مايا مرسي من برج الدبلوماسية إلى مهمة الدفاع عن النساء

السبت 2016/08/20
خليفة سوزان مبارك على مقعد المرأة تواجه أزمات مصر

القاهرة - مثل الكثير من النساء في مجتمعات الشرق الأوسط ودول أفريقيا، تعاني المرأة المصرية من تحديات وتقاليد مجتمعية أصبح من الصعب تغييرها أو تعديلها بسهولة، حتى وإن توافرت الإرادة السياسية وهو أمر أدركته مايا مرسي الرئيس الحالي للمجلس القومي للمرأة.

ثقافة الشعب نفسها ونظرته للمرأة ودورها وحقوقها، تبقى حائطا منيعا أمام تغيير معتقدات وأفكار توارثتها الأجيال المتعاقبة وأصبحت راسخة في الوجدان، حتى عند صنّاع القرار أنفسهم.

لهذا كانت مناداة نشطاء حقوق المرأة في مصر للسلطات المتعاقبة بإنشاء وعاء جامع يكون ممثلا قانونيا للنساء المصريات أمام الدولة، ينوب عنهن في المطالبة بحقوقهن المهدرة على مرّ السنين.

استثمار المرأة سياسياً

بحلول العام 2000 توجه نظام حسني مبارك للاستفادة السياسية من القاعدة العريضة للنساء في مصر، واستخدامهن كأداة لزيادة شعبية النظام بضم المزيد من المؤيدين من الجنس الناعم الذين تشملهم الرعاية والاهتمام.

لتحقيق هذا ظهر كيان جديد أو إطار يظلل كل نساء مصر أطلق عليه “المجلس القومي للمرأة” وتولت رئاسته سوزان مبارك زوجة الرئيس السابق حسني مبارك، غير أن معاناة المرأة لم تنته وعرف عن المجلس آنذاك أنه يستهدف غالبا الطبقة الأرستقراطية التي تتفق مع فكر وسياسة نظام رجال الأعمال.

صحيح أن المجلس خلال سنواته العشر الأولى التي تزامنت مع عهد مبارك، كانت مساعيه تقتصر في توعية النساء من مخاطر ختان الإناث ومحو أمية النساء، وغيرها من التحركات التي تستهدف تغيير الثقافة ليس أكثر، لكن هذا التوجه كان مقبولا نسبيا في وجود قبضة أمنية حديدية حالت دون وقوع أحداث عنف منتظمة ضد المرأة.

غير أنه بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011 طرأت على المجتمع العديد من التغيّرات، من بينها التحرر من بعض القيود، وحدوث حالة من الانفلات الأمني وظهور تيارات إسلامية متشددة معادية لفكرة المساواة بين الجنسين.

كل ذلك انعكس بشكل سلبي على المرأة، سواء في صورة تحقير من شأنها أو ارتفاع معدلات التحرش الجنسي والاعتداءات الجسدية، وصلت إلى محاولة إقرار قانون بتخفيض سنّ الزواج للسماح بزواج الأطفال.

أمام هذا كلّه وقف المجلس القومي للمرأة متفرّجا في فترة ريبة لأغلب المؤسسات الرسمية في مصر، بسبب كثرة التحديات وانشغال الدولة نفسها ببناء النظام السياسي والاقتصادي والأمني، وأصبح دور المجلس محصورًا في إصدار بيانات في المواقف الاستثنائية حتى تولت مايا مرسي رئاسته كأصغر سيدة تشغل هذا المنصب.

من برج عاجي، حيث العمل لسنوات في أوروبا كممثل إقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بالمرأة، اصطدمت مايا مرسى بمشكلات وقضايا 47.5 بالمئة تمثل تعداد نساء مصر من إجمالي السكان.

أصبحت بحكم منصبها مسؤولة عن تغيير وضعية المرأة وإعادة حقوقها التي سلبتها منها الأسرة أو المجتمع أو حتى الأنظمة السياسية المختلفة، فتصدّت للمهمة بحماس الشباب والخبرة التي اكتسبتها من عملها في بعض المنظمات الدولية.

