ماهر كيالي: شيء مؤسف حقا، لكن لا خيار آخر!

الأحد 2013/12/29
كيالي واحد من أكثر الناشرين العرب نشاطا

يعتبر ماهر كيالي شقيق المؤرخ الراحل عبد الوهاب كيالي، واحدا من أكثر الناشرين العرب نشاطا وحيوية، وبحثا عن الجديد في النشر وتقديم الأصوات الجديدة في الرواية والشعر والنقد وفنون الكتابة الأخرى.

وقد لعبت الدار التي أسسها شقيقه الأكبر في بيروت السبعينات، دورا بارزا على صعيد نشر الموسوعات السياسية والعسكرية وكتب الأطفال وفتحت الباب واسعا لنشر أعمال كبار الكتاب العرب في الرواية والشعر واليوميات، إلى جانب تقديم الأقلام الأدبية الجديدة.

بعد مصرع شقيقه المؤسس اغتيالا بالرصاص بسبب مواقفه الفكرية سنة 1981، انفرد ماهر كيالي بإدارة الدار، وواصل إلى حد كبير الخطة النشرية التي وضعها المؤرخ الراحل. وهي خطة ظلت ترى حركة التأليف والنشر بالعربية بوصفها فضاء متصلا، فالكلمة العربية أنّى ولدت هي كلمة لكل العرب، وجزء أصيل من الثقافة العربية في جغرافياتها المختلفة.

على أن ماهر كيالي، وهو مؤلف ومترجم أيضا، قاد مركب الدار في وسط بحر متلاطم من التراجعات والانهيارات العربية، وفي ظل شروط لطباعة الكتاب ونشره وتوزيعه لا يمكن بحال أن تعتبر نموذجية، في ظهراني 21 سلطة رقابية عربية، فعانت داره ما عانته جل دور النشر الأخرى التي ظلت توصف بأنها طليعية.

هنا في هذه الجلسة الصريحة معه، واجهته "العرب" بأسئلة تتصل بما ظل الكتّاب الجدد يرمون الدار به من أنها تتقاضى على نشر الكتاب بدلا من أن تكافئ الكاتب على كتابه.


*"المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، وأنت بوصفك ناشرا متهما بأنك تتقاضى مقابلا ماديا لقاء النشر لكتّاب شباب،فهل هذا صحيح؟


هذا الكلام صحيح وهذا التوجه طرأ في السنوات الأخيرة ولم تكن تمارسه الدار في سنوات سابقة، حين كانت تطلق أسماء جديدة، وهناك عشرات الأسماء التي أطلقتها الدار، من دون مقابل، وأصبحت أسماء كبيرة من أمثال ابراهيم نصر الله والمرحوم مؤنس الرزاز، ونوري الجرّاح وسليم بركات، وابراهيم الكوني، وعشرات غيرهم ولكن في الآونة الأخيرة أصبح السوق يملي شروطه على دور النشر عموما ونحن منها، فعندما يرغب كاتب غير معروف إلا ضمن نطاق معين وصغير بنشر ديوان شعر مثلا، هنا الناشر لا يستطيع تحمل أعباء النشر والتوزيع والتخزين وأعباء أخرى لا يلاحظها الشخص العادي لكنها موجودة، فيحمّلها للمؤلف ويتفاوت هذا المقابل بين مؤلف وآخر، وبصراحة أصبح هذا التقليد سائدا في دور النشر عموما حتى الكبيرة منها. شيء مؤسف حقا، لكن لا خيار آخر.


* هل يتفاوت المقابل المادي الذي تتقاضاه الدار من الكاتب بين مؤلف ومؤلف آخر بحسب الاسم فقط، أم أن هناك أنواعاً أدبية تتقاضون مقابلا أكبر لنشرها؟


الحقيقة أن الشعر كنوع أدبي يلاقي عزوفا أكثر لدى القراء مقارنة بالرواية والقصة القصيرة، وبالتالي فالناشر مضطر إلى تحميل كاتبه العبء المادي الأكبر من عملية النشر بينما تكون مساهمة الروائي المادية مع الدار أقل، لأن الدار تعي أن للرواية قراء ومهتمين إلى حد ما.


