مايا أبو الحيَّات: تغيير رأس السلطة الفاسد لا يغير المجتمع

الأحد 2014/06/08
مايا أبو الحيّات: قمع المراة أدة لدوام التسلط

مايا أبو الحيات شاعرة وروائية تنتمي إلى الجيل الجديد من الكتاب الفلسطينيين، ولدت في بيروت وتقيم حالياً في القدس. في كلّ كتاباتها، تسعى أبو الحيات إلى اكتشاف الأرض والهوية وعلاقات الانتماء مع فلسطين. في رواية “لا أحد يعرف زمرة دمه” الصادرة عن دار الآداب عام 2013، تطرح الكاتبة أسئلة جديدة تبحث في علاقة الأنا مع الآخر.

الرواية، بالنسبة إلى مايا أبو الحيات، مشروع طويل لا يحدث لحظة الكتابة فقط، وإنما هو حدث تعيشه باستمرار، حتى أنها تشعر بأنها تكتب أحداث رواية طوال الوقت، غير أن وضع تلك الأحداث على الورق في شكل عمل مكتوب قد يحدث مرة كل ثلاث سنوات.

أما كتابة الشعر بالنسبة إليها، فهي كتابة مرحلية، لأن الشعر بالنسبة إليها تمرين تماس مع الداخل، وهو فعل جوّاني له انصباب مباشر وصعب على النفس، وهذا ما يجعلها تعيش فترات لا تستطع فيها كتابة الشعر نهائيا بسبب كونها تضع حاجزا هائلا بين داخلها وبين ما تمارسه على أرض الواقع.

تعتقد أبو الحيات أن الرواية عمل عقلي مضن، بينما ترى في الشعر عمل القلب المتقلب والمزاجي. وعلى هذا يكون اختيارها نوعا من بين الأنواع الأدبية أمرا مختلفا، ففي الرواية مثلا، يكون الأمر واضحا منذ البداية، عكس القصيدة، فهي تعرف أنها ستكتب رواية عن هذا الموضوع، وقد تستمر في تأجيل ذلك حتى اللحظة المناسبة، بينما ينصبّ الشعر عليها فجاءة.


السؤال الصعب


تذهب أبو الحيات إلى اعتبار أن من أصعب الأسئلة التي يمكن توجيهها إلى فنان أو كاتب فلسطيني هو كيف يحدّد علاقته مع الآخر الفلسطيني في الداخل والخارج ومع المحتل الذي لا يرى في نفسه محتلا. وتعتقد أن الإجابة عن مثل هذا السؤال تظل في حيّز التعذّر، لأنه يتوجب على الكاتب أن يعترف في هذه اللحظة أنه لا ينظر إلى الآخر على اختلاف دينه وبلده ومعتقداته وجنسه إلا بمقياس الطيبة. ولئن كانت لا ترغب في تعميم هذا الرأي الذي تؤمن به على الآخرين، لأن الأمر يبدو غير منصف، فإنها تحاول اجتناب الاصطدامات المتعلقة بتقييم البشر وتصنيفهم ضمن قوالب لم يساهموا هم في صنعها.

في أغلب نصوص مايا أبو الحيات ثمة أنثى تبحث عن صوتها وتحاول التأسيس لحضورها في ظل سطوة الذكر

حين تفكر أبو الحيات في الواقع البشري، في الطمع أو الحقد واختلاف الطبقات والكره والأمراض النفسية والأنانية، تجد لكل ذلك منطِقه ومبّرراته، لأننا لم نخلق جميعا بالمعايير ذاتها، لقد تم تقسيمنا منذ البداية إلى قبيحين وجميلين، أغنياء وفقراء، منبوذين ومقبولين، محبّين وكارهين. وترى هذه الكاتبة أننا خلقنا ونحن موصومون بما نحمله، لأننا لم نختر الظروف التي سنكبر فيها وستشكل معظم ما نعرفه عن الحياة، بل إن الفلسطينيّين لم يختاروا عائلاتهم ومدارسهم ومُعلّميهم وشتاتهم، لقد خلقنا بما نحن عليه ولا نملك إلا القليل من الفرص لتهذيب وتشذيب واختيار ما يمكن أن يجعلنا نختلف. لهذا لا يمكن لها، بوصفها مبدعة، إلا أن تشفق على هؤلاء جميعا بالمقدار ذاته.


