ماهود أحمد الرسام المنقب في أعماق الأهوار

مفهوم الأصالة بالنسبة إلى الرسام العراقي يقع في حنينه إلى الأماكن التي عاش فيها طفولته. ربما كان يُخيل إليه أنه يستعيد من خلال الرسم إرثا كان قد فقده.
الأحد 2021/04/18
الذاهب إلى جنة أجداده

ينتمي ماهود أحمد إلى قلة من الرسامين التي تفضل أن تكون منفصلة عن الأساليب الفنية المتاحة في زمنها وفي محيطها الفني. فبالرغم من أن ظهوره الفني كان يؤهله لكي يكون جزءا من الجيل الفني الذي ظهر في العراق بعد منتصف ستينات القرن الماضي، غير أنه وقف وحده خارج الأطر التي يمكن أن تضمه إلى جماعة فنية بعينها.

لم تغره اهتمامات مجايليه التقنية والفكرية ومن ثم الأسلوبية وظلت عينه مصوبة إلى منطقة يمتزج فيها الأسطوري باليومي. الأسطورة هي إرثه الشخصي وما تعلمه من المدرسة الفنية الروسية. ذلك ما جعله شديد الاختلاف عن السائد وبعيدا عن المشاع. هو الآخر الواقعي الذي يأنف عن الانتساب إلى الواقع. فنان له مفهومه الخاص عن الواقع.

ماهود وجده جلجامش

أحمد هو الرسام الأكثر عراقية من بين كل الرسامين العراقيين
أحمد هو الرسام الأكثر عراقية من بين كل الرسامين العراقيين

في وقت مبكر من حياته الفنية زين برسومه الترجمة العربية لـ”ملحمة جلجامش” التي قام بها الآثاري والمنقب والمؤرخ الشهير طه باقر. في تلك الرسوم ظهرت ملامح أسلوبه بكل مفرداته الجمالية. لقد وجد أحمد في الملحمة السومرية كل الأسباب التي تيسر له الرجوع إلى جذوره البيئية والعائلية. ذلك ما لم يحد عنه عبر الخمسين سنة اللاحقة. 

التزم الفنان بكل الصفات التي استخرجها من سيره المتأني وراء جلجامش وأكسبها قدرا لافتا من التعبير المعاصر. فهو مأتمي، احتفالي، بخطوط خشنة وعاطفة ناعمة، غنائي، عنيف، غامض، صلب تقع ليونته في الإيحاء، غرائبي وطقوسي يمزج بين الحكاية الشعبية وجذورها الأسطورية، بين المشهد اليومي وخلفيته السحرية. 

لا يرسم أحمد مشاهد متخيلة غير أن كل ما يراه يكتسب طابعا خياليا ما أن يرسمه حتى لتبدو رسومه كما لو أنها تعليقات مصورة لوقائع متخيلة. لا لشيء إلا لأنه يرى بعينين تمزجان بين الوهم والواقع باعتبارهما المرجعية نفسها. وهو ما يعني أنه كان يرسم بقوتي البصر والبصيرة في الوقت نفسه. فهو حين يرى لا يرسم ما يراه لأن المرئيات تعيده إلى ما كان قد رآه في وقت سابق لكن في عالم آخر. الرسم بالنسبة إليه لا يخون الواقع بقدر ما يرتفع به إلى المستوى الذي يؤهله لاحتواء السحر كما لو أنه حدث يمكن الإمساك به.

ولد عام 1940 في منطقة الكسارة في هور الحويزة بميسان جنوب العراق. درس الرسم في معهد الفنون الجميلة ببغداد. عام 1967 نال شهادة الماجستير في الفنون من معهد سوريكوف بروسيا، وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة الفن من المعهد العالي للدراسات النظرية فيها أيضا، وكان عنوان أطروحته “منمنمات ومخطوطة مقامات الحريري العظمى في بطرسبورغ”.

عمل في مجال تدريس الفن نظريا وعمليا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي. وفي موازاة ذلك فقد نشر عددا من الكتب، يتعلق البعض منها بالجانب التراثي الفني مثل رسوم الواسطي في مقامات الحريري والمنمنمات المندائية في المخطوطات الدينية، كما ألف كتابا عن الرسام العراقي الرائد إسماعيل الشيخلي وكانت له إسهامات بحثية كثيرة في المؤتمرات والمجلات الفنية. وأقام معارضه الشخصية في موسكو وبغداد وعمان.

لم يكن نخبويا ولكن

فن غير نخبوي
فن غير نخبوي

كان أحمد يقول “أحاول التعبير عن الأحداث من خلال الأساطير بروح عصرية فأذكر مقومات شعبي وحياته وتضحياته ليس بشكل مباشر وإنما بشكل رمزي وكأننا لا نتعامل مع البصر وإنما تكون البصيرة هي القائم المشترك بيننا وبين شعبنا”.

