مايكل أنجلو أنطونيوني السينمائي العابر للثقافات

السبت 2015/06/20
مايكل أنجلو قرأ أزمات المجتمعات الحديثة في كوادر ولقطات حية

أن تحتفي باريس في صيفها السياحي هذا العام بواحد من نجومها السينمائيين الكبار وما أكثرهم سيكون أمرا معتادا وطبيعيا، لكن أن تذهب بعيدا للاحتفاء بواحد من عمالقة السينما الإيطالية والعالمية وهو السينمائي الكبير مايكل أنجلو أنطونيوني، فذلك هو استثناء وتميز، وهو ما تجري وقائعه في هذه الأيام وحتى منتصف الصيف الباريسي، هنا سيطل السينمائي الكبير بكثير جدا من منجزه وتاريخه ولمساته واهتماماته، رسائله وتخطيطاته، السيناريوهات التي كتبها بخط يده، مقتنيات ومقاطع فيلمية وبرامج مصاحبة، كلها تحشد للاحتفاء به.

ليس مستغربا أن يُحتفى بأنطونيوني بين الحين والحين في شتى البلاد والبقاع من بيروت إلى لوس أنجليس ومن باريس حتى بيونس آيرس حيث تقام النشاطات الاستعادية التي تلقي مزيدا من الضوء على عملاق من عمالقة الإبداع ظل حتى الرمق الأخير من حياته مخلصا لفن الفيلم وللتعبير من خلاله عن أشد أزمات الإنسانية ضراوة، سيتذكره من يهتم باستعادة منجزه وهو مقعد عاجز عن الكلام والحركة وذلك في العام 2012 وقد ناهز التسعين من العمر ولكنه مازال مصرا على إنجاز آخر أفلامه، لعله إصرار فريد، ولكنه ليس مستغربا منه وقد أسسه منذ بداياته المبكرة.

إدارة الرؤوس

أنطونيوني العابر للثقافات جدير بأن يحتفي به السينمائيون والمثقفون على السواء، ولهذا اجتذب اهتمام نقاد وفلاسفة كبار من وزن رولان بارت و جيل ديلوز وكانت لهم قراءتهم لمنجزه الجدير بالمراجعة والفهم المتجدد، كتب له بارت يوما قائلا “لا شك أنك تتعامل مع المادة والشكل باعتبارهما، هما أيضا تاريخين، فالمآسي هي، كما قلت أنت، سيكولوجية وتشكيلية في آن معا.

أما المجتمعي، السردي والعصابي، فما هو سوى مستويات، أو متوافقات، مثلما يقال في الألسنية، العالم يشكل مادة لجميع الفنانين، هنالك تعاقب وليس تراتبية في المصالح، بدقيق العبارة، لا يتطور الفنان على عكس المفكر، بل يكنس كآلة شديدة الحساسية التركة الجديدة التي يضعها أمامه تاريخه الفردي”.

في تلك الفسحة الغرائبية التي يتحدث عنها رولان بارت تنبض حياة صنعها أنطونيوني دفعة واحدة في ثلاثية أدارت الرؤوس والعقول إليه، سلسلة مكثفة في شكل ثلاثة قصص سينمائية بين الأعوام 1960 و1962 وهي: المغامرة، الليل، الأفول، ثلاثة أفلام بقيت علامات فارقة في مسار أنطونيوني، وكل منها حمل ملمحا من ملامح التجريبية السردية التي أرّخت لمنجزه وميزته، المرويات والسرد السينمائي الكثيف قدمت رؤية مختلفة عن السائد في تلك الحقبة، لا سيما وأن الواقعية الإيطالية كانت راسخة على أيدي مخرجين ايطاليين كبار من مثل فيسكونتي ودي سيكا وفيلني وروسيليني وزافاتيني ودي سانتيس، هنا ثم فارق ملحوظ، إذ كان من الصعب الزج بأنطونيوني وأسلوبه في ذلك الخليط النمطي الواقعي، فالقصص الأكثر قربا للواقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تكن هي غاية منى أنطونيوني بقدر عنايته بشخصياته المأزومة وهي تروي تفاصيل حياتها من زوايا مختلفة وغير مألوفة.