نظرة طوباوية


ولا يختلف الأمر في علاقة أبو الحيات مع المحتل، غير أن الدم الذي بين شعبها وبينه يجعلها تحاول الوقوف على مسافة منه. هي لا تحاول تجميل المحتلّ كما لا تُجبر الآخرين على رؤيته بما ليس هو عليه. فلو كان الأمر بيدها لما فكرت للحظة إلا في الغفران، لكنها لا تستطيع أن تقول لأم شهيد أن تفعل ولا لمعتقل أن يغض الطرف عن الشمس التي لا يراها. لهذا اختارت أبو الحيات أن تظل على مسافة مع المحتل وهو أكثر ما يمكنها احتماله.

تستمد مايا أبو الحيات ملامح شخصياتها مما تعرفه في محيطها

هذه النظرة الطوباوية إلى الأشياء تبدو رومانسية جدا ولا تكون فيها أبو الحيات قادرة على اتباعها دائما، خاصة وأنها تقف على حاجز أو تتألم لفراق حبيب أو شاب أو طفل قتل دون رحمة. وهي لا تتخيل أنها ستفصح عن ذلك أمام معتقل بهذه السهولة، هذه أفكار خاصة بها هي من جهة كونها تحترم نفسها وتؤمن بما تكتبه، لكنها أفكار غير قابلة للتطبيق في الظرف الحالي، لأن هناك ظلما على الأرض، ليس فقط على أرض تمّت سرقتها، فهذا يمكن المسامحة فيه أو إيجاد تسوية له، وإنما هو ظلم يومي في أدق تفاصيل الحياة، إنه ظلم يصل إلى غرفة نومها ويحدد أفكارها وأحلامها وما تستطيع القيام به وهذا ما يمثّل تلخيصا لفكرة الاحتلال وفق رؤيتها.


شماعة المرأة


في أغلب نصوص مايا أبو الحيات ثمة أنثى تبحث عن صوتها وتحاول التأسيس لحضورها في ظل سطوة الذكر، وهي لا ترى في التغيرات التي تمر بها المنطقة فرصة قد تحقق للمرأة حضوراً أكبر في أحداث الواقع، لأن هذه التغييرات لم تأت لتغيير المجتمع، هي غيّرت رؤوس السلطة فقط، وتغيير رأس السلطة الفاسد لا يغير مجتمعا، خاصة وأن معظم الثورات هادنت ما هو تقليدي ومكرس مجتمعيا لكسب شرعيتها. لن يُكسب الرجل المرأة شرعية وجودها، كما أن سطوته مهما استشرت لن تفقدها هذا الوجود، هكذا تعتقد مايا أبو الحيات، وتؤمن بأن النساء طوّرن على مدى الدهور القمعية التي مرّت، في كل الأماكن وليس فقط في الوطن العربي، أساليب التحايل على محاولة طمس وجودهن وقد نجحن في ذلك.

قمع المرأة هو أداة لدوام التسلط والجهل والتخلف الذي نعيش في دائرته، التعليم الجيد والرفاهية والنظام الصحي والنظام الاجتماعي ستؤدي جميعها دون جهد كبير إلى حرية المرأة، نحن نعيش في نظام متكامل من القمع، الرجل مقموع والطفل أيضا، لأن النظام بشكل كامل مختل. وموضوع المرأة هو الشماعة التي رضي الجميع تعليق فشلهم عليها.

إلى جانب الكتابة إلى الكبار كتبت أبو الحيات للأطفال، وما كانت تعتقد أنها ستكتب للأطفال، غير أن الطاقة التي يمنحها إياها العمل مع الأطفال هو ما جعلها الآن تكرس معظم وقتها لهذا الأمر. وترى أبو الحيات أن تلك الفكرة الرومانسية التي حلمنا بها في مرحلة معينة لتغيير المجتمع أصبحت الطريقة الوحيدة الممكنة لتحقيقها هو العمل مع الأطفال. هناك عنف مجتمعي يقع على الطفل من المدرسة والشارع والبيت وحتى من سائق الباص ووسائل الإعلام. مع الأطفال تستطيع هذه المبدعة أن تلعب وتمارس طفولتها بشكل كامل وتفعل معهم ما تمنت أن يفعله أحد معها لمّا كانت صغيرة، وهو الحب واللعب والكثير من الضم والتقبيل. لذا فهي لا تعتقد أنها تكتب للأطفال بقدر ما هي تلعب معهم.


