مانويل فالس القائد يجب أن يعرف كيف يقود ولهذا أنا هنا

السبت 2016/12/10
إسباني تربع على رأس الحكومة الفرنسية ويحلم بكرسي الرئاسة

باريس - عندما تكون الدولة أمة، عندما تكون الدولة قلباً جامعا لكل من يعيش على أرضها، عندما لا تميز بين أفراد شعبها بغض النظر عن أصولهم العرقية أو الدينية أو القومية، عندما تتعامل الدولة مع أفرادها كأبناء حقيقيين، عندها فقط ينصهر الإنسان في الوطن وتصبح المواطنة فوق أيّ انتماء آخر. عندها فقط ستجد مهاجراً متربعاً على رأس الحكومة حالما بكرسي الرئاسة تحت راية الوطن.

هنا في فرنسا تستطيع أن تكون لاجئاً، مهاجراً، أن لا تكون قد ولدت في فرنسا، أن تصلها شاباً، ومع ذلك تستطيع أن تحلم بمستقبل سياسي مرموق بشرط وحيد؛ أن تحب فرنسا الوطن، وأن تعمل لمصلحة هذا الوطن، وأن تقسم تحت علمه على إعلاء مصالحه وخدمة مواطنيه، كل مواطنيه. هذا ما حصل مع مانويل فالس الإسباني الحاصل على الجنسية الفرنسية في العشرين من عمره والمنحدر من أب إسباني وأمّ سويسرية إيطالية، والذي تولى وزارة الداخلية الفرنسية، الوزارة الأهم في البلاد ومن ثم تسلم مهام تشكيل الحكومة وتربع على رأسها.

لم تكن حالة فالس الوحيدة في التاريخ الفرنسي، فقد ترأس حكومة البلاد قبله اثنان من أصول غير فرنسية هو ثالثهم؛ بيار باراغوفوي الذي كان من أب أوكراني والذي شغل منصب رئاسة الحكومة الفرنسية بين 1992 و1993 في عهد الرئيس فرنسوا ميتران، وخلفه إدوارد بالادور من عام 1993 إلى مايو 1995، والذي كان من أصول أرمنية-تركية وتحديدا من مدينة إزمير.

فالس من الوجوه السياسية النادرة التي تحمل جنسيتين. فقد ولد في برشلونة في 13 أغسطس من عام 1962 وعاش فيها حتى مراهقته، ويبلغ اليوم أربعة وخمسين عاما. ولد لأسرة خليطة مميزة فوالده كان رساماً معروفاً في كاتالونيا، أما والدته فهي السويسرية الإيطالية لويزانجيلا غالفيتي، شقيقة المهندس المعماري السويسري الشهير أوريليو غالفيتي.

كان جد فالس ماغي فالس صحافيا في الجريدة الكاتالانية الكاثوليكية إيلماتي، وابن عم والده، مانويل فالس غورينا، ملحن نشيد نادي برشلونة الرسمي الذي تحفظه الملايين.

قضى فالس طفولته وشبابه بين كاتالونيا وفرنسا وسويسرا. وهاجر مع أسرته إلى فرنسا بعد حصول والده عل منحة عمل هناك وحصل على الجنسية الفرنسية في عام 1982، قبل أن يتزوج مرتين، ثانيهما عام 2010 من عازفة الكمان آن غرافوان والتي تعزف إلى جانب فنانين ومغنين عالميين مثل جوني هاليداي.

شعبية فالس ارتفعت في العام 2013 بعد صدور كتاب عن سيرة حياته تحت عنوان “مانويل فالس، أسرار قدر” من تأليف جيل فيرديس وجاك هينين، والذي وردت فيه قصة لم تكن معروفة للعوام ولم يخبئها فالس في هذا الكاتب، كانت تلك القصة تحكي حكاية مساعدة فالس لأخته جيوفانا للخروج من جحيم إدمان المخدرات.

التاريخ والسياسة

ظهر اهتمام فالس بالسياسة منذ بلوغه سن السابعة عشرة من خلال دراسته التاريخ بجامعة السوربون في باريس. وهناك نشط في الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا وفي الحزب الاشتراكي، في إطار التيار المعارض لميتران آنذاك والذي كان من رموزه ميشيل روكار رئيس وزراء ميتران السابق والمعارض لخط الرئيس داخل الحزب.