حائط صـد

عمدت مايا مرسى صاحبة الـ46 عاما، منذ نجاحها في انتخابات رئاسة المجلس التي جرت مطلع العام الجاري، إلى أن تكون حائط صدّ أمام المزيد من الضربات التي تصوّب بين حين وآخر تجاه المرأة المصرية.

(المجلس القومي للمرأة) يعد كيانا مستقلا تولت رئاسته سوزان مبارك زوجة الرئيس السابق حسني مبارك، غير أن معاناة المرأة المصرية لم تنته بتأسيسه، فقد عرف عن المجلس آنذاك أنه يستهدف غالبا الطبقة الأرستقراطية التي تتفق مع فكر وسياسة نظام رجال الأعمال

غير أن مشكلتها الحقيقية، أنها لم تتعامل عن كثب مع أفراد الشعب من قبل، إذ قضّت 23 عامًا في الأمم المتحدة، حيث الحياة الغربية والرفاهية وغياب فكرة التمييز والإقصاء والعنف والتحرش والختان، وغيرها من الكوارث التي تعاني منها المرأة في مصر.

وصفت مايا نفسها فقالت إنها قارئة جيدة لأزمات النساء في مصر، حتى وإن كان عملها في الأمم المتحدة أبعدها عن البلاد نصف عمرها تقريبا، لكنها قد لا تدرك أنها أصبحت في مواجهة صعبة وقد تبدو خاسرة.

التحديات التي تواجهها في مهمتها تتعلق في الأساس بتغيير أفكار وموروثات وأخلاقيات مع الوقت أفرزت عادات وتقاليد وأفعالا شاذة فشل رجال القضاء وعلماء الدين أنفسهم في تغييرها.

لكن التحدّي الأكبر أن منصب رئيس المجلس القومي للمرأة نفسه بوضعه الحالي، قد لا يتعدى التوعية وطرح الأفكار والتوصيات واقتراح قوانين ومخاطبة مؤسسات الدولة بشأن قضايا المرأة، ما يبعده عن دائرة المواجهة المباشرة أو بمعنى أصح المحاسبة.

بالتالي تبقى يد رئيس المجلس مكبلة عن التدخل الصريح لأجل تنفيذ استراتيجية حقيقية تساعد على تنفيذ ما يصبو إليه من تغيير جذري في وضعية المرأة وحقوقها وصونها والدفاع عنها.

لأجل ذلك، يمكن القول إن المجلس لا يزال ضمن المؤسسات غير المعروفة لكثير من فئات المجتمع، وحتى لعشرة ملايين سيدة وفتاة أميّة وهي النسبة الأكبر في تعداد الأميين في مصر.

كل هؤلاء من المرجح بقوة أنهم لا يدركون ماهية المجلس القومي للمرأة أو دوره، ما يعني أن تحركاته تنحصر في دائرة تبدو ضيقة للغاية.

لا تنازل ولا تراجع

مايا مرسي حتى وإن هبطت من برج عاجي هادئ إلى مجتمع يظهر عليه الانفلات والعشوائية والعدوانية تجاه المرأة، فإنها ترى في نفسها القدرة على التغيير، وإن طال الوقت، لذلك لجأت إلى سياسة التحدي والعناد.

رفعت شعار “لا تنازل ولا تراجع عن حصول المرأة على جميع حقوقها التي يتحصل عليها الرجل، ولا سبيل لبلوغ هذا الهدف سوى بكسر الحاجز الذي فرضه المجتمع على المرأة.. ومهمّتها أن تكون قوية بما يكفي لكسر الحاجز مهما كانت العقبات”.

تحاول بشتّى الطرق الظهور في صورة المرأة الحديدية التي تسعى لتجاوز العقبات، لكنها عادة ما تصطدم بكثرة الحواجز التي أصبحت في حاجة إلى معجزات لتحطيمها.

