مايكل بلومبرغ ملياردير يواجه ترامب بحزب ديمقراطي ضعيف

بلومبرغ سيكون وجهاً لوجه أمام ترامب في العام 2020 حال اتخاذه قرار الترشح للانتخابات الرئاسية، حينها ستبدأ المعركة الكبرى بين الرجلين.
السبت 2019/11/16
بلومبرغ وجه آخر لعملة واحدة إلى البيت الأبيض 2020

أخيراً، وبعد جدل كبير أُثير في وكالات الأنباء الأميركية والعالم، أصبح الأمر واقعاً وليس مجرد خبر قابل للنفي أو التأكيد. فها هو رجل الأعمال النيويوركي مايكل بلومبرغ، يتوجه إلى ولاية ألاباما لتقديم الأوراق والوثائق المطلوبة للتسجيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي الأميركي بحسب ما أفاد ناطق رسمي باسم الحزب.

إلا أن بلومبرغ وهو ميلياردير أميركي يبلغ 77 عاماً من العمر، لم يحسم أمره بعد لخوض الانتخابات الرئاسية منافساً للرئيس الحالي دونالد ترامب رغم تقديمه أوراق ترشيحه رسمياً، ويكون بذلك قد ترك الباب موارباً أمام إمكانية خوضه غمار المنافسة على سدة البيت الأبيض من عدمها، وترك الأسئلة مفتوحة في وسائل الإعلام وهو الشخصية البارزة في عالم المال والأعمال والسياسة أيضاً.

ديمقراطي جمهوري

بلومبرغ ابن لعائلة يهودية من أصول أوروبية شرقية، وهو رجل أعمال شهير تقدر مجلة فوربس ثروته بما يربو على 55 مليار دولار، كان قد أسس شركة بلومبرغ المحدودة وتولى منصب عمدة نيويورك لمدة 12 عاماً؛ وعندما ترشح لأول مرة لانتخابات عمدة نيويورك في العام 2001 تحوّل إلى الحزب الجمهوري بعد أن كان ديمقراطياً في شبابه، وانتخب أيضاً في العام 2005 لدورة جديدة كعمدة مدينة نيويورك عن الحزب الجمهوري.

في العام 2007 قام بلومبرغ بنقلة سياسية رجعية إذ أعلن رسمياً مغادرته للحزب الجمهوري وعودته إلى مظلة الحزب الديمقراطي، الأمر الذي أثار فضولاً كبيراً في الكواليس السياسية الأميركية في ذلك الوقت عمّا إذا كان ينوي الترشح عن الحزب الديمقراطي منافساً لباراك أوباما لنيل تسمية الحزب لخوض الانتخابات الرئاسية في حينها، إلا أنه لم يفعل.

بلومبرغ لا يخفي معارضته لطروحات ساندرز ووارن اللذين يخوضان حملة لتطبيق الأفكار الاقتصادية الاشتراكية في البلاد، ويشجبان باستمرار سياسات وول ستريت والشركات العملاقة وسلطة الأثرياء التي يعتقدان أنها أفسدت النظام السياسي

منجز بلومبرغ على مستوى العمل الاجتماعي المعني بالشأن العام يعود إلى شراكته مع الثري الأميركي بيل غيتس، بإطلاق مبادرة لمكافحة التدخين وضعا لها ميزانية بلغت 375 مليون دولار. وتقوم المبادرة على فكرة الترويج لسياسات مكافحة التدخين في العالم. وكان بلومبرغ قد بادر بنفسه بإطلاق هذا المشروع قبل انضمام مؤسسة “بيل وميليندا غيتس” الخيرية لمبادرته.

في شهر مارس الماضي صرّح بلومبرغ للإعلام الأميركي بأن لديه رغبة في الترشّح إلى الانتخابات الرئاسية، لكنه قال إنه لا يريد أن يحدّ من فرص نائب الرئيس الأسبق، جو بايدن، في نيل تسمية الحزب الديمقراطي بمنافسته غلى ترشيح الحزب لأحدهما لخوض انتخابات 2020.