الصورة في فيلمه "تكبير" تلعب أدوارا مهمة فالفيلم بمجمله يقدم رؤية معاصرة للمجتمعات الحداثية وهي تغرق في أزماتها ولا تجد شخصياتها ملاذا تستقر فيه

في فيلم “المغامرة” أسس أنطونيوني لمساره الأسلوبي السينمائي من جهة، وأطلق نجمة كبيرة هي رفيقة دربه الممثلة الكبيرة مونيكا فيتي التي ظلت نجمة لأغلب أفلامه ونالت عنها العديد من الجوائز وظلا مرافقين لبعضهما عقودا عدة حتى انتهى بها المطاف في هذه الأزمنة وقد محيت ذكرياتها مع أنطونيوني وتاريخها كله مصابة بالزهايمر.

من هذا الفيلم أسس أنطونيوني لصورة مغايرة ومختلفة للحياة العصرية المأزومة عن المرأة المفقودة في هذا الفيلم، وجار البحث عنها بعد رحلة في عرض البحر ستقابلها صورة الكاتب وأزماته، هنا سيتألق الممثل الكبير مارسيلو ماستروياني، في هذا الفيلم وفي عدة أفلام أخرى لأنطونيوني، الخيانة هنا تعبير عن أزمة بين زوجين يعيشان اغترابا وتشظيا لا سيما من خلال شخصية الكاتب وهو ما سيتكرر لاحقا في أفلام أخرى، فالحياة المعاصرة لا تقدم إلا مثل هذه الشخصيات المحاصرة بأزماتها الذاتية وتشظياتها.

في فيلم الأفول هنالك مقاربة أخرى موازية للأزمة ذاتها، المترجمة الشابة التي انفصلت توا عن صديقها ستبحث عن حياة أخرى وتعيش تشظيات شتى وهذا الفيلم الذي قدم مجددا النجمة مونيكا فيتي إلى جانب ألان ديلون كان قد حاز على جائزة لجنة التحكيم الدولية لمهرجان كان، جائزة تضاف إلى سلسلة من الجوائز التي حصدها أنطونيوني عن أفلامه كسعفة مهرجان كان الذهبية 1966 وانتهاء بالأوسكار الفخرية عام 1995 وغيرها كثير.

ولعل عالمية أفلام أنطونيوني تكمن في رؤيته الخاصة التي أثمرت عن انتقاله من المرحلة الإيطالية إلى الأوروبية فالعالمية، ولعل فيلمه “بلو آب” هو علامة فارقة في مسيرته، انتقل من خلاله إلى لندن وبناه على قصة للكاتب الأرجنتيني الكبير كورتاثار وكان نجاحه في هذا الفيلم مكملا لفيلم سبقه بروح إيطالية خالصة وهو فيلم الصحراء الحمراء، بين الفيلمين يقف أنطونيويني في مقاربة سردية مختلفة جعلت وزنه عالميا إذ استقطب في الفيلم الأخير الممثل الأميركي الكبير ريتشارد هاريس وقدمه إلى جانب النجمة الأثيرة كالمعتاد مونيكا فيتي وهنا أجواء العالم الصناعي والإضرابات ومابين ذلك تبرز تلك المرأة التي تقود ابنها لملاقاة زوجها وهو وسط المعمعة وقد حصد الفيلم جائزة مهرجان البندقية ولقي نجاحا مميزا.

في فيلم “تكبير” سيجسد أنطونيوني رؤيته من زوايا أخرى، فهو قد عاش تجربة فريدة، قدم فيلما بالإنكليزية للمرة الأولى وحشد نجوما عالميين كبارا مثل فانيسا ريدغريف وسارا مايلز وجون كاسيل وغيرهم، الصورة في هذا الفيلم تلعب أدوارا مهمة وتجد أن الفيلم بمجمله يقدم رؤية معاصرة لهذه المجتمعات الحداثية وهي تغرق في أزماتها ولا تجد شخصياتها ملاذا تستقر فيه، المصور الفوتوغرافي يعيش عالم “موديلات”، عارضات مختلفات، لتلتقط عدسته بالصدفة صورة جثة تقع في عمق الصورة لتبدأ تراجيديافي وسط ذلك المجتمع المخملي وليقدم أنطونيوني مزيدا من الشخصيات المأزومة.