شغل فالس منصب المكلف بالإعلام في ديوان رئيس الحكومة الاشتراكي ليونيل جوسبين. وانتخب رئيسا لبلدية إيفري إحدى ضواحي باريس من عام 2001 ولغاية 2012، ونائبا عن الدائرة الانتخابية الأولى في محافظة إيسون (جنوب باريس) خلال الفترة نفسها. وبعد فوز فرنسوا هولاند بترشيح الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية 2012، أصبح فالس مديرا للاتصالات في حملته، وما إن فاز هولاند بالرئاسة حتى عيّن فالس وزيرا للداخلية.

صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، تنشر يوم الثاني من ديسمبر الجاري، تصريحا صادما لفالس قال فيه “أنا لا أحترم هولاند ولا أحتمله”. وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، قد أعلن رسميا، قبل ذلك التاريخ بيوم واحد أنه لن يترشح لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في ربيع العام 2017.

فالس كان الوزير الأكثر شعبية في حكومة إيرولت المستقيلة. إلا أن شعبيته في صفوف الحزب الاشتراكي لا تحظى بالإجماع، ويعود ذلك إلى تمريره تعديلات قانون العمل الذي أقرّته وزيرة العمل مريم الخمري، وواجهه الشارع الفرنسي باحتجاجات ضخمة وإضرابات ما تزال تنظم بين وفترة وأخرى حتى اليوم.

وما عزز الفكرة حول تشدد فالس ذهابه لفرض القانون بالقوة في الجمعية الوطنية ودون نقاش ثلاث مرات، عبر استخدام المادة الاستثنائية 49-3، ضارباً ديمقراطية الحوار في مقتل، كما قيل، ما زاد عدد أعدائه داخل حزبه الاشتراكي. إضافة إلى أنه لطالما قال بعد تعيينه رئيسا للحكومة “إن القائد يجب أن يعرف كيف يقود، لهذا أنا القائد”.

فرنسا والإسلام

يحاول فالس، ومنذ تسلمه رئاسة الحكومة، أن يصور نفسه محامياً للمسلمين في البلاد، من خلال تصريحاته ولأكثر من مرة، بأن الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا. فالس الذي شهدت فرنسا في عهد حكومته أعمالاً إرهابية، كان أولها وأكثرها ضجة حادثة اغتيال صحافيي شارلي إيبدو، وما أثارته من ضجة عالمية كأقوى حادثة تتعرض لها فرنسا، وما كادت البلاد تتناسى وتحتوي الحدث وتعتبره عابراً فردياً، حتى ضرب الإرهاب وبقوة هذه المرة في مسرح باتكلان الشهير وسط عاصمة النور، وذهب ضحية ذلك الاعتداء العديد من الضحايا الأبرياء، وما تلاه من محاولات تفجير في ملاعب كرة القدم، كانت الهزة عنيفة هذه المرة، ثم لم تلبث أن تهدأ موجة الرعب، وبالرغم من حالة الطوارئ عاد الإرهاب من جديد ليضرب شاطئ مدينة نيس السياحية عشية الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو من العام 2016.

حاول فالس التصدي لهجوم بعض خصومه الذين طالبوا بضرورة اعتبار السلفية جماعة خارجة عن القانون، لكنه رفض هذا الطرح مشيرا إلى أنه يعود إلى المسلمين الفرنسيين بالتحديد خوض المعركة ضد هذه الحركات، معتبراً أن أمام إسلام فرنسا دور كبير يلعبه في مكافحة السلفية.

قال فالس إن “عليهم أيضا (المسلمين)، وبالطبع بدعم منّا، خوض المعركة لتحقيق فصل واضح بين حقيقة الإسلام في فرنسا وبين هذه الأيديولوجيات المنحرفة ويجب شن هذه المعركة في كل مكان في المساجد والأحياء والعائلات”.

وهو يؤكد في كل مناسبة على أن الإسلام أضحى جزءا من الثقافة الفرنسية وأنه بات متجذرا فيها. ويشدد دائما على الفصل بين الإرهاب وبين الإسلام، داعياً لضرورة مكافحة خطاب الإخوان المسلمين في البلاد، ومكافحة الجماعات السلفية في الأحياء وفي المناطق التي يتفاقم فيها الفقر في مدن البلاد الكبرى والتي تضم نسبة كبيرة من المهاجرين غالبيتهم من المسلمين، ويضيف أن أيّ اعتداءات على المسلمين، وعلى المساجد أو الكنائس هي اعتداءات على قيم الجمهورية.

يحرص المرشح الرئاسي المهاجر في خطابه على الفصل بين الإرهاب والإسلام ويكرر دائما بأن حرب فرنسا ضد الإرهاب وليست ضد الإسلام، وهذا ما ترجمه بالفعل في حكومته التي ضمت وزيرتين مسلمتين ومن أصول عربية هما نجاة بلقاسم وزيرة التعليم، ومريم الخمري وزيرة العمل.