إلا أن تسريبات نقلها الإعلام الأميركي على لسان بلومبرغ مفادها أنه صرح لمقرّبين منه أنه “يدرك تماماً أن بايدن ضعيف ولن يتمكن من منافسته إذا ما رشّح نفسه“، واستتبع قائلاً “إنه من المؤكد أن المتنافسين الآخرين وهما اليساريان الاشتراكيا الهوى، بيرني ساندرز وإليزابيث وارن، لن يتمكنا من الفوز بترشيح الحزب على أي الأحوال“.

وول ستريت تحكم العالم

عمدة نيويورك السابق يعدّ الأكثر قدرة على الوقوف في وجه ترامب في الانتخابات القادمة، لاسيما وأن الإثنين ينحدران من عالم نيويورك للمال والأعمال والثروة، ويعرفان نقاط الضعف ومراكز القوة.
عمدة نيويورك السابق يعدّ الأكثر قدرة على الوقوف في وجه ترامب في الانتخابات القادمة، لاسيما وأن الإثنين ينحدران من عالم نيويورك للمال والأعمال والثروة، ويعرفان نقاط الضعف ومراكز القوة.

بلومبرغ الذي حصد ثروة هائلة من سوق المال “وول ستريت”، وكثيراً ما تباهى في ما مضى بأنه جمهوري مستقل، لا يخفي امتعاضه بل ومعارضته لطروحات ساندرز ووارن اللذين يخوضان حملة لتطبيق الأفكار الاقتصادية الاشتراكية في البلاد، ويشجبان باستمرار سياسات وول ستريت والشركات العملاقة العابرة للحدود وسلطة الأثرياء التي يعتقدان أنها أفسدت النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الحياة الأميركية، وفي آن واحد.

أما المستشار السياسي لبلومبرغ، هاورد ولفسون فغرّد مؤخراً، على حسابه الخاص على تويتر قائلاً إن “بلومبرغ قلق من افتقار السباق الانتخابي داخل التيار الديمقراطي إلى مرشح يمكنه هزيمة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل”.

كان فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية السابقة مفاجأة للجميع، أمام منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون التي كانت خسارتها ردة فعل شعبية على أداء الحزب الديمقراطي، بسبب عدم رضا الشعب الأميركي عن حكم ثماني سنوات لسلفها الديمقراطي، باراك أوباما، والتي لم يعرف فيها سوى الخطابات الرنانة والقليل القليل من الفعل والتنفيذ على المستويين السياسي والاقتصادي في آن.

ويبدو أن المشهد سيتكرر في الانتخابات القادمة، فحظوظ بلومبرغ تبدو الأعلى مقارنة بمنافسيه الثلاثة لنيل ترشح الحزب الديمقراطي؛ فالأفكار الاقتصادية التي يطرحها من يمثلون الفكر اليساري لا تلقى قبولاً عريضاً في الشارع الأميركي القائم على حرية رأس المال، كما أن بايدن هو بالفعل ضعيف الحضور والأداء سياسياً؛ وهكذا يكون الطريق ممهداً لبلومبرغ لنيل ترشيح الحزب، فهو الأكثر قدرة على الوقوف في وجه ترامب في الانتخابات القادمة، لاسيما أن الإثنين ينحدران من عالم نيويورك للمال والأعمال والثروة، ويعرفان نقاط الضعف ومراكز القوة التي يقف كل واحد منهما في دائرتها لاستخدامها في المناظرات الانتخابية.

فوضى في حزب بلومبرغ

 ترامب يعرف بلومبرغ منذ زمن بعيد، ولا يراه اليوم تهديداً له، حتى أنه علّق على نيته الترشح للرئاسة بالقول "لا يوجد شخص أحسن من بلومبرغ الصغير لأتنافس أمامه"
ترامب يعرف بلومبرغ منذ زمن بعيد، ولا يراه اليوم تهديداً له، حتى أنه علّق على نيته الترشح للرئاسة بالقول "لا يوجد شخص أحسن من بلومبرغ الصغير لأتنافس أمامه"

ليست العطالة السياسية التي أصيب بها البيت الأبيض في عهد أوباما هي وحدها التي أحدثت شروخاً عديدة في الحزب الديمقراطي أدت إلى ضعف مصداقيته في الشارع الأميركي، وبمقابل صوت الناخب، فإن ما حدث في انتخابات 2008 في صفوف الحزب من فضائح انتخابية وعلى رأسها الرسائل الإلكترونية التي تسرّبت عن حملة كلينتون في محاولة لتقويض منافسها في ذلك الحين، ساندرز، الأمر الذي اعتبرته القاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي مؤامرة منبوذة داخل أروقة الحزب.

