مايا الحاج تستدرج بطلتها المحجبة إلى كرسي الاعتراف

الاثنين 2014/04/28
هل عثرت بطلة مايا الحاج على ذاتها أم تبددت وسط تساؤلاتها وحيرتها

تنضمّ الناقدة والصحافية اللبنانية مايا الحاج إلى قائمة طويلة من النقاد الذين أغوتهم عوالم الرّواية السّحرية، التي مارسوا عليها أدواتهم الإجرائية، وراحوا يتعقبون جماليتها. وفي باكورة أعمالها «بوركيني.. اعترافات محجبة»، الصّادرة عن «منشورات ضفاف»، تقدّم الحاج صورة لصراع الأنا وأناتها عبر صراع بطلتها الغارقة في حيرتها وتأمّلاتها ومراجعاتها لذاتها بعد أن اتّخذت قرارها المتمرّد والمخالف لبيئتها الليبراليّة.

بطلة الرّواية فنانة تشكيلية موهوبة تجيد رسم الأجساد، تزيّن رأسها بحجاب جعلها موضع انتقاد في محيطها الاجتماعيّ، وتتخذه وسيلة تدافع به عن دعاوى باطلة تربط بين إبداع حقيقي وتحرّر، كما لا يحمل أبعادا سياسيّة أو حتى رمزا دينيا، بقدر ما هو شعور الفطرة الذي جعلها تستنكر بعد أن تخطّت سن المراهقة، لأن تعرّي جسدها في المسبح حتى ولو كانت بين نساء فقط.


انهيار الأيديولوجيات


لا تنفصل تناقضات البطلة عن السّياقات الثقافيّة التي خرج منها النّص، حيث أجواء التعصّب والحقد ورفض الآخر المسلم، فتستعرض كافة الممارسات التي عكست نوعا من التحيّز ضدّ الحجاب على نحو ما حدث في فرنسا وبعض الدول الأوروبيّة التي منعت الطّالبات المحجبات من دخول مدارسها وجامعاتها.

وانتشار الثقافة الاستهلاكية التي حلّت بحلول الرأسمالية، وما تبعها من تردّد مقولات الاستهلاك عن الجسد، حتى أضحى مكانا لصراع الخطابات المتناقضة وحوله تدور النزاعات الكبرى، وما أعقبه من محاولات اختزاله وتشييئه للترويج عن سلعة زائفة كما سعت البريطانية ليندر كيرسيلينج، وما قابل هذا من شيوع الحجاب، ليشغل حيزا في المجتمعات الراقية وهو ما كان له تأثيره في مواكبة خطوط الموضة العالمية له، مما حدا بالمصمّمة الأسترالية المسلمة إلى أن تصمّم المايو «البوركيني»، لكلّ امرأة يمنعها حجابها من مرافقة أصدقائها وأسرتها في رحلاتهم البحرية، والمفردة عبارة عن مركب كلمتين متناقضتين برقع وبكيني وقد عرف بالمايوه الشرعي، ومنه استمدّت الكاتبة عنوان روايتها، وإن كانت زادت عليه عنوانا فرعيا «اعترافات محجبة» كنوع من التوضيح لدلالة العنوان التي لا تظهر إلا في سياق متأخّر.

وهو ما يعكس حالات التأرجح الواقع فيها الجميع بعد انهيار الأيديولوجيات الكبرى، فصار أفراد المجتمع يعيشون مزيجا بين حياة الحرب واللاحرب، الدين واللادين، الإيمان الظاهر والتحلّل من كلّ القيم في الباطن، الدّعوة إلى حرية المرأة واستلابها على مستوى الفعل.

يتجاوز مفهوم البطلة للجسد ثقافة الاستهلاك باعتباره ليس تابوتا للروح، وإنما مرآته

وحتى لا تبدو السّاردة متحيّزة في دفاعها عن الحجاب ضدّ هذه القوانين التي «لا تحترم حرية المعتقد رغم أنها تشيد بمدنيتها»، فلا تغفل الكاتبة المحاولات الأولى لتحرّر المرأة على نحو تمرّد صفية زغلول في 1924 بعد عودتها مع زوجها وظهورها سافرة الشعر، وفي المقابل تعرض لموقف جريدة روز اليوسف التي شنّت هجوما ضدّ المطربة الناشئة آنذاك أمّ كلثوم حتى أنها وصفتها بـ«الأوركسترا المعمّمة» كنوع من السّخرية من زيّها.


