مايرهولد مكتشف سر اللعبة المسرحية قبل أن يعدم

كتاب يكشف عن مصادر الإبداع الفنّي عند مايرهولد، ويعيد الاعتبار إليه بتوضيح تأثيره على الكثيرين من روّاد المسرح العالمي في القرن العشرين.
الاثنين 2018/03/26
مسرحي مبتكر وفنان قلق وصارم في آن واحد

 “الأسلبة” و”المسرَحة” و”البيوميكانيك” ثلاث كلمات سحرية أقام عليها المخرج المسرحي الروسي الشهير فسيفولد مايرهولد تجاربه الطليعية في ما يُعرف بـ”المسرح الشرطي”، الذي أعلن عنه طوال عمله في مسرح الأستديو بموسكو أوائل القرن العشرين، وعارض فيه المذهب الطبيعي، متأثرا بنظرية بافلوف “الاستجابة الشرطية”، التي مؤداها أنه يمكن لأي مثير بيئي محايد أن يكتسب القدرة على التأثير في وظائف الجسم الطبيعية والنفسية إذا ما صوحب بمثير آخر من شأنه أن يثير فعلا استجابة منعكسة طبيعية أو شرطية أخرى، وكذلك بأفكار مجايليه النقاد والدارسين الشكلانيين الروس (حلقتا موسكو وسانت بطرسبرغ الأدبيتان)، لتقديم عروض مسرحية حديثة تتقاطع ومبدأ محاكاة الحياة أو الواقع، وتقترح وسائل تعبيرية مسرحية صرفة، لأن المسرح فنّ له لغته الخاصة، كما الشعر الذي يقوم على الانزياح.

المسرح الشرطي

 

تأثر المسرح على مر تاريخه بمنتجات الفلسفة والأدب ما جعله يحاول التجدّد شكلا وطرحا ومضمونا منذ بداياته الإغريقية إلى تبلوره الأوروبي وصولا إلى الثورة التي طالته مطلع القرن العشرين، ولعل التحول الأبرز للمسرح كان مع القرن العشرين خاصة مع المسرحيين مايرهولد وبريشت

يهدف كتاب “المسرح الشرطي سر اللعبة المسرحية” للباحث الأردني مؤيد حمزة، الصادر حديثا عن مختبر دراماتورجيا 21، إلى إلقاء الضوء على “المسرح الشرطي”، الذي نظّر له واشتغل عليه مايرهولد (ولد عام 1874 وأعدم عام 1940 بتهمة كونه عدوّا للشعب، بعد محاكمة صورية)، والتيارات التي انبثقت عنه، محددا العناصر المشتركة في ما بينها.

كما يكشف عن مصادر الإبداع الفنّي عند مايرهولد، ويعيد الاعتبار إليه بتوضيح تأثيره على الكثيرين من روّاد المسرح العالمي في القرن العشرين، ويتناول مجموعة من الدراسات حول العلاقة بينه وبين وستانسلافسكي من حيث التقارب والاختلاف، وتحليل تجربة أستوديو “بوفارسكي” الذي اشتركا فيه، وتأثير مايرهولد على بريشت، مع التركيز على استكشاف صلات الوصل بينهما، وعقد مقارنات بين توجّه كل منهما في التعامل مع النص، والمشهدية المسرحية، والممثل، وطبيعة التلقي في مسرح كل منهما.

ويحلل الكتاب دور الغروتسك في بلورة المسرح الشرطي عند مايرهولد، ودراسات حديثة تثبت آراءه الفنية والجمالية، ويخصّص مساحة لدراسة منهجه المعروف بـ”البيوميكانيك” في إعداد ممثّل “مسرح المستقبل” الذي كان يطلقه على مسرحه الشرطي. لكن ما هو المسرح الشرطي؟ يعرّفه المؤلف مؤيد حمزة بأنه اتجاه فنّي في عملية الإبداع المسرحي، ظهر وتبلور في نهاية القرن التاسع عشر– بداية القرن العشرين كنقيض للمسرح الواقعي، خاصة للاتجاه الطبيعي في المسرح، في وقت كان مايرهولد يبحث فيه عن منهج مسرحي يسعى إلى توظيف خيال المتفرج في ما أسماه بـ”لعبة مسرحية” لا تقتصر على الممثل، الذي يلعب دوره فحسب، بل يشترك فيها المتفرّج بتفعيل خياله.