برامج مرشحي الحزب للانتخابات القادمة، حتى اليوم، والتي تضع الحزب الديمقراطي في مواجهة مع الشركات الكبرى واللوبيات المؤثرة وهي المحرك الحيوي للنظام الرأسمالي الأميركي، تدفع ببلومبرغ إلى المقدمة ليكون اختيار الحزب الديمقراطي المرتبك أصلاً، والذي يحتاج إلى شخصية قوية ومقبولة لمختلف الأوساط الأميركية وخصوصاً للناخب المنتمي إلى فئة “المتأرجحين” التي تستطيع دائماً أن تعدل دفة الأصوات في اللحظات الأخيرة.

وقد نشرت جريدة نيويورك تايمز في وقت سابق تقريراً عن الانقسامات التي تعتري جسم الديمقراطيين السياسي معتبرة أن الحزب أصبح ثلاثة أحزاب لكل منها قواعده السياسية واصطفافاته والقواعد الإجرائية التي تنظمه، ما أضعف بنيانه وقدرته في التأثير على قاعدته الشعبية لغياب الوحدة الجامعة في طروحاته وتضارب مفاضلاته السياسية، رغم أن ما يجمع الديمقراطيين، حزباً ومناصرين، هو الرغبة الجامحة بإبعاد ترامب عن البيت الأبيض؛ إلا أن الغاية الأكثر تعقيداً التي يتوقفون أمامها اليوم هي تسمية مرشح وتقديم برنامج انتخابي مقنع للشارع الأميركي حتى يختار التصويت للمرشح الديمقراطي.

سياسة الدولار

حظوظ بلومبرغ تبدو الأعلى مقارنة بمنافسيه لنيل ترشح الحزب الديمقراطي. مع أن الحزب، حسب الأوساط الأميركية، منقسم في هذه الفترة إلى ثلاثة أحزاب لكل منها قواعده الشعبية واتجاهه ومشاريعه ورؤيته.
حظوظ بلومبرغ تبدو الأعلى مقارنة بمنافسيه لنيل ترشح الحزب الديمقراطي. مع أن الحزب، حسب الأوساط الأميركية، منقسم في هذه الفترة إلى ثلاثة أحزاب لكل منها قواعده الشعبية واتجاهه ومشاريعه ورؤيته.

بحساب سياسي بسيط نستطيع أن نخلص إلى أن بلومبرغ سيكون وجهاً لوجه أمام ترامب في العام 2020 حال اتخاذه قرار الترشح للانتخابات الرئاسية، حينها ستبدأ المعركة الكبرى بين الرجلين، ترامب الذي خبر الأجواء السياسية في واشنطن بعد أربع سنوات من تمرسه الصعب في كواليس ما وراء صناعة القرار، وكفاحه للاستمرار في البيت الأبيض رغم كل ما نُصب له من فخاخ سياسية ودستورية وآخرها المشروع القانوني الذي يقوده الديمقراطيون في الكونغرس لعزله. ترامب رجل المال الذي أنعش الاقتصاد الأميركي وخفّض نسب البطالة لأرقام غير مسبوقة وخرج من حروب شنّها أسلافه في العالم، سيكون منافساً لبلومبرغ الذي يتشابه معه في كثير من المعطيات، بينما يتسابق معه على الكرسي عينه.

أما ترامب فقد علق على نية بلومبرغ الترشح لمنافسته بالقول إنه “لا يوجد شخص أحسن من بلومبرغ الصغير لأتنافس أمامه على الرئاسة، أنا أعرفه جيدا وأعرف أنه يعاني من عدة مشكلات، خاصة على المستوى الشخصي”.

انتخابات 2020 قد تشهد مفاجآت غير متوقعة، ولكن الناخب الأميركي يبقى هو السيد الحكم الذي سيحدد صوته من بين المتنافسين الأخيرين، الديمقراطي غير المعلوم بعد والجمهوري ترامب، سيكون في الأعوام الأربعة القادمة سيد المكتب البيضاوي.

12