ذوات مجروحة


كان للمكان حضوره المؤثّر في الرواية، فجاء تقسيم النص إلى فصول حمل أغلبها عناوين أماكن ارتبطت بها السّاردة، (في المحترف، في المقهى، في غرفتي، في اليوم التالي، في المعرض).

يمثّل لقاء المقهى بين السّاردة وصديقة حبيبها القديمة لقاء فارقا في تشكيل الأحداث وتوقيف الزمن الذي لم يتجاوز أسبوعا واحدا، وكأنّه المفتاح الذي نكأ الجرح الذي كانت تداريه؛ جرح الذّات واكتشاف أناتها، فدخلت منه في مواجهة صامتة بين ذاتها التي ترى أنّها كانت مقهورة خلف حجاب، وبين الأخرى المتحرّرة التي ينضح جسدها بأنوثة طاغية ومثيرة كـ«دمية اللّذة» على حدّ وصفها.

وهو ما دفع بالسّاردة إلى أن تتجاوز لحظة المقهى الفارقة في حياتها، وترتدّ إلى زمن بعيد/ علاقتها بالحجاب، وبداية تمرّدها بألا تكون واحدة من بين ثلاث أخوات متشابهات في كلّ شيء، وإنما تكون كما أرادت، وما بين اللحظتين تكتشف أنها «لم تعش حياتها كامرأة وإنما كظل امرأة»، ومن ثمّ تتخذ قرارها الخطير بعد مقارنتها بين جسد العشيقة الظّاهر، وجسدها المُخبّأ خلف الحِجاب، إلى أن تلجأ في غرفتها إلى خلع الحجاب ليلا، وارتداء ما يُظهر أنوثتها بفستان أحمر مُتهتك، يكشف مفاتنها ويؤكّد لها أنوثتها وجاذبيتها.

تقدم مايا من خلال كتابها فلسفتها عن الحجاب

وإن انتهى بها إلى أن تعيش التّجربة الحسيّة مع خطيبها بعد تقديم موعد الزواج في مفاجأة للجميع كي تثبت له شعورها العارم بجسدها وبأنوثتها، لكن العجيب أنّ الحبيب لا يستقبل ما أهدته إليه بفرح فقد أطلت الذكورية من أعماقه عندما رأى خصلة الشّعر البارزة أو “النيولوك” الجديد أثناء افتتاح معرضها، وفيها إشارة إلى حالة الازدواجية التي لا تفارق الرّجل الذي لا يني في مطاردة الأنثى المتحرّرة، وفي ذات الوقت يريد أن يحتفظ لنفسه بالأنثى المتبتّلة النّاسكة التي لا يُشاركه فيها أحدٌ، وقد ظهر في تأففه وهو يتأمل لوحاتها التي عكست أيروسية الجسد.


فضاء التناقضات


ينهض السّرد على التساؤلات، وتتنوّع الأسئلة عاكسة حالة القلق الوجودي التي تعيشها السّاردة، والتي تؤمن بالاختلاف عن «علاقتها بالله ولماذا خلقها الله»، وبعضها يصل إلى الشّك في أنوثتها فتوجّه تساؤلها للغائب الحبيب: «كيف تراني كأنثى؟»، وبعضها يُظهر الحيرة «لماذا أُخْفي هدية منحني الله إيّاها لحكمة يعلمها وحده؟»، أو من قبيل «ما هي قيمة المرأة من دون جسدها؟» وبعضها يتعلّق بالتساؤل عن اهتمام وتعلّق الآخر بها.

وثمّة أسئلة عن الجمال و«كيف يمكن أن يكون عابرا ومتحوّلا»، وعن علاقة الفن بالثقافة ودورهما في التغيير، وأخرى عن طبيعة العلاقة بين الرّجل والمرأة قبل الزّواج، إلى أن تنتهي إلى السّؤال الشّائك: «هل يغضب الله من لقــاء جسدين لا يجمعهما سوى الحبّ؟»

لا تقدّم الكاتبة نصّا حكائيا لنتعاطف به مع بطلتها أو ندين غريمتها، أو حتى مجتمعها، وإنما تقدّم فلسفتها عن الحجاب، ودوافع ارتدائه، وكلّ ما يتصل بالجسد والحياة والإيمان والحرية، فترى الإيمان الصلب هو الذي يتأتّي من البحث وليس من الخضوع، كما أن الحرية ليست في «ارتداء البكيني أو الميني جوب»، وإنما هي «فكرة تنبع من دواخلنا ونذهب بها بعيدا جدا من أجل تحقيقها دون خوف أو مساومات».

14