ماهو المنتج الفكري للمثقف العربي الآن

ليس سعي المثقف العربي إلى تجاوز الإشكالات الراهنة والمتضخمة في عمق مجتمعه أمرا جديدا، بل منذ عقود والمثقفون العرب يحاولون في مختلف مجالاتهم إلحاق مجتمعاتهم بركب العصر والتقدم ومعالجة الواقع، لكن الواقع في المقابل يتدهور في كل مرة من سيء إلى أسوأ، ما يجعلنا نتساءل هنا عن سبب عجز الثقافة العربية. “العرب” سلّطت الضوء على نقاط من بحث المفكر المصري محمود الضبع حول الثقافة العربية وقضاياها.
الثلاثاء 2016/10/04
الثقافة العربية تنفرد بتحديات كثيرة

يرى الناقد محمود الضبع أن الثقافة العربية تحققت كمشروع، ولكنها غابت كتقعيد فكري ونظري، بدليل أنه عند المقارنة بين الوعي الشرقي والوعي الغربي بها، نجد غياب التعريفات والأسس المنهجية المنظرة لها في الوعي العربي، في حين اهتم الفكر الغربي بالتأسيس لها نظريا، وربما يعود ذلك في الفكر العربي إلى الإجرائية التي اعتمدتها الثقافة العربية في مشروعها، بمعنى توجهها واهتمامها في المقام الأول بالمنجز لا التنظير، وهو ما تداركه للمرة الأولى عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته، حيث تنبه لأهمية التقعيد للعلم (علم الاجتماع) والتنظير له فكريًّا، وربما لو اكتمل هذا المشروع لاهتم بالتأسيس للثقافة عموما والتنظير لمعطياتها، غير أن هذا لم يتم على أي حال.

الهوية الثقافية

يشير محمود الضبع في دراسته الصادرة ضمن سلسلة شرفات التي تصدرها مكتبة الإسكندرية إلى أنه في مراحل النهضة العربية سواء بعد عصر محمد علي أو بعد الاشتباك مع النموذج الغربي، بدأ التفكير في الثقافة من منظور الوعي الغربي، وبخاصة مع فكر طه حسين والعقاد وعبدالرحمن بدوي ولويس عوض وشكري عياد وغيرهم، واستمرت المسيرة من بعدهم في إطار تطبيق الوعي الغربي على المنجز العربي.

ويؤكد الضبع أن التعددية في ذاتها قد لا تؤدي إلى تعريف الثقافة، وإنما لا بد لها من أنساق عامة تنتظم تحتها هذه التعددية، وعليه فإن أي محاولة لتعريف الثقافة في العصر الحالي لا يمكن لها أن تتقدم ما لم تضع في وعيها هذه التحولات، ففي عام 1998 أعلنت هيئة الأمم المتحدة أن عام 2001 سيكون “عام الحوار بين الثقافـات”، وجاء هذا الإعلان في البعض من أبعاده على الأقل كنوع من رد الفعل المباشر على ما ذهب إليه الكاتب الأميركي صامويل هنتنجتون في كتابه “صدام الحضارات” من أن البعض من الحضارات اللاغربية -ومنها الحضارة الإسلامية- تمثل تهديدًا خطيرًا للحضارة الغربية الحديثة ومقوماتها الليبرالية التي تفتقر إليها الثقافات الأخرى. وبعيدًا عن محاولات الرد التي حتمًا ستكون موجهة إلينا نحن العرب ولن يتعدى تأثيرها هذا المحيط، فإن السؤال الأهم هو: ما الذي يسوغ لظهور مثل هذه الأحكام الباطلة والمستعدية من وجهة نظرنا؟

محمود الضبع يتناول المراحل التي مرت بها الهوية الثقافية العربية لأن الهوية هي السمات الفارقة بين مجتمع وآخر

ويرى محمود الضبع أن ما أُعلن في الغرب حول الثقافة العربية، كان له أكبر الأثر في تعبئة المشاعر ضد المسلمين والعرب حتى داخل أميركا ذاتها، ومن ثم جاءت الريح مواتية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وغيرها من الأحداث التي تعاقبت في أميركا وأوروبا، وبريطانيا، وأفغانستان، وإيران، والدول العربية ذاتها، والتي يتم إلصاقها بالمسلمين حتى قبل أن تعلن جهة مّا مسؤوليتها عن الحوادث، وهو أمر يحتاج إلى تفكير عميق، وجهود ربما لا يمكن لمفكر أو باحث بمفرده أن يتبنى مسؤوليته عن القيام بها.