هناك حاجز الأميّة وحاجز الزواج المبكّر وختان الإناث الذي يؤيده شيوخ السلفية ويغذيه بعض الدعاة، فضلا عن حاجز إبعاد المرأة نفسها عن المناصب المهمة في الدولة بدعوى عدم قدرتها على القيام بمهام معينة.

ويظل الحاجز الأكبر أمامها والذي قد يصعب تحطيمه بسهولة، كثرة الاعتداءات الجسدية واللفظية على المرأة، فبعدما كانت الأسرة هي المحيط الآمن للمرأة المصرية وحصن الدفاع عنها وعن كرامتها، أصبحت في غير مأمن من ضربها وسحلها وإهانتها.

تتفاقم الأزمة بأن الاعتداء عندما يأتي من الأغراب تمكن مواجهته بالقانون أو حتى بقوة الرأي العام، لكن الكارثة أن الاعتداء الجسدي يأتي من المسؤولين عن تأمينها في المنزل، وأصبحت هناك امرأة من كل 3 نساء تتعرض للاعتداء في مصر.

مشكلتها الحقيقية، أن مايا مرسي لم تتعامل عن كثب مع أفراد الشعب من قبل، حيث قضت 23 عاما في الأمم المتحدة، وسط الحياة الغربية والرفاهية وغياب فكرة التمييز والإقصاء والعنف والتحرش والختان، وغيرها من الكوارث التي تعاني منها المرأة في مصر.

ولا تخجل مايا مرسي من الاعتراف بأن نجاح المجلس، بعضواته الثلاثين، سيكون في انتشال المرأة من هذا الوضع، وتعوّل على وجود مساندة حقيقية وفاعلة من الدولة والمجتمع بشكل عام والأسرة بشكل خاص، وإلا سوف يستمر الوضع على ما هو عليه.

لا يمكن استمرار ثقافة ختان الإناث وهناك بنات يقتلن بسبب الختان، وغير مقبول أن تتحدث الحكومة المصرية عن تمكين وثمّة إقصاء للمرأة من المناصب القيادية داخلها، مثل الوزارات والهيئات المهمة، وغير منطقي إقناع الناس بأنهم يطبّقون عادات خرافية ويوجد رجال دين يحللون ذلك.

ما يعطي مايا مرسي دفعة معنوية للقفز فوق الحواجز التي تبدو مرتفعة في أعين الكثيرين، هو تركيز الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على دور المرأة في المجتمع وكثرة التطرق إلى ذلك في خطاباته، لكن هناك من يفسّر ذلك على أن حديث السيسي لا يعدو مجرد تكريم للمرأة، وردا للجميل لها بعدما خرجت بحشود غفيرة للمشاركة في ثورة 30 يونيو 2013 وإزاحة نظام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي.

وفي ظل هذا التفسير تتعامل مايا مرسي مع الأمر من منظور مختلف تماما، وترى موقف الرئيس السيسي نقطة بيضاء يمكن أن تنطلق منها وتتخذها ركيزة أساسية في تنفيذ طموحاتها التي لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع إلى الآن.

بشكل عملي لجأت مرسي إلى إقحام مؤسسة الرئاسة في الكثير من أحاديثها عن المرأة ومشكلاتها، وتكرر دائمًا أنها مدعومة بشكل مباشر من القيادة السياسية وترسل تقاريرها إلى رئيس الدولة شخصيا.

الخطة أتت ببعض الثمار، وإن كانت هزيلة، مثل قرار وقف الإعلانات المسيئة للمرأة في شهر رمضان الماضي، بعدما اعترض المجلس على الأمر لرئاسة الوزراء، وموافقة البرلمان على مناقشة قانون مكافحة العنف ضد المرأة الذي أعده المجلس ويأمل أن يكون بادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أجندة وطنية للصغار

تؤمن مايا أن “كل شيء لن يتغير بالقوانين وحدها”، ما دام الأمر بعيدًا عن تغيير ثقافة المجتمع، ومع فقدانها الأمل في تغيير ثقافة الكبار، لجأت إلى الأطفال لتزرع بداخلهم ثقافة جديدة بعيدة عن تلك التي تربّوا عليها.