ذلك النسق العالمي، السردي المختلف الذي غادر المحلية الايطالية سيترسخ أكثر وأكثر في تقديم رؤية معاصرة شاملة جسدها في أفلامه التي نقلته إلى قلب الصناعة السينمائية الهوليوودية حيث الاتفاق مع المنتج كارلو بونتي وحيث كانت الثمرة إنتاج فيلمين آخرين يضافان لفيلم بلو آب وهما «نقطة زابريسكي» و«المسافر» وكلا الفيلمين غاص فيهما في الحياة الأميركية كمخرج محنك ومجرب ففي الفيلم الأول خاض في تلك الحياة الطلابية الزاخرة بالحياة، إبّان صعود اليسار والحركات الطلابية.

عزف متقن سار عليه أنطونيوني بمشاركة كاتب السيناريو الأميركي الشهير سام شيبرد مع آخرين، ورغم ما ضخ فيه أنطونيوني من إمكانات تعبيرية مميزة إلا أنه لم يصب نجاحا يذكر بل قوبل ببرود نقدي لم يكن متوقعا، أما في فيلم “المسافر” وهو الفيلم الثالث من ثلاثيته إنكليزية اللغة، أميركية الإنتاج، فقد زج بنجم كبير هو جاك نيكلسن إلى جانب الممثلة الكبيرة ماري شنايدر ومضى قدما في تنويعاته الأسلوبية وهنا سيقدم صحافيا استقصائيا ينجز مشروعا وثائقيا في أفريقيا ومن هناك تنطلق سلسلة من التحولات في حياته متنقلا بين تشاد ولندن وبرشلونة فيما الشخصيات تعيش أزماتها وتحولاتها، رشح الفيلم للسعفة الذهبية في كان ونال اهتماما نقديا مميزا.

الناقد الكبير رولان بارت يخاطب أنطونيوني بالقول "لاشك أنك تتعامل مع المادة والشكل باعتبارهما، هما أيضا تاريخين، فالمآسي هي، كما قلت أنت، سيكولوجية وتشكيلية في آن معا"

رؤية مستقبلية

ولعل ما يلفت النظر في عموم تجارب أنطونيوني السينمائية هي تلك الحداثة المتجددة التي تنضح برؤية مستقبلية وهو طالما ذكر ذلك في كثير من اللقاءات الصحافية التي أجريت معه بأنه معنيّ بالمستقبل أكثر من أيّ شيء آخر ولهذا يرى كثير من النقاد أن أعماله تتجدد وتمتلك سمات المعاصرة سواء من ناحية الفضاءات التي تظهر في أفلامه أو الديكور أو الأزياء أما على الصعيد السردي فقد أسس أنطونيوني لنفسه مسارا مختلفة من خلال تلك النهايات المفتوحة والتمرد على كليشيهات السرد التي كانت سائدة سواء في السينما الإيطالية أو الهوليوودية علاوة على ذلك النحت المتقن في الشخصيات لا سيما وأنه هو كاتب سيناريو أفلامه وهو كاتب قصص أغلبها رغم مشاركة كتاب سيناريو آخرين في كتابتها أيضا.

مشهد أخير

في المشهد الأخير من تلك الحياة السينمائية الباذخة والمتوجة بـ16 فيلما روائيا طويلا ابتداء من مطلع الخمسينات من القرن الماضي و20 فيلما قصيرا وعشرات الجوائز الكبرى والتكريمات، في المشهد الأخير ورغم العجز الجسماني والشيخوخة 95 عاما، إلا أنه أتحف جمهوره بفيلمه الأخير “خلف الغيوم” بمساعدة المخرج الألماني الكبير فيم فندرز الذي يعد واحدا من مريديه والمتأثرين بإبداعه إلى جانب ثلة من ألمع المخرجين المعاصرين، ففي هذا الفيلم قدم أنطونيوني سلسلة من أربع قصص عن الحب والحياة والتداعيات المتعلقة بالإنسان المتشظي والمأزوم، رجلا كان أو امرأة وهو الذي طالما عني به في أفلامه، وهنا تعمق في تلك السردية المطلقة التي مثلت علامة فارقة في مساره، القصص المختلفة والشخصيات التي يمكن أن تجدها في أيّ زمن ومعاناتها مشتركة مع شخصيات أخرى لكنها وفي كل الأحوال تتجلى في سرد روائي وقصصي وسينمائي مختلف وفريد من نوعه وهو ما ميز تجربة أنطونيوني على الدوام.

14