرف المتفاوض الذي وضع الاتفاق للمتحف بين حكومتي الإمارات وفرنسا، فيعتقد الآن أن المتحف يجب أن يستفيد من فرصته التاريخية من خلال قيادة “ثورة” لإعادة تعريف الفن.

رسالة تسامح

بمواصفاته المبهرة وفكرته الرائدة يعتبر متحف اللوفر أبوظبي جزءا من “استراتيجية ثقافية كبرى” لتعزيز العاصمة الإماراتية باعتبارها راعية للفنون في منطقة تركز بشكل متزايد على القوة الناعمة.

5 بالمئة من المتحف العام مخصّصة للفن المعاصر والحديث. أما الباقي فيركز على سرد قصة تاريخ العالم والأديان. وبتقنية عالية يجري عرض المواضيع العالمية مع التركيز على التفاعلات المشتركة بين الحضارات، بدلا من التصنيف المتبع عادة بتسلسل الحضارات.

[ متحف اللوفر أبوظبي بمواصفاته المبهرة وفكرته الرائدة يعتبر جزءا من استراتيجية ثقافية كبرى لتعزيز العاصمة الإماراتية، باعتبارها راعية للفنون في منطقة تركز بشكل متزايد على القوة الناعمة.

وفي أول أجنحته، غرفة هادئة عرضت فيها نسخة من القرآن الكريم تعود إلى القرن التاسع عشر، كتبت بالذهب على مخطوطات زرقاء، وإلى جانبها كتاب توراة يمني، وإنجيل من القرن الثالث عشر.

سيعرض لوفر أبوظبي مجموعة من التحف الأثرية الإماراتية التي تضم قلادة يعود تاريخها إلى الفترة الزمنية 2000 – 1800 قبل الميلاد ومزهرية أثرية تنتمي إلى العصر الحجري الحديث، تم اكتشافها في إحدى مستوطنات العصر الحجري التي يبلغ عمرها 8000 عام في جزيرة مروح الواقعة قبالة ساحل أبوظبي، وهي من متحف رأس الخيمة الوطني، بالإضافة إلى أجزاء من الجص المزخرف من الدير المسيحي الأثري في بني ياس بأبوظبي من متحف العين الوطني.

يعرض لوفر أبوظبي أعمالا مُعارة بارزة من أشهر المتاحف بالمنطقة ويشمل ذلك تمثال “عين غزال” وتمثالا أثري برأسين من دائرة الآثار العامة الأردنية، بالإضافة إلى أداة حجرية يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد ومعلما بنقوش كوفية يشير إلى المسافة من مكة من الهيئة السعودية العامة للسياحة والتراث الوطني.

ويقدّم أكثر من 400 درهم فضي أثري مُعار من المتحف الوطني بسلطنة عمان والتي تعود إلى بدايات العصر الإسلامي، بالإضافة إلى مبخرة صدفة بحرية يعود تاريخها إلى فترة القرن الثاني عشر- القرن الرابع عشر الميلادي، وكذلك جرة فخارية من بلاد الرافدين من القرن العاشر الميلادي وإناء حجري من الفترة 400 ق.م –300 ق.م.

يؤمن الإماراتيون أن هدف المتحف هو “إرسال رسالة التسامح” ويرون أن هذه الرسالة “مهمة جدا في عصرنا”، على حد تعبير محمد خليفة المبارك رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، الذي استشهد بما قاله الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بأن “متحف اللوفر هدية من دولة الإمارات إلى العالم”.

مانويل راباتيه يدرك أهمية اللحظة الحضارية الهامة التي تعبرها الإمارات على مختلف الصعد ويعرف أن هذا يتطلب بذل الكثير من الجهد والعمل الجبار، ولذلك فهو يقول “أصبح هذا المبنى متحفا قيّما بعد فترة من التحضير والتفاني في العمل”.

12