مع تفجر أزمة اللاجئين بشكل عام والسوريين بشكل خاص بعد ما ساءت الأوضاع الأمنية في سوريا، استمر فالس بالتأكيد على أن فرنسا لم تتردد عن قبول عدد لا بأس به من اللاجئين السوريين. وقد كان له رأي خاص بهذه القضية. إذ يعتبر أن رفض استقبال اللاجئين يتعارض مع السياسة والقيم الأوروبية، ويصرح دائما بأن “فرنسا تتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه اللاجئين، ولدينا خطة طموحة لزيادة عدد مراكز الإيواء”.

يعتبر فالس أن أوروبا معنية بأزمة اللاجئين، وأنه يجب التفريق بين حق اللجوء والهجرة غير الشرعية، مشيرا إلى أن “حق اللجوء لا يجب أن يقابل بالأسلاك الشائكة”. ولذلك فقد فتحت فرنسا في عهد فالس أبوابها للاجئين بمختلف عقائدهم، على حسب تأكيدات فالس نفسه، وفي أكثر من مناسبة، حول أن الطابع العالمي لحق اللجوء يمنع اختيار اللاجئين “على أساس انتمائهم الديني، وحتى طريقة وصولهم إلى الأراضي الأوروبية عجزت حتى الدول عن التحكم فيها”.

الأسباني فالس.. رئيس وزراء جديد بمواجهة اليمين الصاعد

فالس والآخرون

علاقة فالس بالسياسيين من حوله يشوبها الغموض دوماً. فقد نشرت صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، يوم الثاني من ديسمبر الجاري، تصريحا صادماً لفالس قال فيه “لا أحترم هولاند ولا أحتمله”. وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، قد أعلن رسميا، قبل ذلك التاريخ بيوم واحد أنه لن يترشح لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في ربيع العام 2017. وكان تعليق فالس حينها بالقول “إنه قرار صعب وناضج ومهم. إنه اختيار يليق برجل دولة”. هولاند يُعدُّ رئيس الجمهورية الأقل شعبية في تاريخ فرنسا، حيث بلغ مستوى دعمه من قبل المواطنين الفرنسيين في شهر فبراير من العام الجاري 20 بالمئة فقط، ليهبط هذا المؤشر إلى 12 بالمئة في يونيو. ما يعد رقما قياسيا في تدني الشعبية بالنسبة إلى فرنسا.

لم يتوقف طموح فالس السياسي عند تسلّمه رئاسة الحكومة الفرنسية بل تجاوزه، فقد قرّر مؤخرا خوض غمار السباق الرئاسي ليعلن في بداية شهر ديسمبر الجاري، رسميا ترشحه لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الفرنسية للعام 2017. جاء هذا الإعلان في كلمة أمام أنصاره بمعقله الانتخابي في ضاحية إيفري الباريسية، عقب حصول رئيس الوزراء السابق فيون على ترشيح حزب الجمهوريين المنتمي ليمين الوسط لخوض الانتخابات. تحدث فالس عن أسباب ترشحه قائلا إن مواجهة اليمين المتطرف كانت من أهم أسباب ترشحه، وإنه لا يريد أن يرى فرنسا في نفس موقف العام 2002 عندما تواجه اليمين واليمين المتطرف في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

يعتبر فالس مرشحاً غريباً وغير تقليدي بالنسبة إلى الناخبين الفرنسيين، فكثيراً ما قيل عنه إنه لا يتردد في كسر المحرمات السياسية، إضافة إلى أسلوبه السلطوي ودفاعه عن “علمانية متشددة”، ومن العوامل التي تنفر قسما من الاشتراكيين منه؛ أنه اقترح تغيير اسم الحزب “الاشتراكي” معتبرا أنه قد تجاوزه الزمن وفي العام 2014 قال إنه “يجب الانتهاء من اليسار المتمسك بالحنين إلى ماض ولى”.

ووفقاً لقناة “فرانس 24” فإن كثيراً من الاشتراكيين الفرنسيين وغيرهم من غير المتحزبين عبّروا عن رضاهم فيما إذا فاز فالس بترشيح الحزب. لكن الأخير قرر بدء انتخابات تمهيدية في صفوف أعضائه لاختيار مرشحه للانتخابات، على غرار انتخابات اليمين التمهيدية والتي أسفرت عن اختيار فيون مرشحا للانتخابات.

12