مايكل جاكسون أيقونة استعراضية تحتل المتاحف

معرض يحوي لوحات تتعامل مع مايكل جاكسون بوصفه ظاهرة رسّختها ثقافة الاستعراض، ليدخل تاريخ الفنّ بوصفه رمزا للشهرة والمال والعمل والمأساة الشخصيّة.
الأحد 2018/12/16
ملك البوب وانتصار الاستعراض

لا يمكن الحديث عن مايكل جاكسون بسهولة، فالمغني والمؤدي الأميركيّ ساهم بتغيير وجه الموسيقى وكيفية تلقينا لنجومها، فعلى الخشبة كان راقصا ومغنيا شكّل نقطة علّامة في تاريخ الأداء، كما كان للفيديو المصور لأغنية “ثرلير” دورٌ في تحويل الفيديو كليب إلى فنّ ذي خصائص جماليّة وسرديّة، أما في حياته الشخصيّة فهو رمز للغرابة والاختلاف سلبا أو إيجابا، سواء في علاقته مع أسرته والمقربين منه أو في حياته اليوميّة وأحلامه الطفوليّة، التي قرّر أن يبقى أسيرها في قصره ذي مدينة الملاهي والمعروض للبيع بسبعين مليون دولار.

يستضيف متحف القصر الكبير في باريس، بصورة غير معتادة حسب تعبير الجمهور، معرضا بعنوان “مايكل جاكسون: على الجدار”، وهو معرض لا يشبه ما نراه عادة من فعاليات تحوي مقتنيات جاكسون وأزياءه وكل ما لمسه، إذ يتم التعامل هنا مع جاكسون كأيقونة من الثقافة الشعبيّة، ورمز تحول وتغيّر فنيا وجسديا وألهم الجمهور سواء كانوا أشخاصا عاديين أو فنانين، إذ نراه حاضرا في لوحات ومنحوتات تتعامل معه بوصفه ظاهرة رسّختها ثقافة الاستعراض، ليدخل تاريخ الفنّ بوصفه رمزا للشهرة والمال والعمل الجديّ والمأساة الشخصيّة.

محاكاة لبورتريه للملك فيليب الثاني، وجاكسون ضمنها على صهوة حصان ذي خيلاء، تُكلله الملائكة بالغار
محاكاة لبورتريه للملك فيليب الثاني، وجاكسون ضمنها على صهوة حصان ذي خيلاء، تُكلله الملائكة بالغار

يُحاول المعرض أن يغطي كافة العناصر الجمالية والثقافة المرتبطة بمايكل جاكسون، كأزيائه وكلمات أغانيه، وصوره وحركاته الراقصة، التي تم التعاون مع مصممي رقصات لإعادة إنتاجها ضمن فيديوهات مسجلة، كذلك نشاهد كيف يتم تمثيل ملك البوب بصريا، إذ يحوي المعرض لوحة ضخمة أنجزها الفنان كاهنيد ويلي في محاكاة لبورتريه للملك فيليب الثاني، ونرى جاكسون ضمنها على صهوة حصان ذي خيلاء، تُكلله الملائكة بالغار.

 وهنا تبرز أهمية جاكسون بوصفه جزءا من ظاهرة البوب أرت، التي استبدلت الملوك والسادة بملوك الاستعراض، ولم تعد الأيقونات حكرا على النبلاء وأصحاب الدم الأزرق، إذ حل محلهم الراقصون والمغنون ونجوم الشاشات، وهذا ما نراه لاحقا في لوحة لأندي وارهول التي أنجزها حين التقى جاكسون، وتصنف ضمن سلسلة الأيقونات التي أنتجها وارهول للنجوم والمشاهير كمارلين مونرو ومحمد علي كلاي وغيرهما ممن أصبحوا ماركات مسجّلة، يُضفونَ القيمة على ما حولهم بمجرد لمسه أو الحديث عنه.

أهمية جاكسون بوصفه جزءا من ظاهرة البوب أرت
أهمية جاكسون بوصفه جزءا من ظاهرة البوب أرت

يُضيء المعرض أيضا على دور مايكل جاكسون في بناء الهوية الأميركية الأفريقية، بوصفه واحدا ممن عكسوا خصائصها وتبنّوا صراعها، كما في لوحة لفايث رينغولد، التي تتداخل فيها شخصيته في أغنية “سيء” مع شبان من حي هارلم الخطير في نيويورك، فتبنيه لمبادئ حركة الحقوق المدنيّة في أميركا جعله بمصافي مارتن لوثير كينج وروزا باركس، كونه مثلهم، موضوعة تُلهم الآخرين إثر ما عاناه في طفولته وأثناء مسيرته المهنيّة، ثم تحوّله إلى مواطن عالميّ ومؤدّ عبرت موسيقاه حدود اللون والسياسة، ما جعل تأثيره يتجاوز القطاع الفنيّ، ليتحول إلى بطل شعبي عصامي ذي أسلوب مميز، كسر الصورة النمطيّة والسياسات التي ترسخها، وأوصل حكايات الشبان الملونين في تلك الفترة إلى العالم، منتقدا الآليات التي يظهرون فيها كتهديد للنظام القائم.

ما يثير الاهتمام في المعرض هو القسم المخصص للأقنعة، لا بوصفها وسيلة كان جاكسون يستخدمها في حياته اليوميّة وفي أغانيه المصورة، بل باعتبارها امتدادا لهويته، هي ليست وسيلة للاختفاء، بل هي جزء من جسد جاكسون نفسه بسبب التحولات وعمليات التجميل التي خضع لها، ليصبح هو نفسه ووجهه قناعا ذا قيمة رمزية، يختزن وراءه قوة سحريّة تحرره من الأعراف التقليديّة، وكأن جاكسون أكبر من ذاته، ما اضطره أحيانا للتحول جسديا ليطابق الصورة التي كوّنها عن نفسه.

جاكسون ساهم بتغيير وجه الموسيقى
جاكسون ساهم بتغيير وجه الموسيقى 

 وهذا ما نتلمّسه في القناع الذي أنجزه غاري هيوم، والذي يجعل من وجه جاكسون قناعا مفاهيميّا، تُفعّل تكويناته الهالة السحرية التي كانت تحيط به، في ذات الوقت تطرح الأسئلة عن صورته وتحولاته، وكأن هذا القناع أثرٌ يختزل وراءه التغيرات التي مرّ بها الملك، ومسيرته من طفل أسود يعنفه والده إلى رجل أبيض ذي ملامح اصطناعيّة يمتلك مدينة ملاه.

أكثر الأعمال إثارة للجدل في المعرض هي اللوحات التي أنجزها دايفيد لاشبيل، والتي تصوّر جاكسون بوصفه “يسوعا أميركيا”، والتي يعمد فيها الفنان إلى تبني أسلوب الأيقونات المسيحية واستبدال الشخصيات المقدّسة بمايكل جاكسون، في محاكاة لأعمال “المعلمين الأوائل” من رواد عصر النهضة، وكأن في ذلك انتقادا خفيا لأشكال التكريس والهيمنة الدينيّة على “الفنّ” حينها، فالصورة المثاليّة الربانيّة استبدلت بأخرى وليدة الأداء الفنيّ، فإن كان الخلاص سابقا عبر الدين فهو الآن عبر الاستعراض، وربما يمكن لأغنية أو مؤد أن يحمل طاقة سحريّة لتغيير العالم، ونزعنا من زمننا نحو زمن آخر أشدّ تسامحا.

15