* أنت متهم بأنك لم تستطع الحفاظ على سياسة الدار التي وضعها شقيقكم الراحل المؤسس عبد الوهاب كيالي ولم تستطيعوا بالمقابل تطويرها أو خلق سياسة جديدة للدار.


لا ليس صحيحا. لا شك أن الدكتور عبد الوهاب رحمه الله هو الذي أسس الدار وأرسى دعائمها، وطبعا كان لديه عقل خلاق ومشاريع كبيرة حيث أطلق الموسوعات وسلسلة الفكر العالمي والكتب العسكرية، ولكن كل زمان له ظرفه ومعطياته، والذي حصل أن الدار استمرت في خطها النشري العام الذي أرساه المرحوم، وهناك أشياء تقدمت فيها الدار وأشياء تراجعت فيها _أعترف_ ومن المشاريع التي تراجعت فيها هي ما كان يسميه الصناعة الثقيلة في النشر أي الأعمال الكبيرة التي تتطلب تجنيد عشرات الباحثين والتمويل لسنوات طويلة قد تصل إلى عشر، مثل الموسوعة العسكرية، وموسوعة السياسة، وموسوعة الحضارة العربية، هذه المشاريع التي أطلقها مؤسس الدار خطونا فيها لكننا غير قادرين على تطويرها كثيرا، وما استطعنا فعله مثلا في موسوعة السياسة هو تحديث للملحق، ونحن على وشك إعادة تحديثه الآن لأن المعطيات السياسية في العالم العربي تغيرت بصورة كبيرة. وهناك مشروع هام جدا بدأه عبد الوهاب ولم نستطع إتمامه وهو مشروع اختيار أفضل مئة كتاب من التراث، وتعثرنا في هذا المشروع لأن تجميع باحثين في الوضع العربي الراهن صعب، ولأن بيروت كانت مركز هذه النشاطات وطرأت عليها اختلافات وتغييرات، وبالتالي نحن غير قادرين على السير بهذا المشروع.


* إذن سياسة الدار التي وضعها المؤسس والتي تتلخص بالصناعة الثقيلة في النشر لم تستمر بمعظمها فما الذي أضفتموه حتى استمرت الدار إلى الآن؟


كما قلت نحن نحاول الحفاظ، بكل ما نستطيع، على سياسة الدار، وما أضفناه هو الدخول في مشاريع نشر مشترك مع عدة جهات منها _ مؤسسة شومان في الأردن، وزارة الثقافة البحرينية، دار السويدي في أبو ظبي ونشرنا بالتعاون مع المركز العربي للأدب الجغرافي مشروع الرحلات، الذي يعتبر واحدا من أبرز المشروعات الثقافية العربية على الإطلاق،_ ما يعني أن هناك مشاريع جديدة أنجزتها المؤسسة وفق هذه السياسة الناجحة.


* هل فَقْدُ المؤسسة لمؤسسها هو ما لعب دورا سلبيا في عدم استكمال المشاريع الهامة التي تحدثت عنها أم أن هناك أسبابا أخرى؟


بداية، المؤسس كان رجل سياسة ورجل فكر، ونحن لا نملك الموقع السياسي الذي كان يتمتع به. من هنا استعصت علينا مشاريع هامة وأهمها ذات البعد السياسي الذي ما زال موجودا في الدار لكن بخطوطه العامة، إضافة إلى التحولات السياسية في الدول العربية التي أثرت سلبا على قطاع النشر عموما لأن الكتاب العربي كان يوزع في أسواق عربية إضافة إلى المحلية، ففي سوريا مثلا كان وجودنا كمؤسسة يمتد على مدار السنة من خلال علاقتنا بالمكتبات، إضافة إلى وجودنا الدائم في معرض الكتاب السنوي، وكذلك الحال في مصر وتونس واليمن وليبيا، والآن ونتيجة الأوضاع السياسية فإن سوق الكتاب انحسرت إما بشكل كلي أو جزئي.