يتابع الباحث “الأمر الثاني الأكثر خطورة هو تعالي نبرة الدعوة إلى حوار الثقافات، والتقريب بين الثقافات المختلفة على أساس من الفهم والتقدير الصادرين عن الاعتراف بمبدأ النسبية الثقافية، الذي يقضي باحترام الهويات الثقافية لمختلف الشعوب، وهو أمر لا يسلم هو الآخر من اشتماله على أبعاد خفية تسعى لفرض هيمنات ثقافية على حساب أخرى، فهل في المرحلة الراهنة فعلاً يمكن القول بأن الثقافة العربية قادرة على الدخول في معترك حوار الثقافات؟ ونعني في سياق التحولات التي طرأت على أساليب ولغة الثقافة (مثلاً التكنولوجيا والكتب الرقمية، ولغات البرمجة الخطية ولغة الصورة وغيرها الكثير مما تتعامل معه المنطقة العربية بوصفها مستهلكًا لا منتجا)”. وفي إطار رصده للسمات الفارقة للهوية الثقافية العربية، توقف الضبع عند اللغة والأعراف والتقاليد، والموروث الثقافي، والمعتقد الديني، والاتصال والقطيعة المعرفيين، وأخيرا الأشكال المادية للحياة، وعد المعتقد الديني الجانب الأخطر والأهم في الملامح الثقافية العربية، ويوضح أن ذلك يتجسد من خلال مظهريْن: أحدهما يرتبط بالمعاملات، والثاني يرتبط بالأفكار، والأول أوضح وأدل، فالعرب إما مسلمون وإما مسيحيون، والمسيحية والإسلام لا يختلفان في المعاملات والسلوك.

إشكالات عربية

يتناول محمود الضبع في دراسته المراحل التي مرت بها الهوية الثقافية العربية باعتبار أن الهوية هي السمات الفارقة بين مجتمع وآخر، فيتوقف عند الهوية الثقافية في العصر الجاهلي، والهوية الثقافية في العصر الإسلامي، ثم يخص الهوية الثقافية للشخصية المصرية في مراحلها المتعددة بالدرس.

وحول علاقة الثقافة بالتكنولوجيا يتساءل الضبع “أين تقف الثقافة العربية؟ وماذا يتوجب عليها أن تصنعه؟ وكيف يتم استقبال أو تداول أصحابها للتحولات الحادثة (…)؟ وهل تقف بالفعل ثقافتنا العربية في منطقة آمنة؟ ألسنا نعي جميعًا أن ثقافتنا في خطر، وهويتنا في خطر؟”.

تقريب بين الثقافات المختلفة

ويرى أن الثقافة العربية تنفرد بتحديات كثيرة، يمكن إجمالها في إشكاليات الرؤية والمصطلح والخلط المفاهيمي بين الثقافة والمعرفة، وإشكاليات المنهج، والتنوع غير الممنهج، وعدم القدرة على حل الكثير من القضايا المصيرية التي استطاعت الكثير من الشعوب التعامل معها والانتهاء منها، والخلوص إلى مواجهة مشكلات تمثل صميم الحياة، ومنها قضايا الدولة والدين، والعلم والدين، والأصالة والمعاصرة، ناهيًا بالطبع عن الثنائيات الضدية التي طرحتها الحياة المعاصرة والتي تمثل تحديات معاصرة ومستقبلية للعالم أجمع، ومنها المحلية والعالمية، والهوية والعولمة، والمواجهة والالتحام، والنظام الإقليمي والنظام العالمي، وغيرها من القضايا التي لم تحل بعد.

يقول الباحث “يمكن النظر إلى نوعية التفكير في الوعي العربي على النحو التالي:

أولا فكر أصولي ديني يدور في إطار كل ما هو ديني إما بالشرح والتفسير والتعليل، وإما بإضافة المعاصرة وتكييف ما يمكن تكييفه مع احتياجات العصر، ولكن تظل تحكمه المرجعية، أو العودة إلى الوراء. ثانيا فكر توفيقي يسعى إلى التوفيق بين الثقافة العربية، والثقافات الواردة وبخاصة الغربية، وهو عادة يتعامل مع الظاهرة العربية بتفسير ثقافي معاصر، أو بمعنى آخر يطوع الثقافة الواردة وينقل حقل اشتغال مفاهيمها إلى حقول عربية، وما أكثر هذه المحاولات في الأدب والفكر والسياسة والأخلاق. ثالثا فكر غربي وارد، يرفض عادة التراث العربي جملة وتفصيلاً، ويبحث عن تفسير للكون والحياة والناس في الثقافة الغربية ومنجزها الحضاري. رابعا لا فكر، وهو تصنيف لا يمكن نكرانه في حياة البشرية بعامة، وفي حياة الأمة العربية بخاصة، إذ تبقى هناك شريحة لا تتعدى مستويات تفكيرها البحث عن طعامها وشرابها وحاجاتها الغريزية”.

ويضيف “بناء على التصنيفات السابقة، فإن مساءلة الثقافة العربية بحثًا عن المنتج أمر يحتمل الكثير من الشك، إذ ما المنتج الفكري للمثقف العربي الآن؟ وبمعنى أدق ولتحديد المرحلة المعنية، ما المنتج الفكري الذي أفرزه التراث العربي منذ عصور النهضة (بعد انتهاء الحكم العثماني) وحتى العصر الراهن؟.. والحقيقة أننا لا نريد الحكم بالسلب أو الإيجاب، ولا الحكم بالنفي أو الإثبات، وإنما محاولة رصد الأنماط الثقافية السائدة في بنية الثقافة العربية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

15