المصدر الرئيس لهذا الاتجاه هو علم الفيسيولوجيا، وتحديدا من خلال التجارب الشهيرة للفيسيولوجي الروسي إيفان بافلوف عام 1901 التي نتجت عنها نظرية “الاستجابة الشرطية”. وقد تزامنت بداية هذا الاتجاه مع المتغيّرات الحادة التي شهدها الفنّ المسرحي آنذاك، على الصعيدين العملي والنظري، وكذلك مع تبلور مهنة جديدة في المسرح لعبت دورا رئيسا في تحديد مصيره الفني هي مهنة المخرج، الذي أصبح القائد الحقيقي للعرض المسرحي، والماسك بكل العناصر المسرحية الرئيسة والثانوية. وقد شكَّلت تلك المرحلة بداية الحراك النشط والفعّال والتجريب في فنّ الإخراج المسرحي.

بدأ مايرهولد تجاربه المسرحية، حسبما يقول المؤلف، بعد أن انشق عن مسرح موسكو الفني بقيادة ستانسلافسكي ودانتشينكو عام 1902، وأصبح أحد أبرز منتقدي منهجهما الواقعي، حيث وجد أنّ المسرح كان يعتمد منذ نشأته الأولى على الانفعالات الشرطية لدى المتلقّي، وما ينشأ من تواصل بينه وبين المرسل، الأمر الذي أثار اهتمامه ليس في الفيسيولوجيا وحسب، بل في تاريخ المسرح، فقدّم لطلابه محاضرات غاية في الأهمية أسهمت بشكل فعّال في بلورة نظريته حول المسرح الشرطي. وفي الوقت نفسه تأكدت القناعة لديه بلا جدوى محاكاة الطبيعة في المسرح.

سر اللعبة المسرحية
سر اللعبة المسرحية

آراء مايرهولد

يعرض المؤلف، في ثلاثة فصول ومقدّمة وملحق، آراء مايرهولد وابتكاراته في توظيف الشرطية المسرحية في كل عناصر العملية المسرحية: التأليف والإعداد المسرحي (التيار الأدبي والتيار المسرحي- الكاتب الدراماتورج)، المشهدية المسرحية (الديكورات والبناء المسرحي والخشبة المسرحية والأزياء والأقنعة)، التمثيل (الكوميديا ديل آرتي والبانتوميم والبيوميكانيك والغروتسك)، وميخائيل باختين ومفهوم الكرنفالية.

في ملحق الكتاب يقف المؤلف على إشكالية “الشرطية المتطرّفة”، ويبحث في اختلاف العمليات الإدراكية بين عالمي شرق آسيا والغرب وتأثيرها على المشهدية المسرحية والتلقّي المسرحي، وهي إشكالية تتعلق بمسألة التلقي وعلاقتها بالمكان والزمان والإرث الحضاري للمتلقّي، ومن ثمّ انعكاس ذلك على مفهوم المسرح الشرطي.

ويورد مؤيد حمزة حديث مايرهولد عن بساطة البناء المشهدي في المسرحين الصيني والياباني، والأداء التمثيلي فيهما. لكن على الرغم من إقرار مايرهولد بضرورة الاستفادة من الإمكانيات التي يقدّمانها، فإنه لا يستسيغ مبالغتها في الشرطية المسرحية لما تتسم به من تطرّف ليس له ضرورة، مع إدراكه في الوقت نفسه أنها عادية جدا في مكانها الطبيعي، ويجري تقبّلها ببساطة في المسرح الصيني والياباني، ومؤكدا أن مسرحه المخصّص لجمهوره بحاجة إلى وسائل أخرى أكثر ضرورية تساعده في إيصال رسائله. ويقارن المؤلف بين مايرهولد وبريشت، مستعرضا حلقات الوصل بين الرائدين المسرحيين، والسعي إلى استكشاف ما أسماه مايرهولد بـ”سر اللعبة المسرحية”.

أخيرا، يمكن القول إن قارئ هذا الكتاب يكتشف مايرهولد بوصفه مخرجا مسرحيّا مبتكرا، وفنانا قلقا، وشغوفا، وصارما في آن واحد، كانت ولا تزال حساسيته شاهدة على العصر الحديث، وكتاباته وتجاربه لم تنفك عن إلهام الأوساط المسرحية بأفكار ورؤى تجديدية منذ مفتتح القرن الـ20 إلى الآن، خاصةً منهجه “البيوميكانيك” الذي تأثر به العديد من المخرجين في مختلف أنحاء العالم.

15