* أنتم متهمون كمؤسسة ودار نشر بأنكم تقفون على الحياد من قضية الربيع العربي.


حاولت الدار مواكبة الظاهرة المؤثرة في الأوضاع العربية، وأصدرت مجموعة من الكتب حول الربيع العربي، منها ما هو مؤيد ومنها المنتقد والمتريث، وعلى سبيل المثال كتاب" هل هناك ربيع عربي" للدكتور عبد الحي زلوم و"الربيع الأسود" لعبد العزيز خليل المطوع، ضمن نظرة متشائمة للربيع العربي، وحدث كبير مثل هذا يحتاج إلى سنوات طويلة من أجل أن يتبلور أثره في الأذهان، وأتوقع أن تظهر أعمال غاية في الأهمية حول هذا الموضوع نتيجة التغيير الكبير في المجتمعات العربية، ولكن بشكل عام الربيع العربي رمى بثقله الاقتصادي على كافة فعاليات دور النشر، مما دفعنا إلى إيجاد بدائل للأسواق التي خسرناها للخروج من هذه الدائرة التي ندور فيها.


* هل الأسواق التي تقصدونها تقع خارج الوطن العربي أم أسواق دول الوطن العربي هي ما لا يشهد حراكا سياسيا حتى الآن؟


البعض توجه إلى السوق الأفريقية، أو إلى سوق الدول الإسلامية (أندونيسيا وماليزيا) ووجهتنا أيضا أسواق الدول التي توجد فيها الجاليات العربية لكنها محدودة.

*لا بد من الاعتراف بأن الكتاب الإلكتروني عمل نقلة نوعية وأثّر بشكل كبير على دور النشر، فهل أنتم قادرون على التجاوب مع هذا التغيير وكيف تتعاملون معه؟

صحيح هذا، الكتاب الإلكتروني أحدث فعلا نقلة نوعية في عالم الكتاب، ولا بد للناشر من التعايش والتكيف مع هذه الحالة التي أصبحت واقعا له ميزات كبيرة، ومن هنا فنحن لدينا موقع إلكتروني خاص بالدار لتسويق منشوراتنا إلكترونيا ونحاول الاستفادة من إيجابيات واقع الكتاب الإلكتروني، من حيث انعدام كلفة الورق والطباعة وتجاوز موضوع الرقابة، إضافة إلى أن النسخة الإلكترونية أرخص من النسخ الورقية، وهناك ميزة هامة لا بد من الإشارة إليها وهي إعادة إحياء الكتب القديمة والتي يحتاجها القارئ، فمثلا المؤسسة العربية للدراسات والنشر منذ تأسيسها عام 1969 قد صدّرت بحدود خمسة آلاف كتاب، طبعا ليست جميعها متوفرة كنسخ ورقية ولكنها متوفرة كنسخ إلكترونية. على أن للكتاب الإلكتروني سلبيات لا بد من الإشارة إليها، ولا بد من حلها أيضا، وتتجلى بأوضح صورها في العلاقة مع المؤلف وكيفية تقاسم الحقوق المالية، ومشكلة القرصنة الموجودة والتي أصبحت تحتاج إلى حماية خاصة وقوانين جديدة. ولن نكتفي بالعمل الفردي فنحن الآن بصدد الاشتراك مع مجموعة من المواقع التي تبيع الكتاب الإلكتروني محليا في الأردن، أو عربيا في السعودية ولبنان وغيرها للاشتراك في حصاد إيجابيات الحالة والعمل على خلق حلول مناسبة لسلبياتها.


أجرت الجلسة في عمان: وداد جرجس سلوم

12