مايا الحاج: روايتي لا تقيم محاكمة للحجاب أو السفور

الخميس 2014/06/19
مايا الحاج تختبر حضور الأنثى وعلاقتها مع الجسد والمجتمع

بيروت - الجسد الأنثوي هو حامل للذّة، وهو مفتاح للرغبات، ويخضع للقيود والمكبّلات، أمام هذه العراقيل نرى اللبنانية مايا الحاج تقف على شفتي الصراع بين ما هو رغبة وما هو قيد، بالإضافة إلى عملها في الصحافة والنقد الأدبي ترسم مايا الحاج في تجربتها الروائية الأولى “بوركيني”، الصادرة عن منشورات “الضفاف” و”الاختلاف” (2014)، العلاقة بين المرأة وجسدها والحجاب لتسبر خفايا الأنثى وتعيد إبرازها للضوء. “العرب” التقت بمايا الحاج لتتحدث إليها عن الأنثى والكتابة والجسد، فكان الحوار التالي.

تناولت الكاتبة اللبنانية مايا الحاج في روايتها الأولى “بوركيني” العلاقة بين الجسد والحجاب، عن سبب هذا الاختيار في ظل حركات التحرر التي تنادي بها المرأة حاليا حيث ترى الحجاب نوعا من القمع، تقول الحاج: “هذه الحركات ليست وليدة اللحظة الراهنة، فقد بدأت في العالم العربي نهاية القرن التاسع عشر تقريبا، وبلغت أوجها في أواسط القرن العشرين، ومازالت الأصوات المنادية بضرورة تحرير المرأة وتحقيق مساواتها مع الرجل تتردّد إلى يومنا، لكنّ هذا لا يلغي حقيقة وجود نسبة كبيرة من المحجبات في عالمنا العربي والإسلامي. فالحجاب لم يعد يعني الاحتجاب، ولم يعد شكلا من أشكال القمع الاجتماعي. وما كان ممنوعا على المرأة من حقوق كالتعليم والعمل والاختلاط، صار حقا لها. بل ثمة محجبات ينخرطن في أعمال حقوقية ويترأسن حركات نسائية تدعم قضايا المرأة وتطالب بحقوقها المجهضة في عالم عربي “ذكوري”.

وتضيف الحاج قائلة: “أما روايتي فهي لا تقدّم محاكمة للحجاب أو السفور، إنما تعرض مقاربة جديدة لمفهوم الجسد من خلال شخصية فنانة محجبة تعيش بين عالمين متناقضين، أحدهما متحرّر والثاني ملتزم، ومن هنا جاء عنوان الرواية المشتق من كلمتين متناقضتين “بوركيني” (برقع وبيكيني). لم أكتب الرواية لكي أنصف المحجبات أو أذمهن، بل تعاملت مع مسألة الحجاب كأمر واقع وقدّمت محاكاة لمشاعر أنثى غارقة في صراع حادّ بين جسدها وكينونته”.

أي تعصّب، إنما هو خطر على كل رجل حر ومعتدل ووسطي تماما كما هو خطر على المرأة والفنان والمبدع

هناك من يرى أن هناك تهديدات لمكانة المرأة التي حققتها في ظل صعود التيارات المتشددة التي تشهدها المنطقة حاليا، في هذا الشأن تقول مايا الحاج: “لا شكّ أنّ صعود التيارات الظلامية المتشددة يضرّ حتما بواقع المرأة إذ لا يرى فيها أكثر من عورة يجب سترها أو ربما محوها، لكنني أرى أنّ ضيق الأفق الفكري لدى هؤلاء يشكل تهديدا للحياة برمّتها. فالتعصّب، أيّ تعصبّ، إنما هو خطر على كلّ رجل حرّ ومعتدل ووسطي تماما كما أنه خطر على المرأة والفنان والمبدع”.


لا أعترف بالذكورية


كثيرون يرفضون تجنيس الكتابة تحت مسميات أدب أنثوي وأدب ذكوري، لكن من الملاحظ دائما الرغبة في التأسيس لصوت أنثوي قادر على الكتابة من منظور أنثوي للكون بعيدا عن السطوة الذكورية، عن موقفها من هذه الآراء، تقول الحاج: “الأدب لا جنس له، ولا يمكن لأي نوع من أنواع الفنون أن يرتبط بجنس صاحبه. وبالرغم من شيوع هذه المصطلحات، فهي ليست قائمة على أي أساس نقدي أو أكاديمي، لذا أنا لا أعترف بها علميا وأرى أنها تكرّس شكلا جديدا من الأشكال النقدية “الذكورية” إذا صحّ التعبير. فلماذا نطلق على الأدب الذي تكتبه النساء مصطلح أدب نسائي أو أنثوي فيما لا يطلق على الأدب الذي يكتبه الرجال مصطلح “أدب ذكوري” أو “رجالي”؟. ولكن أحيانا تأتي التسمية انطلاقا من الموضوع نفسه وليس من جنس الكاتب، وهنا يمكن استخدام أدب نسوي وليس نسائيا. وثمة روائيون يتناولون قضايا المرأة في أعمالهم ويدافعون عنها وقد تنخرط هذه الأعمال تحت مفهوم الأدب النسوي وإن كان كاتبها رجلا”.