تلك خلاصة حاول الفنان أن يلخص من خلالها عالمه بطريقة تبسيطية كما لو أنه رغب في تقديم ذلك العالم المترامي الأطراف والمتشعب الدروب في جملة ميسرة، يسهل فهمها من قبل عامة الجمهور.

وهنا تكمن واحدة من أهم صفات فن أحمد. فهو فن غير نخبوي، بمعنى أنه يسمح بتفاعل الجمهور العادي معه. ففي إمكان ذلك الجمهور أن يتأمل الصورة ويُفتن بجمالها من غير أن يحتاج إلى سؤال يتعلق بالفهم. الصورة لدى أحمد قائمة بذاتها حين يتعلق الأمر بالنظرة الساذجة الأولى وهي صورة غير طاردة بالنسبة إلى عامة الناس بل بالعكس. إنها صورة جاذبة بطريقة عاطفية لما تحتويه من مشاهد يمكنها أن تكون مقاطع من حكاية تنطوي على الكثير من الأسرار. 

وفي موازاة ذلك يمكن النظر بطريقة أكثر تعقيدا وهي الطريقة التي تقترب من عالم الفنان وتنجح في فهم رسالته من خلال تفكيك البنية الرمزية التي تجمع بين تفاصيل الحياة اليومية لسكان منطقة الأهوار والوقائع المتخيلة التي هي أساس البناء الفني للأساطير التي كتبها العراقيون القدماء الذين هم أجداد السكان الحاليين.

لم يكن فنه نخبويا غير أنه بالرغم من تفاعل العامة معه لم يكن فنا شعبيا إلا في حدود ما يُرى منه على مستوى التأويل الواقعي. 

كان يهمه دائما أن يوصف بأنه ابن الجنوب. هل هي عقدة انتماء عاطفية أم محاولة لإعادة الاعتبار إلى الجنوب العراقي باعتباره خزان جمال لا ينفد؟ 

رسم الأهوار كما لو أنه يرسم المدن السعيدة، لأنها بالنسبة إليه كانت كذلك. ليست حكايات طفولته تقول ذلك، بل كل المدونات الأثرية تؤكد أن الجنات كانت هناك.

الباحث عن الممالك الغائبة

Thumbnail

ما تعلمه من مدرسة الرسم الثوري الروسي “الواقعية الاشتراكية” حاول أن يوظفه بأسلوب تغلب عليه الواقعية الأسطورية. لقد سعى الفنان إلى أن يثبت أن ما يراه مجسدا في الواقع هو صورة عن حلم مستعاد. حياة كان عراقيو العصور القديمة قد عاشوها وهم يقفون في الخط الفاصل بين الدنيا والآخرة. لذلك كثرت في لوحاته مشاهد توديع الموتى الجاهزين للذهاب إلى الجنة.

وليس من المستبعد أن يكون تركيز الفنان على المرأة في لوحاته باعتبارها منقذة ومعبودة ومخلصة وفاتحة إلا نوعا من استذكار الجميلات اللواتي قمن بأدوار الكاهنات في المعابد السومرية. هن الآلهات اللواتي يتجسدن على هيأة نائحات يقفن حول جسد الرجل الغريق. لقد مخر أحمد الأهوار طولا وعرضا غير أنه في الأساس كان ينقب في أعماق المياه باحثا عن الممالك التي اختفت.

كان مفهوم الأصالة بالنسبة إلى هذا الفنان يقع في حنينه إلى الأماكن التي عاش فيها طفولته. ربما كان يُخيل إليه أنه يستعيد من خلال الرسم إرثا كان قد فقده.

إنه الرسام الأكثر عراقية من بين كل الرسامين العراقيين. ظل يرسم كما لو أنه يمشي على الماء كما يفعل أبناء الأهوار. لم يرغب في أن يكون ابنا معاصرا. كانت لديه أسبابه التي تحثه على البحث عن النفق الذي يقوده إلى جنته المفقودة. رسم بعاطفة مَن يرغب في التخلي عن هويته المعاصرة ليكون جزءا من الماضي. كان مؤمنا أن أجداده في الأهوار لو أتيحت لهم تقنية الرسم لكانوا قد رسموا مثله. لم يكن يتحدث عن ذاكرة بل عن حياة.

توفي في أبريل الجاري، وكان ابن حياة غادرت قبله بآلاف السنوات. لقد اعتبر نفسه رسام حياة أبدية. ما كان يراه على سطح اللوحة وقد رسمه هو محاولة لقول الجملة التي بدأت بها ملحمة جلجامش “هو الذي رأى“. ماهود أحمد الآن هو الآخر الذي وجد الطريق سالكة إلى جنته. 

Thumbnail
9