قلق وجودي


تستمد مايا أبو الحيات ملامح شخصياتها مما تعرفه في محيطها، ومما تحتاج إلى تفسيره، وتذهب في تفسير هذا إلى القول بأننا نحن نكتب في العادة ما نتمنى أن نقرأه. بل هي تكتب لكي تتخلص من قلقها الوجودي، وتعتقد أنها ستتخلّص من هذا القلق في أعمالها القادمة، ربما لأنها ستكبر وستتجاوز قلقها فلا يؤرقها. الآن، أبو الحيات مهتمة بإطعام أطفالها وبالعودة إلى البيت قطعة واحدة. هي تفكر في هذه الصورة بشكل يومي رتيب، وتظنّ أن ذلك سيؤثر على ما تكتبه، وترى أن هذا الأمر جميل لأنه يحدث تنوعا وثراء في ما تكتب.

الثورات تشتعل في المنطقة العربية في محاولة من الشعوب لإعادة إحياء الأصوات المهمشة والوقوف في وجه القمع، إلا أن مايا أبو الحيات قد توقفت عن تقييم الأمر، فهي لا تستطيع تحليل أي شيء بحضرة أطفال يقتَلون بشكل يومي، ولم تعد قادرة على استيعاب هذا القتل والوحشية مهما كان الطرف الذي يصنعهما. لكن، تتساءل أبو الحيات، هل سيعلو صوت الأصوات المهمشة الآن وهل يمكن للقمع أن يتوقف، ربما نحتاج لمئات الثورات بعد هذه الثورة، حتى نصل إلى تحقيق هذا المطلب.

بالنسبة إلى مايا أبو الحيات، فإنّ التوصيف المريح للفلسطيني بكونه زائرا في هذه البلدان (وهو كذلك) هو توصيف سياسي وليس توصيفا إنسانيا، معظم الأجيال الجديدة ولدت وتربت في مخيمات تلك البلدان وهي تدين لها بذكرياتها وحنينها، وتدين لفلسطين بأصلها فقط.

الرجل مقموع والطفل أيضا، لأن النظام بشكل كامل مختل وموضوع المرأة هو الشماعة التي رضي الجميع تعليق فشلهم عليها


الكتابة والصورة


مواجهات أبو الحيات التي تخوضها الآن على الصعيد الأدبي – أي على صعيد علاقتها مع النص- هي بالتوصيف مواجهة مع شكل النص ولغته وفردانيته، تبدو الكتابة فعلا سهلا خاصة مع وجود مئات الطرق للتواصل على صعيد اللغات جميعا وليس فقط اللغة كنص، فالصورة، على حدّ قول هذه الكاتبة، هي لغة عظيمة فجة ووقحة ومباغتة، كذلك فإن مئات الأفكار التي تطرح يوميا على شبكات التواصل عائق مخيف أمام الكاتب ليحدد ماهية أفكاره الخاصة، فأنت أحيانا تشعر أن كل الأشياء قيلت فعلا، وأن الكتابة لم تعد تلك الأداة الخاصة بك ككاتب، فالجميع يستطيع الكتابة والحصول على الإعجاب والتميز وبشكل علني، ربما كان هذا موجودا دائما، لكننا الآن أصبحنا نواجهه ونتواصل معه بشكل لحظي ومباشر. طبعا إضافة إلى مواجهة العصر الحديث وسرعته وتقلباته فأنت لا تريد أن تكون معلّقا على الأحداث، وأن تحافظ على هدف الكتابة الأساسي وهو الإمتاع وخلق معرفة جديدة ولغة مختلفة تحمل هذا كله.

تذهب مايا أبو الحيات إلى اعتبار تعدد الأصوات في روايتها الأخيرة أمرا أساسيا لهدم القصص التي تعرفها الشخصيات عن أنفسها، وهي ربما تكون لغة دائرية تخدم الفلسفة التي تؤمن بها وصورتها الترفع عن إطلاق الأحكام وتلمس الأعذار والمبررات للشخصيات مهما بدت قاسية وكريهة أحيانا. أما بالنسبة إلى لغة السرد، فتقول إنها تحاول منذ مدة استخدام لغة قريبة جدا من لغة الصورة لأنها مرعوبة من قوة الصور على التأثير في المتلقي.

إلى جانب كونها كاتبة، تمارس مايا أبو الحيات فن التمثيل، جامعة في ذلك بين حضور الجسد في التمثيل وحضور صوت المؤلف في الكتابة. وهي تفسّر ذلك برغبتها في أن تكون ممثلة قبل أن تكون كاتبة، لكن الكتابة أسهل من جهة التحايل على الظروف، لذلك فحين أصبحت حرة فعلا، صارت قادرة على المواجهة الجسدية التي لا تختفي بين دفتي كتاب بالإضافة إلى المواجهة الذهنية.

14