الكاتبة تبرز التناقضات التي تحكم الجسد


صراع الفكر والجسد


الجنس هو احتفال بالجسد، ومقياس لمدى حضوره ماديا وروحيا، هل الكتابة قادرة على تحرير الجسد من القيود التي فرضت عليه و التي تنسحب حتى على الفعل الجنسي، عن هذا الموضوع تعلق الحاج قائلة: “يمثّل الجسد الفضاء الأساسي في روايتي، بل هو بمثابة المكان والزمان غير المحددين في الرواية. منه انطلقت الأفكار والمعاني والصور والصراعات، ولا أقصد الجسد هنا بأبعاده الجنسية، إنما باعتباره امتدادا للروح وجزءا من الذات الإنسانية. وأنا لم أفصل في الرواية بين الروح والجسد لأنّ كينونة الإنسان لا تكتمل من دون أيّ منهما. أما الكتابة فهي تحرير للذات الإنسانية، بشقيها الجسدي والروحي”.

تبرز في “بوركيني” التناقضات التي تحكم الجسد وكذلك التي تحكم المجتمع ورؤيته المزدوجة لهذا الجسد، هل من الممكن أن تتغير هذه النظرة في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة، تقول الحاج في هذا الصدد :”قد تكون فكرة الصراع التي يقوم عليها النصّ مرتبطة بشكل أو بآخر خلال المرحلة المفصلية التي يمرّ بها عالمنا العربي. فالبطلة تعاني من مأزق وجودي يتجلّى في صراع محموم بين فكرها وجسدها، بين رغباتها والتزاماتها، بين فنّها وأنوثتها. وفي المقابل، فإن الشباب العربي يعاني اليوم من صراعات متعددة الوجوه والسياقات؛ أمّا المشهد العام فما زال مشوشا، ولا يُمكن التكهن بما ستصير إليه الأمور”.


البحث عن الحقيقة


يقول ميشيل فوكو: “الكتابة تمتلك الحقيقة”، فما هي الحقيقة التي تحاول مايا الحاج إثبات حضورها، تقول: “نحن نسعى دوما إلى أن نكتب لعلّنا نجد حقيقة ما، لكننا كلّما كتبنا وجدنا أنفسنا نبتعد أكثر عن تلك الحقيقة. فأنا لا أكتب لأنني أملك جوابا، بل لأنّ أسئلة كثيرة تحاصرني من غير أن أجد أجوبة عنها. وعندما فكرت في كتابة رواية تمسني في مكان ما، اعتقدت أنني سأفهم نفسي، لكنني بعد الفراغ من الكتابة وجدتني أكثر جهلا بنفسي وبحقيقتي. ولو كان الكتّاب يملكون فعلا الحقائق لما واصلوا مسيرتهم في الكتابة، لأنّ اكتشاف الحقائق وإيجاد الأجوبة يعني بلوغ النهاية، في حين أنّ ما يجعلك مبدعا هو ألاّ تستطيع أن تنتهي”.

تعاملت مع مسألة الحجاب كأمر واقع وقدمت محاكاة لمشاعر أنثى غارقة في صراع حاد بين جسدها وكينونته

وعن وجود مشروع روائي جديد تحضر له، تقول الحاج: “الكتابة حاضرة دوما في حياتي، سواء كان في مجال الكتابة النقدية والصحافية أو الإبداعية. أقرأ يوميا وأكتب بشكل مستمرّ، ولا أعرف إن كان ما أكتبه اليوم سيكون هو مشروعي الروائي الجديد أم لا”.

لطالما كانت لبنان وخصوصا بيروت ملاذا للأدباء والمثقفين، وتشهد بيروت الآن حضورا كبيرا لسوريين يعملون في المجال الثقافي، كيف تصف مايا الحاج هذه الحالة وما يمكن أن يتولد عنها، تقول: “الأمر ليس مستغربا، بيروت كانت ومازالت عاصمة الإبداع والفنون والنشر، وقد فتحت حضنها إلى كبار الكتّاب والشعراء السوريين والعرب ومنهم أدونيس ونزار قباني ومحمود درويش ومحمد الماغوط وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم.. اعتادت بيروت، هذه المدينة الصغيرة، أن تتسّع لكل زوّارها وضيوفها. وربما يكون حضور الكتّاب السوريين في بيروت عاملا إيجابيا يُكرّس الحراك الثقافي البيروتي. مع أملنا طبعا بعودة الأمن والسلام إلى سوريا وكلّ الدول العربية”.

15