مايا مرسي تحسب لها ولعضوات المجلس استعانتهن الدائمة بالأرقام والإحصائيات في حواراتهن التلفزيونية والصحافية لبيان خطورة وضع المرأة

قررت طرق أبواب المدارس كي تصبح المرأة ضمن أجندة وطنية تتبناها وزارة التربية والتعليم في المناهج وتجعلها في مقدمة أولويات الحديث عنها وأفضالها في الدفاع عن الوطن وسلبيات التعرض إليها، أو الانتقاص من حقوقها والتمييز ضدها وإقصائها.

ما يميز المجلس بتشكيله الحالي، أنه يعلي من قيمة الإعلام وأهميته في تغيير الثقافة والفكر المتحجّر لدى البعض تجاه المرأة، لذلك نجح في الحصول على دعم غير مسبوق من الإعلام المرئي تحديدًا، استغله كسلاح أول للضغط على صناع القرار بالدولة سواء البرلمان أو الحكومة لمساندة قضايا المرأة ومطالبها وحقوقها.

تحسب لمايا مرسي وعضوات المجلس استعانتهن الدائمة بالأرقام والإحصائيات في حواراتهن التلفزيونية والصحافية لبيان خطورة وضع المرأة.

العنف ضد المرأة باهظ الأثمان، إذ تقدر خسائره بنحو 2.5 مليار جنيه سنويا (نحو 250 ألف دولار) تتمثل في تكلفة علاجها وخسائر غيابها عن العمل إذا غابت بسبب الأذى الذي تعرضت له، ما جعل الرأي العام يقف أمام قيمة المبلغ وخطورته على الاقتصاد والأسرة.

هناك أيضًا 10 بالمئة من النساء يتعرضن للختان في غياب دولة القانون، ومثلهن يتعرضن للتحرش الجنسي دون عقاب الأمر الذي يمس من هيبة الدولة.

استغلت مايا وعضوات المجلس المساندة الإعلامية لهنّ في الحشد لتعيين امرأة في منصب المحافظ، ونجحت المهمة بشكل مبدئي بتعهد وزير التنمية المحلية أحمد زكي بدر، بتعيين سيدة في حركة المحافظين المزمع إصدارها قريبا، في سابقة تاريخية، لأن المنصب يبدو مقصورا على فئات معينة من الرجال.

في المجمل، يبدو وضع المرأة في مصر يراوح في نفس النقطة التي انطلقت منها مايا مرسي، ويمكن القول إن الوضع يزداد سوءًا في بعض القضايا، ومنها على سبيل المثال، أن مصر كانت أول دولة في العالم قادت حملة دولية ضد ختان الإناث خلال فترة عشرينات القرن العشرين، وأصبحت في صدارة الدول التي تنتشر فيها ظاهرة الختان.

تفسير ذلك بحسب رئيس المجلس، أن هذه الثقافة لم تعد موجودة فقط خلف الأبواب المغلقة في المنازل، وإنما عند قاضٍ يبرئ طبيبًا ختن طفلة بالمخالفة للقانون، وموجودة في مستشفى فتح أبوابه لإجراء عملية ختان، ما يعني أن القضاء على الظاهرة يستدعي تغيير فكر المجتمع من القاع حتى متخذي القرار.

إلى ذلك تتسع دائرة الاستهداف النسائي، بما تقدمه الدراما والسينما المصرية من أعمال فنية، تظهر المرأة كسلعة مشوّهة لا تعطي الأمل لأيّ تغيير، ما يضاعف التحديات على مجلس مايا مرسي، ويجعل من محاولة نقل المرأة إلى وضع ينصفها أمرا قد يستعصي تحقيقه في المدى القريب.

13